رواية انتِ لي ( منقـــول )

    شاطر

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في الثلاثاء 9 أكتوبر - 20:25

    تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :


    مخلوقة إقتحمت حياتي !





    توفي عمي و زوجته في حادث مؤسف قبل شهرين ، و تركا طفلتهما الوحيدة ( رغد ) و التي تقترب من الثالثة من عمرها ... لتعيش يتيمة مدى الحياة .

    في البداية ، بقيت الصغيرة في بيت خالتها لترعاها ، و لكن ، و نظرا لظروف خالتها العائلية ، اتفق الجميع على أن يضمها والدي إلينا و يتولى رعايتها
    من الآن فصاعدا .

    أنا و أخوتي لا نزال صغارا ، و لأنني أكبرهم سنا فقد تحولت فجأة إلى
    ( رجل راشد و مسؤول ) بعد حضور رغد إلى بيتنا .

    كنا ننتظر عودة أبي بالصغيرة ، (سامر) و ( دانة ) كانا في قمة السعادة لأن عضوا جديدا سينضم إليهما و يشاركهما اللعب !

    أما والدتي فكانت متوترة و قلقة

    أنا لم يعن ِ لي الأمر الكثير

    أو هكذا كنت أظن !


    وصل أبي أخيرا ..

    قبل أن يدخل الغرفة حيث كنا نجلس وصلنا صوت صراخ رغد !

    سامر و دانة قفزا فرحا و ذهبا نحو الباب راكضين


    " بابا بابا ... أخيرا ! "


    قالت دانه و هي تقفز نحو أبي ، و الذي كان يحمل رغد على ذراعه و يحاول تهدئتها لكن رغد عندما رأتنا ازدادت صرخاتها و دوت المنزل بصوتها الحاد !


    تنهدت و قلت في نفسي :


    " أوه ! ها قد بدأنا ! "


    أخذت أمي الصغيرة و جعلت تداعبها و تقدم إليها الحلوى علها تسكت !

    في الواقع ، لقد قضينا وقتا عصيبا و مزعجا مع هذه الصغيرة ذلك اليوم .




    " أين ستنام الطفلة ؟ "


    سأل والدي والدتي مساء ذلك اليوم .


    " مع سامر و دانه في غرفتهما ! "


    دانه قفزت فرحا لهذا الأمر ، إلا أن أبي قال :


    " لا يمكن يا أم وليد ! دعينا نبقيها معنا بضع ليال إلى أن تعتاد أجواء المنزل، أخشى أن تستيقظ ليلا و تفزع و نحن بعيدان عنها ! "


    و يبدو أن أمي استساغت الفكرة ، فقالت :


    " معك حق ، إذن دعنا ننقل السرير إلى غرفتنا "


    ثم التفتت إلي :


    " وليد ،انقل سرير رغد إلى غرفتنا "


    اعترض والدي :

    " سأنقله أنا ، إنه ثقيل ! "


    قالت أمي :

    " لكن وليد رجل قوي ! إنه من وضعه في غرفة الصغيرين على أية حال ! "


    (( رجل قوي )) هو وصف يعجبني كثيرا !


    أمي أصبحت تعتبرني رجلا و أنا في الحادية عشرة من عمري ! هذا رائع !

    قمت بكل زهو و ذهبت إلى غرفة شقيقي و نقلت السرير الصغير إلى غرفة والدي .

    عندما عدتُ إلى حيث كان البقية يجلسون ، وجدتُ الصغيرة نائمة بسلام !

    لابد أنها تعبت كثيرا بعد ساعات الصراخ و البكاء التي عاشتها هذا اليوم !

    أنا أيضا أحسست بالتعب، و لذلك أويت إلى فراشي باكرا .




    ~~~~~~~~~



    نهضت في ساعة مبكرة من اليوم التالي على صوت صراخ اخترق جدران الغرفة من حدته !

    إنها رغد المزعجة

    خرجت من غرفتي متذمرا ، و ذهبت إلى المطبخ المنبعثة منه صرخات ابنة عمي هذه


    " أمي ! أسكتي هذه المخلوقة فأنا أريد أن أنام ! "


    تأوهت أمي و قالت بضيق :

    " أو تظنني لا أحاول ذلك ! إنها فتاة ٌصعبة ٌ جدا ! لم تدعنا ننام غير ساعتين أو ثلاث والدك ذهب للعمل دون نوم ! "


    كانت رغد تصرخ و تصرخ بلا توقف .

    حاولت أن أداعبها قليلا و أسألها :

    " ماذا تريدين يا صغيرتي ؟ "


    لم تجب !

    حاولت أن أحملها و أهزها ... فهاجمتني بأظافرها الحادة !

    و أخيرا أحضرت إليها بعض ألعاب دانه فرمتني بها !

    إنها طفلة مشاكسة ، هل ستظل في بيتنا دائما ؟؟؟ ليتهم يعيدوها من حيث جاءت !


    في وقت لاحق ، كان والداي يتناقشان بشأنها .

    " إن استمرت بهذه الحال يا أبا وليد فسوف تمرض ! ماذا يمكنني أن أفعل من أجلها ؟ "

    " صبرا يا أم وليد ، حتى تألف العيش بيننا "

    قاطعتهما قائلا :

    " و لماذا لا تعيدها إلى خالتها لترعاها ؟ ربما هي تفضل ذلك ! "

    أزعجت جملتي هذه والدي فقال :

    " كلا يا وليد ، إنها ابنة أخي و أنا المسؤول عن رعايتها من الآن فصاعدا . مسألة وقت و تعتاد على بيتنا "


    و يبدو أن هذا الوقت لن ينتهي ...

    مرت عدة أيام و الصغيرة على هذه الحال ، و إن تحسنت بعض الشيء و صارت تلعب مع دانه و سامر بمرح نوعا ما

    كانت أمي غاية في الصبر معها ، كنت أراقبها و هي تعتني بها ، تطعمها ، تنظفها ، تلبسها ملابسها ، تسرح شعرها الخفيف الناعم !

    مع الأيام ، تقبلت الصغيرة عائلتها الجديدة ، و لم تعد تستيقظ بصراخ و كان على وليد ( الرجل القوي ) أن ينقل سرير هذه المخلوقة إلى غرفة الطفلين !

    بعد أن نامت بهدوء ، حملتها أمي إلى سريرها في موضعه الجديد . كان أخواي قد خلدا للنوم منذ ساعة أو يزيد .

    أودعت الطفلة سريرها بهدوء .

    تركت والدتي الباب مفتوحا حتى يصلها صوت رغد فيما لو نهضت و بدأت بالصراخ

    قلت :

    " لا داعي يا أمي ! فصوت هذه المخلوقة يخترق الجدران ! أبقه مغلقا ! "

    ابتسمت والدتي براحة ، و قبلتني و قالت :

    " هيا إلى فراشك يا وليد البطل ! تصبح على خير "

    كم أحب سماع المدح الجميل من أمي !

    إنني أصبحت بطلا في نظرها ! هذا شيء رائع ... رائع جدا !

    و نمت بسرعة قرير العين مرتاح البال .

    الشيء الذي أنهضني و أقض مضجعي كان صوتا تعودت سماعه مؤخرا

    إنه بكاء رغد !

    حاولت تجاهله لكن دون جدوى !

    يا لهذه الـ رغد ... ! متى تسكتيها يا أمي !

    طال الأمر ، لم أعد أحتمل ، خرجت من غرفتي غاضبا و في نيتي أن أتذمر بشدة لدى والدتي ، إلا أنني لاحظت أن الصوت منبعث من غرفة شقيقي ّ
    نعم ، فأنا البارحة نقلت سريرها إلى هناك !

    ذهبت إلى غرفة شقيقي ّ ، و كان الباب شبه مغلق ، فوجدت الطفلة في سريرها تبكي دون أن ينتبه لها أحد منهما !

    لم تكن والدتي موجودة معها .

    اقتربت منها و أخذتها من فوق السرير ، و حملتها على كتفي و بدأت أطبطب عليها و أحاول تهدئتها .

    و لأنها استمرت في البكاء ، خرجت بها من الغرفة و تجولت بها قليلا في المنزل

    لم يبد ُ أنها عازمة على السكوت !

    يجب أن أوقظ أمي حتى تتصرف ...

    كنت في طريقي إلى غرفة أمي لإيقاظها ، و لكن ...

    توقفت في منتصف الطريق ، و عدت أدراجي ... و دخلت غرفتي و أغلقت الباب .

    والدتي لم تذق للراحة طعما منذ أتت هذه الصغيرة إلينا .

    و والدي لا ينام كفايته بسببها .

    لن أفسد عليهما النوم هذه المرة !

    جلست على سريري و أخذت أداعب الصغيرة المزعجة و ألهيها بطريقة أو بأخرى حتى تعبت ، و نامت ، بعد جهد طويل !

    أدركت أنها ستنهض فيما لو حاولت تحريكها ، لذا تركتها نائمة ببساطة على سريري و لا أدري ، كيف نمت ُ بعدها !

    هذه المرة استيقظت على صوت أمي !

    " وليد ! ما الذي حدث ؟ "

    " آه أمي ! "

    ألقيت نظرة من حولي فوجدتني أنام إلى جانب الصغيرة رغد ، و التي تغط في نوم عميق و هادىء !

    " لقد نهضت ليلا و كانت تبكي .. لم أشأ إزعاجك لذا أحضرتها إلى هنا ! "

    ابتسمت والدتي ، إذن فهي راضية عن تصرفي ، و مدت يدها لتحمل رغد فاعترضت :

    " أرجوك لا ! أخشى أن تنهض ، نامت بصعوبة ! "

    و نهضت عن سريري و أنا أتثاءب بكسل .

    " أدي الصلاة ثم تابع نومك في غرفة الضيوف . سأبقى معها "

    ألقيت نظرة على الصغيرة قبل نهوضي !

    يا للهدوء العجيب الذي يحيط بها الآن!

    بعد ساعات ، و عندما عدت إلى غرفتي ، وجدت دانه تجلس على سريري بمفردها . ما أن رأتني حتى بادرت بقول :

    " أنا أيضا سأنام هنا الليلة ! "

    أصبح سريري الخاص حضانة أطفال !

    فدانه ، و البالغة من العمر 5 سنوات ، أقامت الدنيا و أقعدتها من أجل المبيت على سريري الجذاب هذه الليلة ، مثل رغد !

    ليس هذا الأمر فقط ، بل ابتدأت سلسلة لا نهائية من ( مثل رغد ) ...

    ففي كل شيء ، تود أن تحظى بما حظيت به رغد . و كلما حملت أمي رغد على كتفيها لسبب أو لآخر ، مدت دانه ذراعيها لأمها مطالبة بحملها (مثل رغد ) .

    أظن أن هذا المصطلح يسمى ( الغيرة ) !

    يا لهؤلاء الأطفال !

    كم هي عقولهم صغيرة و تافهة !




    ~~~~~~



    كانت المرة الأولي و لكنها لم تكن الأخيرة ... فبعد أيام ، تكرر نفس الموقف ، و سمعت رغد تبكي فأحضرتها إلى غرفتي و أخذت ألاعبها .

    هذه المرة استجابت لملاعبتي و هدأت ، بل و ضحكت !

    و كم كانت ضحكتها جميلة ! أسمعها للمرة الأولى !

    فرحت بهذا الإنجاز العظيم ! فأنا جعلت رغد الباكية تضحك أخيرا !

    و الآن سأجعلها تتعلم مناداتي باسمي !

    " أيتها الصغيرة الجميلة ! هل تعرفين ما اسمي ؟ "

    نظرت إلي باندهاش و كأنها لم تفهم لغتي . إنها تستطيع النطق بكلمات مبعثرة ، و لكن ( وليد ) ليس من ضمنها !


    " أنا وليد ! "

    لازالت تنظر إلى باستغراب !

    " اسمي وليد ! هيا قولي : وليد ! "

    لم يبد ُ الأمر سهلا ! كيف يتعلم الأطفال الأسماء ؟

    أشرت إلى عدة أشياء ، كالعين و الفم و الأنف و غيرها ، كلها أسماء تنطق بها و تعرفها . حتى حين أسألها :


    " أين رغد ؟ "


    فإنها تشير إلى نفسها .

    " و الآن يا صغيرتي ، أين وليد ؟ "

    أخذت أشير إلى نفسي و أكرر :

    " وليد ! وليـــد ! أنا وليد !

    أنت ِ رغد ، و أنا وليد !

    من أنتِ ؟ "

    " رغد "

    " عظيم ! أنتِ رغد ! أنا وليد ! هيا قولي وليد ! قولي أنت َ وليد ! "


    كانت تراقب حركات شفتيّ و لساني ، إنها طفلة نبيهة على ما أظن .

    و كنت مصرا جدا على جعلها تنطق باسمي !


    " قولي : أنــت ولـيـــد ! ولــيـــــــد ...

    قولي : وليد ... أنت ولـــــيـــــــــــــــــــــد ! "




    " أنت َ لــــــــــــــــــــي " !!





    كانت هذه هي الكلمة التي نطقت بها رغد !

    ( أنت َ لي ! )

    للحظة ، بقيت اتأملها باستغراب و دهشة و عجب !

    فقد بترت اسمي الجميل من الطرفين و حوّلته إلى ( لي ) بدلا من
    ( وليد ) !

    ابتسمت ، و قلت مصححا :


    " أنت َ وليـــــــــــــد ! "

    " أنت َ لــــــــــــــــــي "


    كررت جملتها ببساطة و براءة !

    لم أتمالك نفسي ، وانفجرت ضحكا ....

    و لأنني ضحكت بشكل غريب فإن رغد أخذت تضحك هي الأخرى !

    و كلما سمعت ضحكاتها الجميلة ازدادت ضحكاتي !

    سألتها مرة أخرى :


    " من أنا ؟ "

    " أنت َ لـــــــــــــي " !


    يا لهذه الصغيرة المضحكة !

    حملتها و أخذت أؤرجحها في الهواء بسرور ...

    منذ ذلك اليوم ، بدأت الصغيرة تألفني ، و أصبحت أكبر المسؤولين عن تهدئتها متى ما قررت زعزعة الجدران بصوتها الحاد ....




    ~~~~~~



    انتهت العطلة الصيفية و عدنا للمدارس .

    كنت كلما عدت من المدرسة ، استقبلتني الصغيرة رغد استقبالا حارا !

    كانت تركض نحوي و تمد ذراعيها نحوي ، طالبة أن أحملها و أؤرجحها في الهواء !

    كان ذلك يفرحها كثيرا جدا ، و تنطلق ضحكاتها الرائعة لتدغدغ جداران المنزل !

    و من الناحية الأخرى ، كانت دانة تطلق صرخات الاعتراض و الغضب ، ثم تهجم على رجلي بسيل من الضربات و اللكمات آمرة إياي بأن أحملها ( مثل رغد ) .

    و شيئا فشيا أصبح الوضع لا يطاق ! و بعد أن كانت شديدة الفرح لقدوم الصغيرة إلينا أصبحت تلاحقها لتؤذيها بشكل أو بآخر ...

    في أحد الأيام كنت مشغولا بتأدية واجباتي المدرسية حين سمعت صوت بكاء رغد الشهير !

    لم أعر الأمر اهتماما فقد أصبح عاديا و متوقعا كل لحظة .

    تابعت عملي و تجاهلت البكاء الذي كان يزداد و يقترب !

    انقطع الصوت ، فتوقعت أن تكون أمي قد اهتمت بالأمر .

    لحظات ، وسمعت طرقات خفيفة على باب غرفتي .

    " أدخل ! "

    ألا أن أحدا لم يدخل .

    انتظرت قليلا ، ثم نهضت استطلع الأمر ...

    و كم كانت دهشتي حين رأيت رغد واقفة خلف الباب !

    لقد كانت الدموع تنهمر من عينيها بغزارة ، و وجهها عابس و كئيب ، و بكاؤها مكبوت في صدرها ، تتنهد بألم ... و بعض الخدوش الدامية ترتسم عشوائيا على وجهها البريء ، و كدمة محمرة تنتصف جبينها الأبيض !

    أحسست بقبضة مؤلمة في قلبي ....

    " رغد ! ما الذي حدث ؟؟؟ "

    انفجرت الصغيرة ببكاء قوي ، كانت تحبسه في صدرها

    مددت يدي و رفعتها إلى حضني و جعلت أطبطب عليها و أحاول تهدئتها .

    هذه المرة كانت تبكي من الألم .

    " أهي دانة ؟ هل هي من هاجمك ؟ "

    لابد أنها دانة الشقية !

    شعرت بالغضب ، و توجهت إلى حيث دانة ، و رغد فوق ذراعي .

    كانت دانة في غرفتها تجلس بين مجموعة من الألعاب .

    عندما رأتني وقفت ، و لم تأت إلي طالبة حملها ( مثل رغد ) كالعادة ، بل ظلت واقفة تنظر إلى الغضب المشتعل على وجهي .

    " دانة أأنت من ضرب رغد الصغيرة ؟ "

    لم تجب ، فعاودت السؤال بصوت أعلى :

    " ألست من ضرب رغد ؟ أيتها الشقية ؟ "

    " إنها تأخذ ألعابي ! لا أريدها أن تلمس ألعابي "

    اقتربت من دانة و أمسكت بيدها و ضربتها ضربة خفيفة على راحتها و أنا أقول :

    " إياك أن تكرري ذلك أيها الشقية و إلا ألقيت بألعابك من النافذة "

    لم تكن الضربة مؤلمة إلا أن دانة بدأت بالبكاء !

    أما رغد فقد توقفت عنه ، بينما ظلت آخر دمعتين معلقتين على خديها المشوهين بالخدوش .

    نظرت إليها و مسحت دمعتيها .

    ما كان من الصغيرة إلا أن طبعت قبلة مليئة باللعاب على خدي امتنانا !

    ابتسمت ، لقد كانت المرة الأولى التي تقبلني فيها هذه المخلوقة ! إلا أنها لم تكن الأخيرة ....




    ~~~~~~



    توالت الأيام و نحن على نفس هذه الحال ...

    إلا أن رغد مع مرور الوقت أصبحت غاية في المرح ...

    أصبحت بهجة تملأ المنزل ... و تعلق الجميع بها و أحبوها كثيرا ...

    إنها طفلة يتمنى أي شخص أن تعيش في منزله ...

    و لأن الغيرة كبرت بين رغد و دانة مع كبرهما ، فإنه كان لابد من فصل الفتاتين في غرفتين بعيدا عن بعضهما ، و كان علي نقل ذلك السرير و للمرة الثالثة إلى مكان آخر ...

    و هذا المكان كان غرفة وليد !

    ظلت رغد تنام في غرفتي لحين إشعار آخر .

    في الواقع لم يزعجني الأمر ، فهي لم تعد تنهض مفزوعة و تصرخ في الليل إلا نادرا ...

    كنت أقرأ إحدى المجلات و أنا مضطجع على سريري ، و كانت الساعة العاشرة ليلا و كانت رغد تغط في نوم هادئ

    و يبدو أنها رأت حلما مزعجا لأنها نهضت فجأة و أخذت تبكي بفزع ...

    أسرعت إليها و انتشلتها من على السرير و أخذت أهدئ من روعها

    كان بكاؤها غريبا ... و حزينا ...

    " اهدئي يا صغيرتي ... هيا عودي للنوم ! "

    و بين أناتها و بكاؤها قالت :

    " ماما "

    نظرت إلى الصغيرة و شعرت بالحزن ...

    ربما تكون قد رأت والدتها في الحلم

    " أتريدين الـ ماما أيتها الصغيرة ؟ "

    " ماما "

    ضممتها إلى صدري بعطف ، فهذه اليتيمة فقدت أغلى من في الكون قبل أن تفهم معناهما ...

    جعلت أطبطب عليها ، و أهزها في حجري و أغني لها إلى أنا استسلمت للنوم .

    تأملت وجهها البريء الجميل ... و شعرت بالأسى من أجلها .

    تمنيت لحظتها لو كان باستطاعتي أن أتحول إلى أمها أو أبيها لأعوضها عما فقدت .

    صممت في قرارة نفسي أن أرعى هذه اليتيمة و أفعل كل ما يمكن من أجلها ...

    و قد فعلت الكثير ...

    و الأيام .... أثبتت ذلك ...




    ~~~~~~



    ذهبنا ذات يوم إلى الشاطئ في رحلة ممتعة ، و لكوننا أنا و أبي و سامر الصغير ( 8 سنوات ) نجيد السباحة ، فقد قضينا معظم الوقت وسط الماء .

    أما والدتي ، فقد لاقت وقتا شاقا و مزعجا مع دانة و رغد !

    كانت رغد تلهو و تلعب بالرمال المبللة ببراءة ، و تلوح باتجاهي أنا و سامر ، أما دانة فكانت لا تفتأ تضايقها ، تضربها أو ترميها بالرمال !

    " وليد ، تعال إلى هنا "

    نادتني والدتي ، فيما كنت أسبح بمرح .

    " نعم أمي ؟ ماذا تريدين ؟ "

    و اقتربت منها شيئا فشيئا . قالت :

    " خذ رغد لبعض الوقت ! "

    " ماذا ؟؟؟ لا أمي ! "

    لم أكن أريد أن أقطع متعتي في السباحة من أجل رعاية هذه المخلوقة ! اعترضت :

    " أريد أن أسبح ! "

    " هيا يا وليد ! لبعض الوقت ! لأرتاح قليلا "

    أذعنت للأمر كارها ... و توجهت للصغيرة و هي تعبث بالرمال ، و ناديتها :

    " هيا يا رغد ! تعالي إلي ! "

    ابتهجت كثيرا و أسرعت نحوي و عانقت رجي المبللة بذراعيها العالقة بهما حبيبات الرمل الرطب ، و بكل سرور !

    جلست إلى جانبها و أخذت أحفر حفرة معها . كانت تبدو غاية في السعادة أما أنا فكنت متضايقا لحرماني من السباحة !

    اقتربت أكثر من الساحل ، و رغد إلى جانبي ، و جعلتها تجلس عند طرفه و تبلل نفسها بمياه البحر المالحة الباردة

    رغد تكاد تطير من السعادة ، تلعب هنا و هناك ، ربما تكون المرة الأولى بحياتها التي تقابل فيها البحر !

    أثناء لعبها تعثرت و وقعت في الماء على وجهها ...

    " أوه كلا ! "

    أسرعت إليها و انتشلتها من الماء ، كانت قد شربت كميه منه ، و بدأت بالسعال و البكاء معا .

    غضبت مني والدتي لأنني لم أراقبها جيدا

    " وليد كيف تركتها تغرق ؟ "

    " أمي ! إنها لم تغرق ، وقعت لثوان لا أكثر "

    " ماذا لو حدث شيء لا سمح الله ؟ يجب أن تنتبه أكثر . ابتعد عن الساحل . "

    غضبت ، فأنا جئت إلى هنا كي استمتع بالسباحة ، لا لكي أراقب الأطفال !

    " أمي اهتمي بها و أنا سأعود للبحر "

    و حملتها إلى أمي و وضعتها في حجرها ، و استدرت مولّيا .

    في نفس اللحظة صرخت دانة معترضة و دفعت برغد جانبا ، قاصدة إبعادها عن أمي

    رغد ، و التي لم تكد تتوقف عن البكاء عاودته من جديد .

    " أرأيت ؟ "

    استدرت إلى أمي ، فوجدت الطفلة البكاءة تمد يديها إلي ...

    كأنها تستنجد بي و تطلب مني أخذها بعيدا .

    عدت فحملتها على ذراعي فتوقفت عن البكاء ، و أطلقت ضحكة جميلة !

    يا لخبث هؤلاء الأطفال !

    نظرت إلى أمي ، فابتسمت هي الأخرى و قالت :

    " إنها تحبك أنت َ يا وليد ! "



    قبيل عودتنا من هذه الرحلة ، أخذت أمي تنظف الأغراض ، و الأطفال .


    " وليد ، نظف أطراف الصغيرة و ألبسها هذه الملابس "


    تفاجأت من هذا الطلب ، فأنا لم أعتد على تنظيف الأطفال أو إلباسهم الملابس !

    ربما أكون قد سمعت شيئا خطا !

    " ماذا أمي ؟؟؟ "

    " هيا يا وليد ، نظف الرمال عنها و ألبسها هذه ، فيما اهتم أنا بدانة و بقية الأشياء "

    كنت أظن أنني أصبحت رجلا ، في نظر أمي على الأقل ...

    و لكن الظاهر أنني أصبحت أما !

    أما جديدة لرغد !

    نعم ... لقد كنت أما لهذه المخلوقة ...

    فأنا من كان يطعمها في كثير من الأحيان ، و ينيمها في سريره ، و يغني لها ، و يلعب معها ، و يتحمل صراخها ، و يستبدل لها ملابسها في أحيان أخرى !

    و في الواقع ...

    كنت أستمتع بهذا الدور الجديد ...

    و في المساء ، كنت أغني لها و أتعمد أن أجعلها تنام في سريري ، و أبقى أتأمل وجهها الملائكي البريء الرائع ... و أشعر بسعادة لا توصف !


    هكذا ، مرت الأيام ...

    و كبرنا ... شيئا فشيئا ...

    و أنا بمثابة الأم أو المربية الخاصة بالمدللة رغد ، و التي دون أن أدرك ... أو يدرك أحد ... أصبحت تعني لي ...

    أكثر من مجرد مخلوقة مزعجة اقتحمت حياتي منذ الصغر ! ....


    ن

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في الإثنين 15 أكتوبر - 1:37

    أقبلت أروى إلى غرفتي و كنت أرتب كتبي و دفاتري على مكتبي الجديد و الذي اشتراه وليد لي مؤخرا...
    وليد اشترى لي أشياء كثيرة...و غير طقم غرفة نومي كاملا... و كان يود نقل أشيائي إلى غرفة دانة سابقا... فهي أكبر حجما... و لكنني أصررت على البقاء في غرفتي الصغيرة الملاصقة لغرفته...
    و منعت ُ أروى و أمها من استخدام أي ٍ من غرف النوم التي كنا نستخدمها سابقا... فأقامتا في غرفتين من الناحية الأخرى لمنزلنا الكبير...

    و لأنني أعرف أنها ماهرة في أعمال المنزل و خصوصا الطبخ، و أنها تتباهى بذلك أمام وليد و أمامي... و أنها تريد أن تستعرض مهاراتها الليلة على العشاء ... فقد اخترت المطبخ بالذات كي أذاكر فيه محاضراتي هذا اليوم !

    يجب أن تعرف هذه الدخيلة أن هذا بيتي أنا... و مطبخي أنا... و أنا حرّة في فعل ما أريد وقتما أريد !

    " ماذا تعنين بهذا يا رغد ؟ "

    كانت أروى تقول و هي ترمي بالورقة التي نزعتـُها من كراستي قبل قليل... و فيها صورة لأروى الحسناء تنظف الأرض بشعرها الطويل !

    أوه ! كيف وصلت إليها..؟ مستحيل أن يكون وليد !

    كنت ُ غاضبة من تباهيها بمهاراتها... و وعدها وليد بتقديم وجبة لذيذة تبهر ضيوفنا... و من شدة غيظي احتللت المطبخ و رسمتها بهذا الشكل!
    لكني خجلة من وليد و الفكرة التي أخذها عنّي... و أريد أن أعتذر لها !

    " أجيبي ؟؟ "

    صرخت أروى و هي شديدة الغيظ... كنت بالفعل سأعتذر لولا أنها أضافت :

    " أنا لست خادمة هذا المنزل بل سيّدته و إن كنت ستسخرين من شيء فالأفضل أن تسخري من نكرانك للجميل و عيشك مرفهة مدللة من نقود لم ترثيها و لم تتعبي لجنيها يا ابنة العز و الثراء "

    شعرت بطعنة قوية في صدري أوشكت أن أرمي بالكتاب الذي بين يدي نحو وجهها لكنني لم أملك إلا الألم...

    و هل أملك ردا غيره ؟؟

    بم أرد و هي الحقيقة..؟؟ ألست ُ أنا العالة على الغير... أليست النقود التي يجلبها لي وليد... هي من ثروتها ؟

    بعد أن انصرفت بفترة حضر وليد
    و كعادته يأتي بعد انتهاء أي مشادة بيننا حتى لا يزيد تدخله الأمر سوء...
    و لا بد أنه قضى الدقائق السابقة في استرضائها و جاء الآن ليواسني... أو ليوبخني!

    " هل أدخل ؟ "

    و هو يقف عند الباب... و ينظر إلى الورقة المرمية على الأرض... ثم يلتقطها و يتأملها برهة، و يمزقها و يرمي بأشلائها في سلة المهملات...

    قال :

    " انتهى الأمر "

    مسكين وليد! أتظن بأنه بتمزيقك للورقة تحل المشكلة؟
    لا أظنها تحل إلا إذا مزّقت الفتاة المرسومة عليها في الواقع !

    قال :

    " لا تكرري ذلك ثانية يا رغد ... أرجوك "

    نظرت إليه بحنق... أهذا كل ما لديك ؟؟

    قال :

    " انظري أي مشاكل تقع بسبب تافه كهذا... نحن في غنى عن المزيد... دعينا نعيش في سلام "

    و استفزتني جملته فقلت بغضب :

    " و هل ترى أنني شارون أم بوش لتخاطبني عن السلام ؟ "

    و ربما أثارت جملتي اندهاشه أو حتى لم يستوعبها إذ أنه حملق في ّ باستغراب

    قلت بعصبية :

    " هل أنا سبب المشاكل ؟ "

    قال :

    " لا ... لكن أروى لا تتعمّد مضايقتك يا رغد ... إنها طيبة و مسالمة جدا "

    و ثار غضبي أكثر... رميت بالكتاب أرضا و صرخت :

    " طبعا ستدافع عنها... أليست خطيبتك العزيزة الغالية ... الثرية الحسناء ... السيدة المدبّرة لشؤون هذا المنزل ؟؟ "

    " ليس الأمر هكذا ... "

    قلت بانفعال :

    " بل هو كذلك... و أنت بالتأكيد ستقف في صفـّها و تنحاز إليها "

    تنهّد وليد بانزعاج... و ضرب كفه الأيسر بقبضته اليمنى و قال بضيق :

    " لقد حرت ما أفعل معكما؟ أنتما تثيران الصداع المستمر في رأسي... أنا لا أعرف لماذا لا تطيق أحداكما الأخرى بهذا الشكل !؟ "

    صمت برهة ثم قال :

    " على الأقل... أروى يا رغد... لا تتربص لإزعاجك ... لكنك يا رغد... "

    و توقف لانتقاء كلماته ثم قال :

    " أنت يا رغد تتصيدين الفرص لمضايقتها...لا أعرف لماذا ؟؟ لماذا أنت متحاملة عليها لهذا الحد يا رغد ؟؟ "

    و أخذ يترقّب جوابي...

    " لماذا يا رغد ؟؟ "

    أما زلت تسأل ؟؟
    ألا تعرف ؟
    ألا يمكن لعقلك المحشور داخل جمجمتك الكبيرة هذه أن يستنتج السبب؟؟
    لأنني أحبك يا وليد!
    أحبك و أكره أي امرأة تقترب منك...
    ألا تفهم ذلك؟؟
    ألا تكفي كمية الذكاء المحشوة في دماغك لاستنباط هذا ؟؟

    و لا يبدو أن هذه الفكرة كانت لتخطر على بال وليد... البتة !
    و لأنه كان لا يزال ينظر إلي منتظرا جوابا قررت أن أجيب !

    " أتريد أن تعرف لماذا ؟ "

    قال بلهفة :

    " يا ليت... فلربما استطعت تغيير شيء و حل المشكلة "

    ابتسمت بسخرية من مناه... ثم ضيّقت فتحتي عيني ّ و ضغطت على أسناني و قلت:

    " لأنها... أجمل منّي "

    ذهل وليد... و بدوره اتسعت فتحتا عينيه و فمه أيضا...

    قلت :

    " هل عرفت الآن ؟ "

    ارتبك وليد و قال :

    " هل هذا هو السبب حقا ؟ "

    قلت بمكر :

    " نعم... فهل تستطيع تغيير شيء ؟ "

    وقع وليد في الشرك... و حار ماذا يقول... ثم قال بتردد و ارتباك:

    " و ... لكن ... يا رغد... أيعقل أن تجعلي من هذا سببا كي... أعني لأن تـُثار كل تلك المشاكل ؟ "

    قلت :

    " هذا أمر لن تفهمه أنت...! إنها أجمل منّي بكثير... أليست كذلك ؟ "

    و ترقبت بلهفة ما سيقول وليد...!

    إن قال ( بلى ) فسأمزقه بأظافري...

    و إن قال ( كلا ) فسأفقع عينيه !

    انتظرت و انتظرت... و لكن وليد لم يجب ! بل تنحنح قليلا ثم أراد الانصراف...
    وليد ! أجبني فورا ... إياك أن تهرب...

    " بعد إذنك "

    و استدار منصرفا...

    لن تهرب يا وليد !

    قلت باندفاع و عصبية :

    " أجبني "

    وليد استدار إلي في ضيق... و كان وجهه شديد الاحمرار... و الحنق...

    قلت :

    " لماذا لا ترد ؟؟ قل أنها كذلك... فحتى الأعمى يستطيع أن يرى هذا "

    " رغد بربّك... ما الذي تهذين به؟ أي جنون !؟ "

    و أولاني ظهره و ولى منصرفا بسرعة... تبعه صوتي و أنا أقول بغضب :

    " لا تحلم بأن أنسجم معها ذات يوم ... لا تحلم أبدا ! "




    ~~~~~~~~


    و كالعادة كانت العشاء لذيذا جدا قد أرضى الضيوف و نال إعجابهم...
    " سلمت يداها... أكلتُ كثيرا هذه الليلة "

    قال سيف و هو يحتسي الشاي عقب انتهائنا من وجبة العشاء...

    قلت بسرور :

    " سلّمك الله... بالهناء و العافية يا عزيزي "

    قال مازحا :

    " و أنا من كان يتساءل ما سر هذه العضلات التي نبتت و تضخمت بشكل سريع و على ذراعيك ! تبدو أكثر ضخامة كلّما التقينا يا رجل ! "

    ضحكت لتعليق سيف المرح... حقيقة هي أنني خلال العام المنصرم ربحت عدة كيلوجرامات !

    قلت :

    " لكني كنت أكثر قوة و أنا أعمل في المزرعة... و أبذل مجهودا عضليا كل يوم "

    و لاحت في مخيلتي صورة المزرعة و أشجارها و ثمارها... و العم إلياس... و شعرت بالحنين إليهم...

    قال سيف :

    " ماذا بشأن المزرعة ؟ ماذا ستفعلون بها ؟ "

    قلت :

    " كما هي يا سيف... فالعائلة متعلقة بها جدا و لا يمكنهم التفريط فيها... و ها أنا أتنقل بينها و بين المصنع في عناء "

    قال :

    " و لكن... يجب أن تستقر يا وليد ! ماذا ستفعل بعد زواجك ؟ "

    أخذت أحك شعري في حيرة...

    " خطيبتي تريد العودة إلى المزرعة و الاستقرار فيها... و ابنة عمّي ترفض العيش فيها تماما... و أنا في حيرة من أمري... مشلول الفكر ! "

    تابعت :

    " و ليت الخلاف اقتصر على السكن فقط! بل في كل شيء يا سيف... كل شيء و أي شيء! إنني أعود من العمل مشحونا بالصداع فتستلماني و تشقان رأسي نصفين !"

    و وضعت طرف يدي على هامتي كما السيف...

    سيف ابتسم... و قال :

    " إنهن النساء ! "

    قلت :

    " الجمع بينهما في بيت واحد هو ضرب من الجنون... و الصغيرة صعبة الإرضاء و متقلبة المزاج... و أخشى أن أتحدّث معها فتظن أنني ضقت ذرعا برعايتها... و يُجرح شعورها..."

    لم يعلق سيف ... تابعت :

    " أنا حائر يا سيف... لا أريد لأي شيء عظيما كان أم تافها أن يعكّر صفو حياتها.. و وجود أروى يثير توترها... و لا يمكنني إرسال أروى و أمها إلى المزرعة و العيش مع رغد هنا وحدنا ! "

    قال سيف مباشرة :

    " صعب ! "

    " بل مستحيل ! "

    قال مقترحا :

    " و لماذا لا تدعها مع خالتها كما فعلت سابقا يا وليد ؟ "

    قلت و أنا أهز رأسي :

    " أبدا يا سيف... لا يمكنها الاستغناء عن وجودي و قربي ... "

    سيف نظر متشككا ثم قال :

    " أو... ربما العكس ! "

    حملقنا في بعضنا البعض قليلا... و شعرت بابتسامة حمراء تشق طريقها بين شفتي !

    سيف قال مازحا :

    " وليد الضخم... بطوله و عرضه و عضلاته المفتولة...تشل تفكيره فتاة صغيرة ؟!"

    ابتسمت و أنا أقول :

    " و ليست أي فتاة ! "

    و بدا الجد على وجه سيف و قال :

    " فكّر في الأمر مليا يا وليد... الشرارة و البنزين لا يجتمعان في مكان واحد ! "

    كان سيف محقا فيما يرمي إليه...

    قلت مغيرا الموضوع مباشرة :

    " هل قابلت السيد أسامة ؟ ماذا قرر ؟ "

    ابتسم سيف و قال :

    " هنيئا لك ! لقد كسبت حب و تقدير هذا الرجل و لذلك وافق على العمل معك ! "

    أطلقت صيحة فرح و هتفت :

    " آه ... وافق أخيرا ! الحمد لله ! شكرا لك يا سيف "

    و كنت قد طلبت من سيف مساعدتي في محاولة إقناعه بالعودة للعمل معي... فقد كنت بحاجة ماسة للمعونة من رجل بمثل خبرته و أمانته... و هذا الخبر أبهجني كثيرا تلك الليلة...
    و لم أدرك أنني سأدفع ثمن بهجتي هذه ... عاجلا جدا !



    ~~~~~~~



    احتراما لضيفتنا، تظاهرت بالسرور و أخفيت كل الغضب في داخلي... و شاركت الجميع طعام العشاء الذي أعدته الشقراء و أمها... و كانتا المسؤولتين عن الطهي و شؤون المطبخ... تساعدهما خادمة وظفها وليد منذ فترة...
    كانت الشقراء ترتدي بلوزة جميلة عارية الكمين و الكتفين ... و تتزين بعقد ثمين من اللؤلؤ اشترته مؤخرا... و تلون وجهها الأبيض ببعض المساحيق... و تبدو في غاية الجمال و الأناقة... و لا بد أنها أثارت إعجاب ضيفتنا و أبهرتها في كل شيء...

    و بعد خروج الضيوف ذهبت هي و بكامل زينتها و مباشرة إلى حيث كان وليد...
    أما أنا فصعدت إلى غرفتي لاستبدل ملابسي...

    نظرت إلى نفسي عبر المرآة و تخيلت صورتها إلى جواري فشعرت بالحنق و الغيظ... و رغبت في تمزيقها...

    لم استطع تجاهل صورتها و هي تعيّرني بأنني أعيش عالة على ثروتها... ولم أتحمّل تخيلها و هي تجلس هكذا قرب وليد...
    تملّكتني رغبة ملحة في الذهاب إلى وليد و إخباره عما قالت في الحال... و وضع حد نهائي لحالتي البائسة معها...

    فتحت خزانتي و استخرجت جميع المجوهرات التي أنقذتها من حطام بيتنا المحروق... مجوهراتنا أنا و دانة و أمي رحمها الله... و أخذت أتأملها و أشعر بالألم... فهي كل ما تبقى لي...و لم أتصور أنني سأفرط فيها ذات يوم...

    جمعتها كلها في علبتين كبيرتين و وضعتهما في كيس بالإضافة إلى البطاقة المصرفية التي منحني إياها وليد و كذلك الهاتف المحمول...

    حملت الكيس و خرجت من غرفتي سعيا إلى وليد فوصلني صوت ضحكاته هو و الشقراء... ترن في أنحاء المنزل !!

    كدت أصفع الكيس بأحد الجدران و أحطم محتوياته غيظا...

    ذهبت إلى غرفة الجلوس ... مصدر الضحكات... و كان الباب مفتوحا و من خلاله رأيت ما زلزني ...

    كان وليد شبه مستلق ٍ على المقعد و أروى الحسناء تجلس ملتصقة به... تمد إحدى يديها فوق كتفه و تطعمه المكسرات بيدها الأخرى....
    كانا يشاهدان التلفاز ويبدو على وليد المرح و البهجة الشديدين... و هو يمضغ المكسرات... حينما رأياني ابتسم وليد و جلس معتدلا بينما أشاحت هي بوجهها عنّي...

    " تعالي رغد "

    قال مرحبا ً ... و الدماء الحمراء تتدفق إلى وجهه...

    " هذه المسرحية مضحكة جدا ! "

    وقفت كالتمثال غير مستوعبة بعد للقطة الحميمة التي رأيتها تجمعهما سوية... أما النار فكانت تتأجج في صدري حتى أحرقته و فحّمته...
    لم أتحرّك و لم أتكلّم... و ربما حتى لم أتنفس... فأنا لا أشعر بأي هواء يدخل صدري...
    تبادل وليد و أروى النظرات و من ثم نظرا إلى الكيس...

    قال وليد :

    " أهناك شيء ؟ "

    أردت أن أخنق صوته... أقتل ضحكاته... أكسر فكّه الذي يمضغ المكسرات... أن أصفعه... أن أضربه... أن أمزقه بأظافري...

    تبا لك يا وليد !

    قلت باقتضاب :

    " أريد التحدث معك "

    قال مباشرة و قد زال المرح و حلت أمارات الجد على وجهه العريض :

    " خير؟ تفضلي ؟ "

    و الدخيلة لم تتحرك! لا تزال جالسة ملتصقة بوليد تقضم المكسرات...
    إنني أوشك على ركلها بقدمي غيظا...

    قال وليد :

    " ما الأمر ؟ "

    تقدّمت نحوه... و الغضب يغلي في داخلي و رميت إليه بالكيس بعنف... و لو لم أتمالك نفسي لربما رميت به على أنفه و هشّمته من جديد...

    الكيس استقر تحت قدميه... فنظر إليه بتعجب و سأل :

    " ما هذا ؟ "

    قلت بانفعال :

    " مجوهراتي "

    ازداد تعجّب وليد فقلت موضحة :

    " أعرف أنها لن تغطّي كل ما أنفقتـَه علي ّ منذ رحيل والدينا... لكن... هذا كل ما أملك "

    قبل ثوان كان وليد مسترخ على المقعد و الآن أصبح على أهبة النهوض!

    " ماذا تعنين يا رغد ؟ "

    قلت بعصبية :

    " خذها... حتى لا يعيّرني الآخرون بأنني عالة على ثرواتهم "

    و رميت أروى بقنبلة شرر من عيني...و وليت هاربة...

    ربما ارتطمت بجدار... أو تعثرت بعتبة... أو انزلقت أرضا... لم أكن أرى الطريق أمامي... لم أكن أرى غير اللقطة الحميمة تجمع بين الحبيبين ...

    وليد لحق بي و استوقفني و أنا عند أصعد عتبات الدرج و هو يقول بحدة :

    " انتظري يا رغد... افهميني ما الذي تعنينه ؟ "

    استدرت إليه فرأيت أروى مقبلة خلفه نظرت إليهما بحدة ثم حملقت في أروى و قلت بعصبية :

    " اسألها "

    وليد استدار إلى أروى ثم إلي ثم إليها و سأل بحيرة :

    " ما الذي حدث؟ افهماني ؟ "

    قلت :

    " بقي فقط ثمن التذكرة... و سأطلب من خالتي دفعها إليك حالما توصلني إليها... و الآن هل لا أعدتني إلى خالتي ؟ "

    زمجر وليد بانزعاج :

    " ما الذي تقصدينه يا رغد ؟؟ أنا لم أفهم شيئا... هل لا شرح لي أحد ماذا يحدث ؟ "

    و التفت نحو أروى...

    أروى قالت :

    " أنا لم أعن ِ شيئا مما فهمت ْ "

    تقصدني بذلك، فأفلتت أعصابي و صرخت :

    " بل تعنين يا أروى... إنك تعيريني لعيشي عالة متطفلة على ابن عمي... لكن اعلمي أنه من أجبرني على الحضور معه... و لو كان لدي أبوان أو أهل أو حتى بيت يؤويني ما اضطرني القدر للمكوث معك ِ أنت ِ تحت سقف واحد "

    بدا الذهول طاغيا على الأعين الأربع التي كانت تحدّق بي... ذهول ألجم لسانيهما عن النطق مباشرة...

    " لكنهما ماتا... وبيتي احترق... و لم يتبقّ َ لي شيء غير هذه الحلي... خذاها و دعاني أرحل بكرامتي... "

    وليد قال منفعلا :

    " ماذا أصابك يا رغد ؟ هل جننت ِ ؟ "

    قلت بعصبية أكبر :

    " أرجوك... أعدني إلى خالتي... إن كانت كرامتي تهمك في شيء "

    " أي كرامة و أي جنون...؟؟ "

    و التفت إلى أروى بغضب :

    " ماذا قلت ِ لها ؟ "

    أروى قالت مدافعة مهاجمة في آن معا :

    " لاشيء... طلبت منها أن تحترمني... عوضا عن رسمي بتلك الصورة المهينة..."

    وليد كرر بغضب و عصبية :

    " ماذا قلت لها يا أروى ؟؟ تكلّمي ؟ "

    قالت أروى :

    " الحقيقة يا وليد... فهي تعيش على ثروتي و عنائك... و لا تقدر و لا تحترم أيا منا "

    دار وليد دورة حول نفسه من شدة الغضب و لم يعرف ما يقول... رأيت وجهه يتقد احمرارا و أوداجه تنتفخ و صدره يزفر الهواء بعنف...

    ضرب سياج الدرج بقبضته بقوة و صرخ بغضب :

    " كيف تفعلين هذا يا أروى ؟ "

    قالت أروى بانفلات أعصاب :

    " إن كان يرضيك ذلك فأنا لا يرضيني... و إن كنت تتحمّلها لكونها ابنة عمّك فما ذنبي أنا لأتحمّل الإحسان إلى و الإهانة من فتاة ناكرة الجميل ؟ "

    هيجتني جملتها أكثر و أكثر و أثارت جنون جنوني... و صرخت بتهوّر :

    " أنا لا انتظر الإحسان من أحد... وليد ينفق علي لأنه الوصي علي ّ و المسؤول عن مصروفاتي... و هو من اختار كفالتي بعد عمّي... ألا ترين أنني يتيمة و بلا معيل؟ أنا أهلي لم يتركوا لي إرثا عندما ماتوا جميعا... مثل عمّك... و هذه الثروة التي تعيرينني بها... وليد هو الأحق بها منك ِ أنت ِ و من أي إنسان آخر في هذا الكون "

    و توقفت لألتقط بعض أنفاسي ... ثم قلت موجهة خطابي لوليد :

    " أخبرها بأنها من حقك أنت "

    وليد هتف بانفعال :

    " رغد ! "

    قلت بإصرار :

    " أخبرها "

    صرخ وليد :

    " يكفي يا رغد "

    التفت أنا إلى أروى المذهولة بكلامي و أعلنت دون تردد :

    " إنها لن تعوّض ثمن السنوات الثماني التي قضاها في السجن حبيسا مع الأوغاد... بسبب ابن عمّك الحقير الجبان "

    " رغد "

    انطلقت صرخة من وليد... ربما كان هي المعول الذي كسر السد...
    انجرف كلامي كالسيل العارم يأبى الوقوف عند أي شيء...

    " و بعد كل الذي سببه الحقير لي... و لابن عمّي... تأتين أنت ِ لتعكري صفو ما تبقى من حياتي... ألا يكفي ما ضاع منها حتى الآن ؟؟ ألا يكفي ما عنيته و أعانيه حتى اليوم؟؟ أنا أكرهك يا أروى ... أكرهك و أتمنى أن تختفي من حياتي... أكرهك ... أكرهك ... ألا تفهمين ؟؟ "

    رميت الاثنين بنظرة أخيرة ملؤها الغضب... أروى مستندة إلى الحائط في ذهول رهيب... أشبه بلوحة مذعورة... و وليد عند أسفل عتبات الدرج تتملكه الدهشة و المفاجأة...

    " لماذا تجبرني على العيش معها يا وليد ؟؟ لماذا ؟؟... إن كنت تحبّها فأنا أكرهها... و أكرهك أنت أيضا... و لا أريد العيش معكما... أنتما تتعسان حياتي... أكرهكما سوية... أعدني لخالتي... أعدني لخالتي... يا بليـــــــــــــــــد "

    فجرت هذه الجملة و انطلقت مسرعة نحو غرفتي



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في الإثنين 15 أكتوبر - 1:38


    * * الحلقة الأربعون * *






    ~ مُفترق الطرق ~







    وقفتُ عند أسفل عتبات السلّم... مأخوذا بهول ما سمعتُ... مشلول الإرادة...
    اختفتْ رغد بعدما صرختْ في وجهي ( أكرهكَ يا بليد )
    إن أذني ّ لم تسمعا... إنما هو قلبي الذي اهتز بعنف بعد الصدمة...

    التفتُ إلى الوراء بجهد فرأيتُ أروى تقف ملتصقة بالجدار محملقة بي تكاد بنظراتها تثقبُ عيني ّ فيما تعبيرات الذهول طاغية على وجهها الملوّن...

    كانتْ أمسية جميلة و قد استمتعتُ فيها مع سيف و طفله... ثم سهرتُ مع أروى نشاهد مسرحية فكاهية رائعة... كان كل شيء رائعا قبل قليل...
    لماذا يا رغد ؟
    لماذا ؟؟

    " وليد "

    الحروف خرجتْ متقطّعة من فم أروى المصعوقة بما سمعتْ... و بالتأكيد تريد الآن أن تسمع من جديد...

    " وليد... وليد... ماذا قالتْ رغد ؟؟ "

    ركّزتُ نظري في أروى ... و لم أرد...

    أروى اقتربتْ منّي خطوة بعد خطوة ببطء ... كأن قدميها قد ثقلتا فجأة و ما عادتْ بقادرة على رفعهما
    و لما صارتْ أمامي أبعدتُ نظري عن عينيها... فقد كانتْ نظراتها قوية جدا... و مركزة جدا إلا أنها سرعان ما مدّتْ يدها إلي و سألتْ :

    " وليد ... أنت َ ... أنت َ ... من... قتل عمّار ؟؟ "

    سماع اسمه أجبر عينيّ على العودة فورا إلى عينيها المذهولتين

    " وليد ...؟؟ أنت ...!! "

    أجبتُ أخيرا :

    " نعم ... أنا من قتل عمار القذر... ابن عمّك "

    أروى رفعتْ يدها بعيدا ثم وضعتْها على فمها و شهقتْ بقوة.. و تجمّدتْ اللحظة ساعة أو عاما أو حتى قرنا من الزمان...

    لم أحس إلا بقطرات العرق تسيل على جسمي... و بالحرارة تنبعثُ منه...
    و لم استطع تحرير بصري من قيد عينيها...
    بدأتْ الآن تهزّ رأسها في عدم تصديق و دهشة ما مثلها دهشة...

    " لا ... لا أصدّق ! وليد !"

    و التقطتْ بعض أنفاسها و تابعتْ :

    " كل... هذا الوقت... و أنتَ ... تخفي عنّي ؟؟ لا أصدّق ! "

    و مرّة أخرى حرّكتْ يدها نحوي و أمسكتْ بكتفي

    " غير صحيح ! وليد أنتَ ... تمزح "

    قلتُ بحزم :

    " قتلتُه و دخلتُ السجن... و لستُ نادما... هذه هي الحقيقة... هل عرفت ِ الآن ؟ "

    ابتعدتْ أروى عنّي و هي تهتفُ :

    " لا ... لا ... "

    ثم توقفتْ فجأة و استدارتْ إليّ و قالتْ :

    " لماذا ؟؟ لماذا قتلته ؟ "

    قلتُ مباشرة :

    " لأنه يستحق الموت... الحيوان... القذر... الحقير... "

    عادتْ تسأل مندهشة مبحوحة الصوت :

    " لماذا ؟ "

    جوابي كان بضربة سددتُها إلى سياج السلم الخشبي كدتُ معها أن أحطّمُه...

    أروى كررتْ :

    " لماذا ؟ أخبرني "

    و لما لم أجبها أقبلتْ نحوي مجددا و أمسكتْ بذراعي ّ الاثنتين و هتفتْ :

    " أخبرني لماذا ؟؟ لماذا ؟؟؟ "

    صرخت ُ بانفعال :

    " لأنه حيوان... ألا تعرفين معنى حيوان ؟؟ "

    أروى تهزُّ رأسها و تقول:

    " ماذا تخفي عنّي يا وليد ؟؟ قلْ لي ؟؟ لماذا أخفيتَ هذا عنّي ؟؟ لماذا لم تخبرني لماذا ؟ "

    و بدأتْ دموعها بالانهمار...
    شعرتُ بأني أختنق... الهواء من حولي لم يكن كافيا لملء رئتيّ... أبعدتُ يديها عني و أوليتُها ظهري و سرتُ متجها نحو مدخل المنزل...

    نادتني أروى:

    " إلى أين تذهب ؟؟ لا تدعني هكذا يا وليد... قل لي ما الذي تخفيه عنّي ؟؟"

    لم أجبها فقد كنتُ من الضيق و الغضب ما يكفي لأن أدمّر مدينة بكاملها...

    " وليد إلى أين ؟ "

    صرختُ :

    " دعيني و شأني يا أروى "

    و أسرعتُ نحو الباب و غادرتُ المنزل...

    الساعة آنذاك كانتْ منتصف الليل... و لم أكن لأغادر المنزل في مثل هذا الوقت لو أن الضيق لم يصل بي إلى حد الاختناق...
    كنتُ أريد أن أهدأ بعيدا...
    أعيد عرض الشريط و أركز فيما حصل...
    استوعب الحدث و أفكر فيه...

    توجهتُ نحو البحر...أرفس رماله و أرجم أمواجه إلى أن أفرغتُ ما في صدري من ثورة في قلبه... و لو كان يتكلم لصرخ صرخة تصدعتْ لها كواكب المجرة من فرط الألم...

    و كإنسانٍ مجردٍ من أي اعتبارات... على سجيته و فطرته... أطلقتُ العنان لدموعي... و بكيتُ بألم...
    تفقدتُ ساعتي فلم أجدها و تحسستُ جيوبي بحثا عن هاتفي فلم أعثر سوى على سلسلة مفاتيحي... السلسلة التي أهدتني إياها رغد ليلة العيد...
    لا أدري كم من الوقت مضى و لكني لمحتُ أول خيوط الفجر يتسلل عبر عباءة السماء...

    عندما وصلتُ إلى المنزل... وجدتُه يغط في سكون مخيف...
    أردتُ أن أتفقد الفتاتين... وجدتُ أروى نائمة في غرفتها و قد تركتْ الباب مفتوحا و المصابيح مضاءة فاستنتجتُ أنها نامتْ بينما كانت تنتظر عودتي...

    توجهتُ نحو غرفتي و توقفتُ عند الجدار الفاصل بين بابها و باب غرفة رغد
    و استعدتُ ذكرى الليلة الماضية و اشتعل الألم في معدتي...

    أديت صلاتي ثم ارتميتُ على سريري و عبثا حاولتُ النوم... لم أنم و لا لحظة واحدة
    و عاصرتُ بزوغ الشمس و مراحل سباحتها في كبد السماء ساعة ً ساعة و حمدتُ الله أنه كان يوم إجازة و إلا لتغيبتُ عن العمل من شدة التعب...
    لم أفعلْ شيئا سوى التفكير و التفكير...
    و عند نحو العاشرة و النصف سمعتُ طرقا على الباب...

    " تفضّل "

    لقد كانتْ أروى...
    و على غير العادة لم نبدأ حديثنا بالتحية...

    " هل استيقظتَ ؟ "

    سألتني و وجهها يسبح في الحزن...

    " بل قولي : هل نمتَ ؟ "

    لم تعلق أروى، ثم قالتْ :

    " أيمكننا التحدث الآن ؟ "

    " تفضلي "

    و بالطبع تعرفون عم سنتحدث...

    " أريد أن أعرف... تفاصيل مقتل عمار... و لم أخفيتَ الحقيقة عني... و ما علاقة كل هذا برغد ؟ "

    تنهدتُ ثم قلتُ :

    " هل... سيغير ذلك شيئا ؟ "

    أروى قالتْ بسرعة :

    " بالطبع... سيغيّر الكثير... "

    و لا أدري ما قصدتْ بذلك... و لم يعد يهمني ما قد يحدث.... في نظري الآن... لا شيء يستحق الاهتمام...

    " حسنا يا أروى... لقد سبق و أن أخبرتُك بأنني انتظر الوقت المناسب لأطلعكِ على أمر مهم... و لم يعد هناك معنى للصمت بعد الآن "

    " إذن ... اخبرني بكل شيء ... "

    تنهّدتُ تنهيدة مريرة... خرجتْ من صدري عجوزا واهنة لم تجد ما تتكئ عليه... و سرعان ما هوتْ في أعماق الذكريات...

    " قبل أكثر من تسع سنوات... قتلتُ عمار... و دخلتُ السجن... و هناك تعرّفتُ إلى والدك... بمحض الصدفة... و قبل وفاته أوصاني بكِ و بأمكِ خيرا... و ماتَ و هو لا يعرف أنني... من قتل ابن أخيه أو ربما لا يعرف حتّى... أن ابن أخيه قد قُتِل "

    كانتْ أروى تصغي إلي باهتمام...

    و عندما توقفتُ نظرتْ إلي بتعجب و قالتْ:

    " هذا كل شيء ؟ "

    قلتُ بضيق باد ٍ :

    " نعم "

    هزّتْ رأسها استنكارا و قالتْ:

    " لا تخفي عنّي شيئا يا وليد... اخبرني بالحقيقة كاملة "

    " ماذا تريدين أن تعرفي ؟ "

    " لماذا قتلتَ عمّار "

    التزمتُ الصمت

    " لماذا يا وليد ؟ "

    أجبتُ :

    " فيم يهمّك ذلك ؟ "

    " بالتأكيد يهمني أن أعرف "

    قلتُ :

    " لم يكن ذلك يهمّك ... سابقا "

    صمِت ّ قليلا ثم قلتُ :

    " أتذكرين ؟؟ ارتبطت ِ بي و لم تسأليني لِمَ دخلتُ السجن... و من قتلتُ... و لماذا .."

    أروى قالتْ :

    " لكن... ذلك كان قبل أن أكتشف أن الضحية كان ابن عمّي "

    هيجتني الجملة فهتفتُ منفعلا :

    " الضحية ؟؟ تقولين عن ذلك الحقير الضحية ؟؟ "

    حملقتْ أروى بي ثم انطلق لسانها مندفعاً :

    " هذا ما يثير جنوني... لماذا تنعته بالحقير و القذر؟ ماذا فعل؟ ماذا حصل؟ ما الذي كان بينكما؟ و لماذا قتلته؟ "

    لم أجب...

    " وليد أجبني ؟ "

    أشحتُ بوجهي بعيدا... لكنها حاصرتني من كل الجوانب

    " لماذا لا تريد أن تجيب يا وليد ؟؟ بدايةً... أنا لا أصدق أنك يمكن أن تقتل رجلاً مهما حصل... فلماذا قتلتَ ابن عمّي ؟ "

    قلتُ منفعلا :

    " لا تشيري إليه بـ ( ابن عمّي ) فهذا يثير التقزز يا أروى "

    " وليد ! "

    قلت ُ بصبر نافذ :

    " اسمعي يا أروى... لا استطيع أن أفصح عن السبب... لقد قتلتُه و انتهى الأمر... و لستُ نادما... و لن أندم يوما على ذلك... "

    ثم استطردت ُ :

    " أرجوك ِ يا أروى... أنا متعب للغاية... هذا يكفي الآن "

    الحيرة تملكتْ أروى ممزوجةً بالفضول الشديد... و أصرتْ على معرفة المزيد لكنني امتنعتُ عن البوح بالحقيقة...

    فجأة سألتْ :

    " هل... تعرف رغدُ ذلك ؟ "

    و ربما للانفعال الذي ظهر على وجهي استنبطتْ هي الجواب دون أن أنطق...

    ثم بدا عليها بعض التردد و قالتْ أخيرا :

    " و ... هل ... لثروتي علاقة بذلك ؟ "

    نظرتُ إليها مستغربا و سألتُ:

    " ثروتك؟؟ ماذا تعنين؟ "

    قالت :

    " أعني... هل كنتَ تعرف... عن ثروة عمّي قبل زواجنا ؟ "

    صُعقتُ من سؤالها... وقفتُ فجأة مذهولا كمن لدغته أفعى...
    قلتُ :

    " ما الذي تقولينه؟؟ "

    أروى وقفتْ بدورها و أفلتتْ أعصابها منطلقة:

    " أنا لا أعرف ما الذي أقوله... لا أعرف كيف أفكّر... قبل ساعات اكتشفتُ أن خطيبي هو قاتل ابن عمّي... و أنتَ تخفي عني الحقيقة... و ترفض البوح بشيء... كيف تريدني أن أفكّر يا وليد أنا أكاد أجن ... "

    حقيقة لم أرَ أروى بهذه الحالة من قبل...

    قلتُ بعصبية :

    " لا علاقة لهذا بزواجنا يا أروى... لا تذهبي بأفكارك إلى الجحيم "

    صرختْ :

    " إذن قل لي الحقيقة "

    " أي حقيقة يا أروى بعد ؟؟ "

    " لماذا قتلتَ عمار و لماذا أخفيتَ الأمر عنّي ؟؟ و لماذا لا تريدني أن أعرف السبب ؟ "

    وضعتُ يدي على جبيني و ضغطت على صدغي ّ حائلا دون انفجارهما...

    " لماذا يا وليد ؟ "

    صرختُ :

    " أرجوك يا أروى... لا تضغطي علي... لا استطيع إخبارك عن الأسباب... "

    احمرّ وجه أروى الأبيض غضبا و قالتْ و هي تهمّ بالمغادرة :

    " سأعرفُ الأسباب... من رغد إذن "

    و انطلقتْ نحو الباب

    أبعدتُ يدي عن رأسي فجأة و تركتُه ينفجر صداعا قاتلا... و هتفتُ بسرعة :

    " أروى انتظري "

    لكن أروى كانت قد غادرتْ الغرفة و لالتصاق غرفتي بغرفة رغد سرعان ما مدّتْ ذراعها و طرقتْ باب رغد و نادتها

    أسرعتُ خلفها محاولا منعها

    " توقفي يا أروى إيّاكِ "

    قلتُ ذلك و أنا أبعدُ يدها عن الباب...

    " دعني يا وليد... أريد أن أعرف ما تخفيانه عني... "

    جذبتُ أروى بقوة حتى آلمتُها و صرختُ بوجهها :

    " قلتُ توقفي يا أروى ألا يكفي ما فعلتِه بالأمس ؟؟ يكفي "

    " أنا ؟ ما الذي فعلتُه ؟ "

    " ما قلتِه لرغد عن ثروتكِ و عما ننفقه من ثروتكِ... و أنتِ تعلمين يا أروى أنني احتفظ بسجل لكل المصروفات... و أنّ ما أعطيها إياه هو من راتبي أنا و مجهودي أنا... "

    هنا فُتِح الباب و أطلتْ منه رغد...
    أول ما اصطدمتْ نظراتنا تولّد شرر أعشى عينيّ...
    هل رأيتموه ؟؟

    حملقنا ببعضنا قليلا... و الطيور على رؤوسنا نحن الثلاثة...

    أول ما تكلمتْ رغد قالت بحدة:

    " نعم ؟ ماذا تريدان ؟ "

    و نقلتْ بصرها بيننا... و لم ننطق لا أنا و لا أروى...

    قالتْ رغد:

    " من طرق بابي ؟ "

    هنا أجابتْ أروى:

    " أنا "

    سألتْ رغد بغضب:

    " ماذا تريدين ؟ "

    أروى ترددتْ ثوانٍ لكنها قالت:

    " سأسألك سؤالا واحدا "

    هنا هتفتُ رادعا بغضب :

    " أروى... قلتُ كلا "

    التفتتْ إليّ أروى محتجةً :

    " و لكن يا وليد "

    فصرختُ مباشرة و بصرامة :

    " قلتُ كلا ... ألا تسمعين ؟ "

    ابتلعتْ أروى سؤالها و غيظها و أشاحتْ بوجهها و انصرفتْ من فورها...
    لم يبقَ إلا أنا و رغد... و بضع بوصات تفصل فيما بيننا... و شريط البارحة يُعرض في مخيلتنا... عيوننا متعانقة و أنفاسنا مكتومة...
    تراجعتْ رغد للخلف و همّتْ بإغلاق الباب ...

    " انتظري "

    استوقفتها... لم أكن أريدها أن تبتعد قبل أن أرتاح و لو قليلا...

    " ماذا تريد ؟ "

    سألتني فقلتُ بلطفٍ و رجاء :

    " أن نتحدّث قليلا "

    فردتْ بحدة و جفاء :

    " لا أريد التحدث معك... دعني و شأني "

    و دخلتْ الغرفة و أغلقتْ الباب بهدوء... لكنني شعرتُ به يصفع على وجهي و أكاد أجزم بأن الدماء تغرق أنفي...
    جلستُ في الصالة مستسلما لتلاعب الأفكار برأسي تلاعب المضرب بكرة التنس... بعد ذلك رغبتُ في بعض الشاي علّه يخفف شيئا من صداع رأسي...
    هبطتُ إلى الطابق السفلي و إلى المطبخ حيث وجدتُ أروى و خالتي تجلسان بوجوم حول المائدة...
    حييتُ خالتي و شرعتُ بغلي بعض الماء...

    " وليد "

    التفتُ إلى أروى... التي نادتني و رأيتُ في وجهها تعبيرات الجد و الغضب...

    " أريدُ العود إلى المزرعة "

    حملقتُ في أروى غير مستوعبٍ لجملتها الأخيرة هذه... سألتُ :

    " ماذا ؟ "

    أجابتْ بحزم :

    " أريد العودة إلى المزرعة... و فورا "

    التفتُ إلى خالتي فهربتْ بعينيها إلى الأرض... عدتُ إلى أروى فوجدتُها تنتظر جوابي

    قلتُ :

    " ماذا تقولين ؟ "

    " ما سمعتَ يا وليد... فهل لا دبّرت أمر عودتنا أنا و أمي الآن ؟؟ و إذا لم تستطع مرافقتنا فلا تقلق. نستطيع تدبير أمورنا في المطار و الطائرة "

    عدتُ أنظر إلى خالتي فرأيتُها لا تزال محملقة في الأرض...

    " خالتي ... "

    التفتتْ إلي فسألتُ :

    " هل تسمعين ما أسمع ؟ "

    الخالة تنهدتْ قليلا ثم قالتْ :

    " نعم يا بني. دعنا نعود لأرضنا فقد طال بعدنا و أضنانا الحنين "

    أدركتُ أن الأمر قد تمتْ مناقشتُه و الاتفاق عليه من قِبلهما مسبقا... عدتُ أكلم أروى:

    " ما هذا القرار المفاجئ يا أروى... غير ممكن ... تعلمين ذلك "

    أروى قالت بحدة :

    " أرجوك يا وليد... لستُ أناقش معك تأييدك من عدمه... أنا فقط أعلمك عن قراري و أريد منك شراء التذاكر... "

    " أروى !! "

    " و هذا قرار نهائي و لا تحاول ثنيي عنه...رجاء ً يا وليد احترم رغبتي ..."

    و عبثا حاولتُ ... و باءتْ محاولاتي بالفشل... و أصرتْ أروى و أمها على العودة إلى المزرعة و بأسرع ما يمكن...
    تركتُ الماء يغلي و يتبخر و ربما يحرق الإبريق... و خرجتُ من المنزل... لم يكن لدي هدف و لكنني أرت الابتعاد قبل إثارة شجار جديد...
    حاولتُ إعادة تنظيم أفكاري و حلولي فأصابني الإعياء من كثرة التفكير...
    عندما عدتُ وقت زوال الشمس... كانتْ أروى و خالتي قد حزمتا أغراضهما في الحقائب...

    " بالله عليك يا أروى... تعلمين أنه لا يمكنكما السفر... "

    قالت :

    " لماذا ؟ "

    قلتُ :

    " تعرفين لماذا... لا يمكن أن... نبقى أنا و رغد بمفردنا "

    و كأن كلامي هذا أشعل الجمر في وجهها... إني لم أرَ أروى غاضبة بهذا الشكل من ذي قبل...

    " من أجل رغد ؟ لقد انتهينا يا وليد... أنا لم يعد يهمني ما تفعله و ما لا تفعله من أجل رغد... دبر أمورها بعيدا عني... لا علاقة لي بهذه الفتاة من الآن فصاعدا "

    و تركتني و غادرتْ المكان...
    وقفتُ حائرا غير قادر على التصرف... خاطبتني خالتي آنذاك :

    " دعنا نذهب يا بني فهذا خيرٌ لنا "

    قلتُ معترضا :

    " كيف تقولين ذلك يا خالتي؟؟ تعرفين أن رغد تدرس في الكلية و لا يمكنني العودة بها إلى المزرعة و لا البقاء معها هنا وحيدين... أرجوكِ يا خالتي قدري موقفي... أرجوك ... اقنعي أروى بتغيير قرارها المفاجئ هذا "

    لكن خالتي هزتْ رأسها سلبا... و قالتْ:

    " ابنتي متعبة يا وليد... لقد لقيَتْ منك و من ابنة عمّك الكثير... رغم كل ما تفعله من أجلك... أنتَ صدمتها بقوة... و صدمتني كذلك... دعنا نعود إلى مزرعتنا نتنفس الصعداء... يرحمك الله "

    لم أجرؤ على إطالة النظر في عينيها أكثر من ذلك... و لم أجسر على قول شيء... شعرتُ بالخجل من نفسي و أنا أقف حاملا ذنبي الكبير ...أمام كل ما فعلتْه عائلة نديم لي عبر كل تلك الشهور...
    كم أشعر بأنني خذلتهم... و صدمتهم...
    لكن...
    ألم يكونوا يعرفون بأنني قاتل مجرم خريج سجون؟؟
    هل يفرق الأمر فيما لو قتلتُ عمار عما لو قتلتُ غيره ؟؟
    هل كان علي أن... أبوح بسري إلى أروى منذ البداية؟؟

    كان يوما من أسوأ أيام حياتي... حاولتُ النوم من جديد بلا جدوى... و حاولتُ الذهاب إلى رغد و لم أجرؤ... و حاولتُ التحدث مع أروى فصدتني...

    قبل غروب الشمس، ذهبتُ إلى أحد مكاتب شركة الطيران و حجزتُ أربعة تذاكر سفر إلى الشمال...

    عدتُ بعد صلاة العشاء حاملا معي طعاما جلبتُه من أحد المطاعم...
    كنتُ أشعر بالجوع و التعب و آخر ما أكلته كان بعض المكسرات ليلة أمس... كما و أن أروى لم تعد أي وجبة هذا اليوم...

    " أحضرتُ أقراص البيتزا لنا جميعا... دعونا نتناولها فلابد أنكما جائعتان مثلي "

    قلتُ ذلك و أنا أضع العلب الأربع على المنضدة في غرفة المعيشة، حيث كانت أروى و الخالة تجلسان و تشاهدان التلفاز...
    الخالة ابتسمتْ ابتسامة سطحية أما أروى فلم تتحرك...
    فتحتُ علبتِي و اقتطعتُ قطعة من البيتزا الساخنة و قضمتُها بشهية...

    " لذيذة... تعالي يا أروى خذي حصّتك "

    و مددتُ باتجاهها إحدى العلب... أروى لم تتحرك... فقلتُ مشجعا :

    " إنها لذيذة بالفعل "

    أتدرون بم ردّتْ ؟

    " خذها لابنة عمك... لابد أنها الآن تتضور جوعا و هي حبيسة غرفتها منذ البارحة "

    فوجئتُ و اغتظتُ من ردّها... و ما كان منّي إلا أن وضعتُ العلبة على المنضدة مجددا و أعدتُ قطعتي إلى علبتها كذلك...

    الجو غدا مشحونا... و حاولتْ خالتي تلطيفه فأقبلتْ نحوي و أخذتْ إحدى العلب... و وضعتها بينها و بين أروى و بدأتْ بالأكل...

    أما أروى فلم تلمسها...

    حملتُ العلبة الثالثة و قلتُ و أنا أغادر الغرفة:

    " نعم... سآخذها إليها "

    و لا أدري بم تحدثتا بعد انصرافي...

    حالما طرقتُ باب رغد و تحدثتُ إليها :

    " أحضرتُ لك ِ قرص بيتزا... تفضلي "

    ردتْ علي :

    " لا أريد منك شيئا..."

    امتصصتُ ردها المر رغما عني، و أجبرتُ لساني على الكلام :

    " لماذا يا رغد؟ إلى متى ستصومين؟ هل تريدين الموت جوعا؟ "

    و ردّتْ علي :

    " أكرم لي من الأكل من ثروة الغرباء "

    استفزني ردها فطرقتُ الباب بانفعال و أنا أقول :

    " ما الذي تقولينه يا رغد؟ افتحي الباب و دعينا نتحدّث "

    لكنها صاحتْ:

    " دعني و شأني "

    فما كان منّي إلا الانسحاب... مكسور الخاطر...
    استلقيتُ على أريكة في الصالة العلوية... وسط الظلام... لا أرى إلا السواد يلون طريقي و عيني و أفكاري...

    و مرتْ الساعة بعد الساعة... و الأرق يأكل رأسي... و الإجهاد يمزق بدني و الجوع يعصر معدتي... و يهيج قرحتي... و لم يغمضْ لي جفن أو يهدأ لي بال...

    بعد سكون طويل سمعتُ صوت أحد الأبواب ينفتح...
    لابد أنها رغد... إذ أن أروى و الخالة تنامان في غرفتين من الناحية الأخرى من المنزل، بعيدتين عن الصالة و عن غرفتينا أنا و رغد...
    أصغيتُ السمع جيدا... شعرتُ بحركة ما... فقمتُ و حثثتُ الخطى نحو غرفة رغد...
    رأيتُ الباب مفتوحا و يبدو أنها قد غادرتْ قبل ثوان...

    وقفتُ عند الباب منتظرا عودتها... و أنا بالكاد أحملُ جسدي على رجلي... و استندُ إلى الجدار الفاصل فيما بين غرفتينا ليمنحني بعض الدعم...
    كنتُ بحاجة لأن أراها و أكلمها و لو كلمة واحدة... عل ّ عيناي تأذنان بإسدال جفونهما...

    بعد قليل أقبلتْ رغد...
    و انتفضتْ حالما رأتني... و كذلك أنا... تشابكتْ نظراتنا بسرعة... و انفكّت بسرعة!

    رغد كانتْ تحمل قارورة مياه معدنية... و كانت ترتدي ملابس النوم... و بدون حجاب...

    أبعدتُ نظري عنها بتوتر و أنا أتنحنح و أستديرُ نحو باب غرفتي و افتحه و أخطو إلى الداخل... على عجل... و من ثم أغلق الباب... بل و أوصده بالمفتاح !

    وقفتُ خلف الباب لبعض الوقت... أتصبّب عرقا و اضطرب نفسا و أتزايد نبضا... و أشدّ و أرخي عضلات فكي في توتر... حتى سمعتُ باب غرفة رغد ينغلق...
    و نظرتُ إلى الجدار الفاصل بين غرفتينا... و اعتقد ... إن لم يكن السهر قد أودى بعقلي... أنني رأيتُ رغد من خلاله !

    إنني أراها و أشعر بحركاتها... و أحس بالحرارة المنبعثة منها أيضا !

    مرتْ دقائق أخرى و أنا لا أزال أشعر بها موجودة حولي... أكادُ أجن... من أجل التحدث معها و الاطمئنان عليها... و لو لدقيقة واحدة...

    و لم أستطع تجاهل هذا الشعور...
    فتحتُ بابي و خطوتُ نحو بابها و قبل أن يتغلب علي ترددي طرقته بخفة...

    " رغد ... "

    لم اسمع الجواب... لكني متأكد من أنها لم تنم...

    عدتُ و طرقته من جديد :

    " رغد... "

    و سمعتُ صوتها يجيبني على مقربة... بل إنني كدت ألمسه ! أظنها كانت تهمسُ في الباب مباشرة !

    " نعم ؟ "

    ارتبكت ُ و تعثرتْ الكلمات على لساني...

    " أأأ... إممم ... هل أنت ِ نائمة ؟ أعني مستيقظة ؟ "

    " نعم "

    " هل... استطيع التحدث معك ؟ "

    لم تجب رغد...فحدقتُ النظر إلى الموضع الذي يصدر منه صوتها عبر الباب مفتشا عن كلامها!
    أعرف... لن تصدقوني !
    لكنني رأيتُه أيضا ...

    " ماذا تريد ؟؟ "

    أجبت ُ بصوت ٍ أجش :

    " أن أتحدّث معكِ... قليلا فقط "

    و لم ترد... قلتُ :

    " أرجوكِ رغد... قليلا فقط "

    و لم تجبْ... فكررتُ بنبرة شديدة الرجاء و اللطف :

    " أرجوكِ... "

    بعد ثوان انفتح الباب ببطء...
    كانتْ صغيرتي تنظرُ إلى الأرض و تتحاشى عيني ّ... أما أنا فكنتُ أفتش عن أشياء كثيرة في عينيها... عن أجوبة لعشرات الأسئلة التي تنخُر دماغي منذ الأمس...
    عن شيء ٍ يطمئنني و يسكّن التهيّج في صدري...
    و يمحو كلماتها القاسية ( أكرهك يا بليد ) من أذني ّ ....

    " أنا آسف صغيرتي و لكن... أود الاطمئنان عليكِ "

    ألقتْ رغد عليّ نظرة خاطفة و عادتْ تخبـّئ بصرها تحت الأرض...

    " هل أنت ِ بخير ؟ "

    أومأت ْ إيجابا... فشعرت ُ ببعض ٍ من راحة ٍ ... ما كان أحوجني إليها...

    " هل... يمكننا الجلوس و التحدث قليلا ؟ "

    رفعت ْ نظرها إليّ مستغربة، فهو ليس بالوقت المناسب للحديث ... و كنت ُ أدرك ذلك، لكنني كنت ُ غاية في الأرق و انشغال البال و لن يجد النوم لعيني ّ سبيلا قبل أن أتحدث معها...

    " أرجوك...فأنا متعب... و أريد أن أرتاح قليلا... أرجوكِ "

    ربما خرج رجائي عميقا أقرب إلى التوسل... كما خرج صوتي ضعيفا أقرب إلى الهمس... و تفهّمتْ رغد ذلك و فسحتْ لي المجال للدخول...

    توجهت ُ مباشرة إلى الكرسي عند المكتب و جلست ُ عليه... و أشرتُ إليها :

    " اجلسي رغد "

    فجلستْ هي على طرف السرير...
    حاولتُ تنظيم أفكاري و انتقاء الكلمات و الجمل المناسبة و لكن حالتي تلك الساعة لم تكن كأي حالة...
    لمحت ُ قارورة الماء نصف فارغة موضوعة على المكتب إلى جواري...

    " رغد... ألا تشعرين بالجوع ؟ "

    سرعان ما نظرتْ إلي تعلوها الدهشة !
    فهو ليس بالموضوع الذي يتوقع المرء أن يدور نقاشٌ طارئ ٌ في منتصف الليل حوله!

    قلت ُ بحنان :

    " يجب أن تأكلي شيئا قبل أن تنامي... "

    عقــّبتْ هي باندهاش :

    " أهذا كل شيء ؟؟ "

    تأوهت ُ و قلت ُ:

    " لا و لكن... أنت ِ لم تأكلي شيئا منذ ليلتين و أخشى أن يصيبك الإعياء يا رغد "

    لم تتجاوب معي... فأدرت ُ الحديث إلى جهة أخرى...

    " رغد... مهما كان ما قالته أروى... أو مهما كان شعوركِ نحوها... أو حتى نحوي... لا تجعلي ذلك يزعزع من ثقتك... بأن ّ... بأن ّ... "

    و تعلقت ْ الكلمات على طرف لساني برهة شعرتُ فيها بالشلل... ثم أتممت ُ جملتي بصوت أجش...

    " بأنكِ... كما كنت ِ... و كما ستظلين دائما... صغيرتي التي... التي... "

    و تنهدتُ بمرارة...

    " التي ... أحبُ أن أرعاها و أهتم بجميع شؤونها مهما كانت... "

    نظرت ْ إلي بتمعن و اهتمام... و لكنها لم تعلـّـق...

    أضفتُ :

    " و كل ما أملك يا رغد... قل ّ أم كثر... هو ملكك ِ أنت ِ أيضا و تحت تصرّفكِ... يا رغد... أنا لا آخذ شيئا من ثروة أروى... إنما استلم راتبا كأي موظف... إنني احتل منصب المدير كما تعلمين... و دخلي كبير... فلا تظني بأنني أحصل على المال دون عناء أو دون عمل... "

    رغد قالت فجأة:

    " بل أنا من ... يحصل عليه دون عناء و دون عمل... و دون حق و لا مقابل "

    ازداد ضيق صدري و لم يعد قادرا حتى على التنهّد...

    سألتها بمرارة و أنا أحس بعصارة معدتي تكاد تحرق حبالي الصوتية:

    " لماذا يا رغد؟؟ لماذا دائما... تقولين مثل هذا الكلام؟؟ ألا تدركين أنك... تجرحين شعوري؟"

    تعبيرات رغد نمّتْ عن الندم و الرغبة في الإيضاح... و لكن لا أعرف لم انعقد لسانها...

    قلتُ :

    " رغد... أنا ... لطالما اعتنيتُ بكِ... ليس لأن من واجبي ذلك... حتى في وجود والدي ّ رحمهما الله... و حتى و أنت ِ مرتبطة بسامر... و أنت ِ طفلة و أنتِ بالغة و أنت ِ في كل الأحوال و مهما كانت الأحوال... دائما يا رغد... أنتِ صغيرتي التي أريد و لا شيء يبهجني في حياتي أكثر من ... أن اعتني بها... كجزء ٍ لا يتجزأ منّي يا رغد... "

    أجهل مصدر الجرأة التي ألهمتني البوح بهذه الكلمات الشجية وسط هذا الظلام الساكن...

    تلعثمتْ التعبيرات على وجه رغد... أهي سعيدة أم حزينة؟ أهي مصدقة أم مكذبة؟ لا يمكنني الجزم...

    سألتني و كأنها تريد أن تستوثق من حقيقة تدركها... ليطمئن قلبها :

    " صحيح... وليد ؟ "

    لم أشعر بأن إجابتي من كل هذا البعد ستكون قوية ما يكفي لطمأنتها... وقفتُ... سرتُ نحوها... أراها أيضا بعيدة... أجثو على ركبتيّ... تصبح عيناي أقرب إلى عينيها... تمتد يداي و تمسكان بيديها... ينطق لساني مؤكدا :

    " صحيح يا رغد... و رب الكعبة... الذي سيحاسبني عن كل آهة تنفثينها من صدرك بألم... و عن كل لحظة تشعرين فيها باليتم أو الحاجة لشيء و أنا حي على وجه الأرض... لا تزيدي من عذابي يا رغد... أنا لا استطيع أن أنام و في صدرك ضيق و لا أن أهدأ و في بالك شاغل... و لا حتى أن آكل و أنت ِ جائعة يا رغد... أرجوك... أريحيني من هذا العذاب... "

    لم أشعر إلا ويدا رغد تتحرران من بين يدي و تمسكان بكتفي ّ

    " وليد..."

    امتزجتْ نظراتنا ببعضها البعض... و لم يعد بالإمكان الفصل فيما بينها...
    عينا رغد بدأتا تبرقان باللآلئ المائية...

    قلتُ بسرعة :

    " لا تبكي أرجوك "

    رغد ربما ابتلعتْ عبراتها في عينيها و سحبتْ يديها و شبكتْ أصابعها ببعضها البعض... ثم طأطأتْ رأسها هاربة من نظراتي...

    ناديتُها مرة و مرتين...لكنها لم ترفع عينيها إلي ّ... ولم تجبني...

    " رغد... أرجوك... فقط ... قولي لي أنكِ بخير حتى أذهب مرتاحا... أنا بحاجة للنوم... كي أستطيع أن أفكر... لا استطيع التفكير بشيء آخر و أنا... قلق عليك ِ "

    أخيرا رغد رفعتْ عينيها و نظرتْ إليّ...

    " هل ... أنتِ بخير ؟؟ "

    هزّتْ رأسها و أجابت :

    " نعم ... بخير "

    تنهدتُ ببعض الارتياح... ثم قلتُ :

    " جيد... لكن... يجب أن تتناولي بعض الطعام قبل أن تنامي... هل أعيد تسخين البيتزا؟؟"

    قالتْ مباشرة :

    " لا... لا ..."

    قلتُ :

    " إذن... تناولي أي شيء آخر قبل أن تنامي... رجاء ً "

    نظرتْ إلى الأرض و أومأتْ إيجابا...

    تأملتُها برهة عن قرب... ثم وقفتُ و أعدت ُ تأمّلها من زاوية أبعد... و مهما تبعد المسافات... إنها إلى قلبي و كياني أقرب... و أقرب...
    أقرب من أن أقوى على تجاهل وجودها و لو لبرهة واحدة...
    أقرب من أن أستطيع أن أغفو دون أن أحس بحرارة قربها... في جفوني...
    و أقرب من أن أسمح لصدى ( أكرهكَ يا بليد ) بأن... يبعدها عنّي...

    قلتُ :

    " حسنا صغيرتي... سأترككِ تأكلين و تنامين... "

    و خطوتُ نحو الباب... ثم عدتُ مجددا أتأملها... راغبا في مزيد من الاطمئنان عليها... متمسكا بآخر طيف لها... يبرق في عيني ّ...

    " أتأمرين بشيء ؟ "

    رغد حركتْ عينيها إليّ... ثم قالتْ :

    " كلا... شكرا "

    فقلتُ :

    " بل ... شكرا لك ِ أنتِ صغيرتي... و اعذريني... "

    و ختمتُ أخيرا :

    " تصبحين على خير "

    و غادرتُ غرفتها عائدا إلى غرفتي...

    رميتُ أطرافي الأربعة على سريري ناشدا الراحة... لكني لم أحصل حقيقة عليها ... لم تكن جرعة رغد كافية لتخدير وعيي... و لليلة الثانية على التوالي أعاصر بزوغ الفجر و أشهد مسيرة قرص الشمس اليومية تشق طريقها ساعة ً ساعة ... عبر ساحة السماء...





    ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~






    صحوت ُ من نومي القصير و أنا أشعر بدوار شديد و رجفة في أطرافي... و إجهاد و ضعف عام في عضلاتي... لم استطع التحرك عن موضعي في السرير... لابد أن السبب هو الجوع فأنا لم آكل شيئا منذ ليلة شجاري مع الشقراء... و بالرغم من أن وليد نصحني بالطعام البارحة إلا أنني لم أكن أشعر بأي شهية له

    هذا إضافة إلى تأثير السهر و الأرق... اللذين لم يبرحاني مذ حينها...

    كلّما حاولتُ الحركة ازداد الدوار... و تسارعتْ خفقات قلبي ... و صعُبَ تنفسي...إنه ذات الشعور الذي داهمني يوم فرارنا حفاة من المدينة الصناعية... و تشردنا جياعا عطشى في البر...
    أمن أحد ليساعدني؟ أريد بعض الماء ... أريد قطعة خبز... أكاد أفقد وعيي...!
    أغمضتُ عيني و تنفستُ بعمق و حبستُ الهواء بصدري كي أمنع عصارة معدتي من الخروج... و زفرتُ أنّة طويلة تمنيتُ أن تصل إلى مسامع وليد... لكن الجدار الفاصل بيننا بالتأكيد امتص أنيني...

    بعد قليل سمعتُ طرقا على الباب... معقول أنه وليد قد سمعني؟ الحمد لله...!

    استجمعتُ بقايا قوتي و قلتُ مباشرة:

    " ادخل "

    لم أكن ارتدي غير ملابس النوم و لكن أي قوة أملك حتى أنهض و أضع حجابي؟؟ لففتُ لحافي حولي عشوائيا و كررتُ:

    " ادخل "

    انفتح الباب ببطء و حذر...

    قلتُ بسرعة مؤكدة :

    " تفضل "

    بسرعة... أنقذني...
    و أنا انظر نحو الباب... بلهفة...
    أتدرون من ظهر؟
    إنها أروى...
    فوجئتُ بها هي تدخل الغرفة...
    قالتْ و هي تقفُ قرب الباب :

    " أريد أن أتحدّث معك "

    أغمضتُ عيني... إشارة إلى أنني لا أريدها... إلى أنني متعبة... إلى أنني لم أكن أنتظرها هي... و لم أكن لأطلب العون منها...

    قالتْ :

    " هو سؤال واحد أجيبيه و سأخرج من غرفتك "

    قلتُ و أنا أزفر بتعب :

    " أخرجي "

    لكن أروى لم تخرج... فتحتُ عيني ّ فوجدتها تقتربُ منّي أكثر... أردتُ أن أنهض فغلبني الدوار... أشحتُ بوجهي بعيدا عنها... لا أريد أن أراها و لا أريد أن تراني بهذه الحالة...

    أروى قالتْ :

    " فقط أجيبيني عن هذا السؤال يا رغد... يجب أن تجيبيني عليه الآن... "

    لم أتجاوب معها
    حلّي عني يا أروى ! ألا يكفي ما أنا فيه الآن ؟؟ إنني إن استدرتُ إليك فسأتقيأ على وجهك الجميل هذا...

    " رغد "

    نادتني

    فأجبتُ بحنق :

    " ماذا تريدين منّي ؟ "

    قالتْ :

    " أخبريني... أتعرفين... لماذا ... قتل وليد عمّار ؟؟ "



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في الإثنين 15 أكتوبر - 1:46

    انتفض جسمي كلّه فجأة... و الخفقات التي كانت تهرول في قلبي صارتْ تركض بسرعة... بأقصى سرعة...
    التفت ُ إلى أروى... أو ربما الغرفة هي التي دارتْ و جعلتْ وجهها مقابل وجهي... لست ُ أكيدة...

    حملقتْ أروى بي ثم قالتْ :

    " تعرفين السبب... أليس كذلك ؟ أنا واثقة..."

    هززتُ رأسي نفيا... أريد محو السؤال و محو صورتها و محو الذكريات التي كسرتْ الباب و اقتحمتْ مخيّلتي فجأة ... هذه اللحظة...

    قالت أروى:

    " بل تعرفين... تصرفاتك و انفعالك يؤكد ذلك يا رغد... أنا واثقة من هذا... لا أعرف لم أنتما مصران على إخفاء الأمر عنّي... لكن... "

    هتفتُ :

    " كفى..."

    أروى قالتْ بإصرار :

    " للأمر... علاقة بك ِ أنت ِ... أليس كذلك ؟؟ "

    صرخت ُ و أنا أحاول صم أذني ّ عن سماع المزيد... و إعماء عيني عن رؤية شريط الماضي...

    " يكفي "

    لكن أروى تابعتْ :

    " أخبريني يا رغد... يجب أن تخبريني... لماذا قتل وليد عمّار... و ما علاقتكِ أنتِ بهذا ... لماذا صرخت ِ حين رأيت ِ صورته معلقة على جدار المكتب؟؟ و لماذا تنعتانه أنتما الاثنان بالحقير؟؟ ماذا فعل؟؟ ما الذي ارتكبه و جعل وليد... يقتله انتقاما؟؟ أنت ِ تعرفين الحقيقة... أليس كذلك؟؟ من حقي أن أعرف... أخبريني ... "

    " كفى... كفى ... كفى ... "

    صرختُ و أنا أضغط بيدي كلتيهما بقوة على صدغي ّ محاولة منع الذكرى المريرة الملغومة من الانفجار في رأسي...

    آنذاك... ظهر لي وجه عمار في الصورة... نعم... لقد رأيتُه يقترب منّي... رأيتُ يديه تمتدان نحوي... قفزت ُ عن سريري مفزوعة... صرختُ ... رأيت ُ الجدران تتصدع إثر صراخي... رأيتُ السقف ينهار... و الأرض تهتز ... أحسست ُ بعيني تدور ... و الغرفة تدور... و شعرت ُ بيد ٍ ما تمتد ُ نحوي... تحاول الإمساك بي...
    إنها... يد عمّار !


    " لا... لا... لاااااااااااااا "

    على هذه الصرخات انتفضتُ و رميتُ بفرشاة أسناني جانبا و خرجتُ من الحمام مسرعا مبتلعا بقايا المعجون دفعة واحدة و مطلقا ساقي ّ للريح... نحو غرفة رغد...
    كان الباب مفتوحا و الصراخ ينطلق عبره... مفزِعا...
    اقتحمتُ الغرفة فورا و رأيتُ رغد واقفة عند سريرها ممسكة برأسها بكلتا يديها و تصرخ مذعورة ... فيما أروى واقفة مذهولة إلى جوارها معلقة يديها في الهواء...

    " رغد ؟؟ "

    هرولتُ باتجاهها مفزوعا طائر العقل ... و رأيتُ يديها تبتعدان فجأة عن رأسها و تمتدان نحوي... و في ثوانٍ... تخطو إلي ّ... و تهوي على صدري... و تطبق علي ّ...

    تعثر قلبي الراكض و انزلق أرضا بعنف... جراء الموقف...
    كنتُ مذهولا ... لا أعرف و لا أدرك ما يحصل من حولي...

    " رغد ؟؟ "

    صرخت ُ فزعا... و أنا ألتقطها بين ذراعي فجأة و أضمها إلي ّ و أشعر بصراخها يخترق أضلاع قفصي الصدري...

    " بسم الله الرحمن الرحيم... ماذا حصل رغد ...؟ "

    حاولت ُ إبعاد رأسها كي أنظر إلى عينيها لكنها غاصتْ بداخلي بعمق ... بقوة و هي تصرخ:

    " أبعده عني... أبعده عنـّـي ... أبعده عنـّـي "

    ألقيتُ نظرة خاطفة على أروى فرأيتها مجفلة فزعة محملقة بعينيها...

    صرختُ :

    " ماذا حصل ؟ "

    لم تقو َ على الكلام...

    صرختُ ثانية :

    " ماذا حصل ؟؟ يا أروى؟؟ "

    تأتأتْ أروى :

    " لا... أدري... "

    أبعدتُ رأس رغد عن صدري فلم تقاوم... نظرتُ إلى عينيها أريد أن أسألها عمّا حصل... فإذا بهما تحملقان في الفراغ... و إذا بذراعيها تهويان فجأة على جانبيها... و إذا بها تنزلق من بين يدي...

    بسرعة أمسكتُ بها و أنا أصرخ:

    " رغد... رغد "

    رفعتُها إلى السرير و جعلتُ أخاطبها و أهزها ... لكن عينيها كانتا تبحلقان في اللاشيء... و فجأة دارتا للأعلى و انسدل جفناها من فوقهما...

    " رغد... رغد... ما بك ... رغد أجيبيني "

    لكنها لم تجب...

    صرختُ بانفعال :

    " أجيبيني يا رغد... رغد...أرجوكِ... "

    و أنا أهزها بعنف محاولا إيقاظها... لكنها... بدت فجأة كالميتة....
    تزلزل قلبي تحت قدمي مرتاعا و صرختُ مذهولا:

    " يا إلهي... ماتت ْ صغيرتي ماتت ْ ..."

    و أنا مستمر في هزّها بعنف دون جدوى...

    التفتُ إلى أروى و صرختُ بقوة:

    " طبيب... إسعاف... ماء ... افعلي شيئا... احضري شيئا ... تحركي بسرعة "

    و أروى واقفة كالتمثال ... متجمدة في فزع ..

    صرختُ :

    " هيا بسرعة "

    تحركتْ أروى باعتباط ... يمينا يسارا حتى إذا ما لمحتْ قارورة الماء تلك على المكتب... أسرعتْ إليها و جلبتها لي
    رششتُ الماء على وجه رغد ... بل إنني أغرقتُه و أنا لا أزال أهزها و أضرب خديها بقوة... حتى ورّمتهما....
    رغد فتحتْ عينيها فناديتها مرارا لكنها لم تكن تنظر إليّ أو حتى تسمعني... بدتْ و كأنها تسبح في عالم آخر...

    " رغد... أتسمعينني؟؟ ردي عليّ... ردي عليّ يا رغد أرجوك... "

    و لم تتجاوب معي...
    بسرعة قربتُ من فمها قارورة الماء و طلبتُ منها أن تفتحه و تشرب...
    رغد لم تحرك شفتيها... بل عادتْ و أغمضتْ عينيها... لكنها لا تزال تتنفس... و لا يزال الشريان ينبض في عنقها بعنف...
    أبعدت ُ القارورة و رحت ُ أحرك رأسها يمينا و شمالا بقوة ... محاولا إيقاظها...
    و التفتُ إلى أروى آمرا :

    " أحضري بعض السكّر "

    وقد تفجرتْ فكرة هبوط السكر في بالي فجأة...

    أروى حدّقت بي ببلاهة... غير مستوعبة لشيء فهتفتُ:

    " السكر يا أروى... بسرعة "

    وانطلقتْ أخيرا خارج الغرفة و عادتْ بعد ثوان تحمل علبة السكّر...
    كانتْ رغد لا تزال شبه غائبة عن الوعي على ذراعي...
    تناولتُ علبة السكر بسرعة و سكبتُ كمية منه داخل القارورة و رججتها بعنف... ثم قرّبتها من رغد مجددا :

    " رغد... أتسمعينني؟؟ افتحي فمك..."

    لكنها فتحتْ عينيها و نظرتْ إليّ...
    رأس رغد كان على ذراعي اليسرى و القارورة في يدي اليمنى... ألصقتُها بشفتيها و قلتُ:

    " هيا يا رغد...افتحي فمك "

    لم تع ِ رغد كلامي...
    رفعت ُ رأسها و فتحت ُ فمها بنفسي... و دلقت ُ شيئا من الشراب فيه...

    " اشربي...."

    عينا رغد أوشكتا على الإغماض... فهززتها بقوة :

    " أوه لا... لا تنامي الآن... أفيقي... اشربي هيا... "

    و رفعت ُ رأسها للأعلى أكثر...
    حينها وصل الشراب إلى بلعومها فسعلتْ... و ارتد الشراب إلى الخارج...
    فتحتْ رغد عينيها و بدا و كأنها استردتْ شيئا من وعيها إثر ذلك...

    قربت ُ القارورة من فمها مجددا و قلتُ:

    " أتسمعينني يا رغد ؟؟ اشربي... أرجوك..."

    سكبتُ كمية أخرى في فمها فابتلعتها رغد فجأة... ثم فجأة رأيتُ المزيج يخرج من فمها و أنفها... و ينسكب مبللا وجهها و ملابسها...

    " أوه يا رغد.... كلا... كلا...."

    ضممتُها إلى صدري بهلع ... بفزع... بعشوائية... و بانهيار...
    كانت طرية كالورقة المبللة...

    غمست ُ يدي في علبة السكّر و أخذتُ حفنة منه... و رفعتُها نحو فمها المفغور و نثرتُها فيه... مبعثرا الذرات على وجهها المبلل و على عنقها و ملابسها و في كل مكان من شدّة اضطرابي...

    " ابلعيه... أرجوك... أرجوك يا رغد... "

    عدتُ و أخذتُ كمية أخرى و حشوتُ فمها بها... و أغلقتُه بيدي... و هي مستسلمة لا تقاوم... و لا تظهر على قسمات وجهها أية تعبيرات...
    كأنها تمثال من الورق الذابل...
    كانت... كالميتة على ذراعي...
    عدتُ أخاطبها فخرج صوتي مبحوحا ممزقا... و كأن حفنة السكر تلك قد انحشرتْ في حنجرتي أنا... و أعطبتْ حبالي الصوتية...

    " ابلعيه يا رغد... أرجوك... يجب أن تبلعيه... يا إلهي ماذا جرى لصغيرتي ؟؟ "

    أبعدتُ رأس رغد عنّي قليلا... فرأيتُ عينيها نصف مفتوحتين تحملقان في اللاشيء ... و فمها مفتوح تنساب من زاويتيه قطرات اللعاب ممزوجة بحبيبات السكر....
    و شيئا فشيئا بدأتْ تحرّك عينيها و فمها و تستعيد وعيها...

    " رغد ... "

    صحت ُ بلهفة... و أنا أرى عينيها تدوران في الغرفة و من ثم تنظران إلي ّ

    " رغد... رغد... هل تسمعينني ؟؟ "

    رغد تنظر إلي... إذن فهي تراني... و تسمعني...
    فمها أراه يتحرك و يبتلع السكر...

    بسرعة تناولت ُ قارورة المزيج تلك و ألصقتُها بفمها مباشرة و قلتُ :

    " اشربي ... أرجوك... أرجوك... "

    شربتْ رغد جرعة ... و ابتلعتْها... تلتها جرعة أخرى...
    أبعدت ُ القارورة و أعدتُ رجها بقوة... ثم قربتُها من شفتيها و طلبتُ منها أن تشرب المزيد...

    " اشربي... قليلا بعد يا رغد... هيا ... "

    حتى أرغمتُها على شرب المزيج كاملا... و قد تجاوبتْ منقادة و نصف واعية على ذراعي...
    و هي على ذراعي... استردّتْ وعيها تدريجيا...
    و هي على ذراعي... كانتْ تتنفس بقوة... و اضطراب... و ترتعش كعصفور يحتضر...
    و هي على ذراعي... انحدرتْ من عيني دمعة كبيرة... بحجم السنين التي فرقتْ فيما بيننا...
    و هي على ذراعي... و أنا ممسك بها بكل قوتي و كل ضعفي... مخافة أن تنزلق من بين يدي... مخافة من أن يبعدها القدر عني... مخافة من أن أفقدها هذه المرة... للأبد...

    لقد كانت شبه ميتة بين يدي...
    رغد الحبيبة... طفلتي الغالية... منبع عواطفي و مصبها... شبه ميتة... على ذراعي ؟؟

    " هل تسمعينني يا رغد ؟ أتسمعينني ؟ "

    سألتُها عندما رأيتُها تحدّق بي... بدتْ و كأنها مشوشة و غير قادرة على التركيز... أخذتْ تدور بعينيها على ما حولها... توقفتْ برهة تحملق في أروى... و أخيرا عادتْ إلي...

    " أخبريني... هل أنتِ بخير؟؟ أتسمعينني؟؟ أتستطيعين التحدّث؟ ردي عليّ يا رغد أرجوك... "

    " وليد... "

    أخيرا نطقتْ...

    قلتُ بلهفة :

    " نعم رغد... أأنت ِ بخير؟؟ كيف تشعرين؟ "

    رغد أغمضتْ عينيها بقوة... كأنها تعتصر ألما... ثم غمرتْ وجهها في صدري... و شعرتُ بأنفاسها الدافئة تتخلخل ملابسي... كما أحسستُ بالبلل يمتصه قميصي... من وجهها...

    حركتُ يدي نحو كتفها و ربتُ بخفة:

    " رغد...؟؟ "

    تجاوبتْ رغد معي... أحسستُ بهمسها يصطدم بصدري... لم أميّز ما قالتْ أولا... لكنها حين كررتْ الجملة استطاعتْ أذناي التقاطها ...

    " أبعده عنّي... "

    توقفتُ برهةً أفتشُ عن تفسيرٍ لما سمعتُ... سألتُها بحيرة و عدم استيعاب :

    " أُبعِدُهُ عنكِ ؟؟ "

    كررتْ رغد... و هي تغمرُ وجهها أكثر في ثنايا قميصي :

    " أَبعدهُ عنّي ... "

    قلتُ مستغربا :

    " من ؟؟ "

    سرتْ رعشة في جسد رغد انتقلتْ إليّ ... نظرتُ إلى يدها الممدودة جانبا فرأيتُها ترتجفُ... و رأيتُها تتحرك نحوي و تتشبثْ بي... كانتْ باردة كالثلج... و أيضا أحسستُ برأسها ينغمسُ في داخلي أكثر فأكثر... ثم سمعتُها تقول بصوتٍ مرتجف واهن:

    " عمّار "

    آن ذاك... جفلتُ و تصلبتْ عضلاتي فجأة... و تفجرتْ الدهشة كقنبلة على وجهي...
    حركتُ يدي إلى رأسها و أدرتُه إليّ... لأرى عينيها... فتحتْ هي عينيها و نظرتْ إليّ...

    قلتُ :

    " من ؟؟ "

    فردّتْ :

    " عمار... أبعده عنّي... أرجوك "

    اختنق صوتي في حنجرتي بينما ارتجّتْ الأفكار في رأسي...

    قلتُ :

    " عمــ....مار ؟؟ لكن... "

    و لم أقوَ على التتمة...
    ماذا جرى لصغيرتي ؟ ما الذي تهذي به ؟؟

    قالتْ :

    " أبعده... أرجوك "

    ازدردتُ ريقي بفزع و أنا أقول :

    " أين... هو ؟ "

    رغد حركتْ عينيها و نظرتْ نحو أروى... ثم هزتْ رأسها و أغمضتْ عينيها و عادتْ و غمرتْ وجهها في صدري و هي تصيح :

    " أبعده عني... أبعده عنّي... وليد أرجوك..."

    آنذاك... شعرتُ بأن خلايا جسمي كلها انفصمتْ عن بعضها البعض و تبعثرتْ على أقطار الأرض... و فشلتُ في جمعها...

    البقايا المتبقية لي من قوة استخدمتُها في الطبطبة على رغد و أنا أردد :

    " بسم الله عليكِ... اهدئي يا رغد... ماذا حل بكِ؟ ...هل رأيتِ كابوسا ؟؟ "

    رغد كررتْ مجددا و هذه المرة و هي تبكي و تشدّ ُ الضغط عليّ متوسلة:

    " أبعده يا وليد... أرجوك... لا تتركني وحدي... لا تذهب..."

    " أنا هنا يا رغد... بسم الله عليكِ... يا إلهي ماذا حصل لكِ ؟ هل تعين ما تقولين؟ "

    أبعدتْ رغد رأسها قليلا و وجهتْ نظرها إلى أروى و صاحتْ مجددا:

    " أبعده أرجوك... أرجوك... أنا خائفة... "

    جُن ّ جنوني و أنا أرى الصغيرة بهذه الحالة المهولة ترتجف ذعرا بين يدي ...
    هتفتُ بوجه أروى :

    " ماذا فعلت ِ بالصغيرة يا أروى ؟ "

    أروى واقفة مدهَشة متجمدة في مكانها تنظر إلينا بارتباك و هلع...

    صرخت ُ :

    " ماذا فعلت ِ يا أروى تكلّمي ؟ "

    ردتْ أروى باضطراب:

    " أنا ؟؟ لا شيء... لم أفعل شيئا "

    قلت ُ آمرا بصرامة :

    " انصرفي الآن ... "

    حملقتْ أروى بي مذهولة فكررت ُ بغضب :

    " انصرفي هيا ... "

    حينها خرجتْ أروى من الغرفة... و بقينا أنا و رغد منفردين... يمتص كل منا طاقته من الآخر...
    كانت الصغيرة لا تزال تئن مراعة في حضني... حاولتُ أن أبعدها عنّي قليلا إلا أنها قاومتني و تشبثتْ بي أكثر...
    لم استطع فعل شيء حيال ذلك... و تركتُها كما هي...
    هدأتْ نوبة البكاء و الروع أخيرا... بعدها رفعتْ رغد رأسها إلي و تعانقتْ نظراتنا طويلا...

    سألتُها :

    " أأنت ِ بخير ؟ "

    فأومأتْ إيجابا...

    " كيف تشعرين ؟ "

    " برد ... "

    قالتْ ذلك و الرعشة تسري في جسمها النحيل...
    جعلتُها تضطجع على الوسادة و غطيتها باللحاف و البطانية... و درتُ ببصري من حولي فوجدتُ أحد أوشحتها معلقا بالجوار فجلبتُه...
    و أنا ألفّه حول وجهها انتبهتُ لحبيبات السكر المبعثرة على وجهها و شعرها... و ببساطة رحتُ أنفضها بأصابعي...
    كان وجهها متورما محمرا من كثرة ما ضربته! أرى آثار أصابعي مطبوعة عليه !...
    آه كم بدا ذلك مؤلما... لقد شقّ في قلبي أخدودا عميقا...
    أنا آسف يا صغيرتي...سامحيني...

    لففتُ الوشاح على رأسها بإحكام مانعا أي ٍ من خصلات شعرها القصير الحريري من التسلل عبر طرفه...

    " ستشعرين بالدفء الآن... "

    سحبت ُ الكرسي إلى جوار السرير و جلستُ قرب رغد أراقبها...
    إنها بخير... أليس كذلك؟
    هاهي تتنفس... و هاهما عيناها تجولان في الغرفة... و هاهو رأسها يتحرك و ينغمر أكثر و أكثر في الوسادة...
    لابد أنه هبوط السكّر... فقد مرتْ رغد بحالة مشابهة من قبل... لكنها لم تكن تهذي آنذاك...
    هل كان كابوسا أفزعها؟؟
    هل قالتْ لها أروى شيئا أثار ذعرها؟؟
    ماذا حصل؟؟
    لابد أن أعرف...

    انتظرتُ حتى استرددتُ أنفاسي المخطوفة... و استرجعتُ شيئا من قواي الخائرة... و ازدردت ُ ريقي الجاف إلا عن طعم المعجون الذي لا يزال عالقا به... و استوعبتُ الموقف، ثم خاطبتُ رغد :

    " رغد "

    التفتتْ رغد إلي ّ فسألتُها:

    " ماذا... حصل ؟ "

    كنتُ أريد الاطمئنان على وعيها و إدراكها... و معرفة تفسير ما حدث...
    رغد نظرتْ إلي ّ نظرة بائسة... ثم قالتْ و صوتها هامس خفيف:

    " شعرت ُ بالدوخة منذ استيقاظي... و عندما وقفت ُ أظلمتْ الصورة في عيني ّ و فقدت ُ توازني... "

    ثم أضافتْ :

    " لم آكل شيئا... أظن أنه السبب "

    ثم تنهّدتْ باسترخاء...
    قلتُ :

    " أهذا كل شيء؟"

    قالت :

    " نعم "

    " و أنتِ الآن... بخير ؟؟ "

    أجابتْ :

    " نعم... بخير "

    تنهدتُ شبه مطمئنا و قلتُ :

    " الحمد لله..."

    و أضفتُ :

    " لقد أفزعتني..."

    نظرتْ هي إليّ ثم غضّت بصرها اعتذارا...

    قلتُ :

    " الحمد لله... المهم أنكِ بخير الآن "

    عقبتْ :

    " الحمد لله "

    سكتُ قليلا و الطمأنينة تنمو في داخلي، ثم استرسلتُ :

    " إذن... لم تأكلي شيئا البارحة.. أليس كذلك ؟ "

    و لم أرَ على وجهها علامات الإنكار...

    قلت ُ معاتبا و لكن بلطف:

    " لماذا يا رغد؟ لم تسمعي كلامي... أتريدين إيذاء نفسك؟؟ انظري إلى النتيجة... لقد جعلت ِ الدماء تجف في عروقي هلعا..."

    حملقتْ رغد بي لبرهة أو يزيد... ثم نقلتْ بصرها إلى اللحاف بعيدا عنّي... تأسفا و خجلا...
    لم يكن الوقت المناسب للعتاب.. لكن خوفي عليها كاد يقتلني... و أريد أن أعرف ما حصل معها...

    قلت ُ :

    " أحقا هذا كل ما في الأمر ؟ "

    عادتْ رغد تنظر إليّ مؤكدة :

    " نعم... لا تقلق... أنا بخير الآن "

    سألت ُ :

    " و أروى... ماذا كانت تفعل هنا ؟ "

    أجهل معنى النظرات التي وجهتها رغد نحوي... لكنني رجّحت ُ أنها لا تود الإجابة...
    احترتُ في أمري... أردت ُ أن أسألها عما جعلها تشير إليها كـ عمار... و لم أجرؤ...

    قلتُ أخيرا... و أنا أهب ُ واقفا :

    " حسنا... دعيني أحضر لك ِ شيئا تأكلينه "

    و هممتُ بالانصراف غير أن رغد نادتني:

    " وليد... "

    التفتُ إليها و رأيتُ الكلام مبعثرا في عينيها... لا أعرف ماذا كانت تود القول... غير أنها غيّرت حديثها و قالتْ:

    " أنا آسفة "

    ابتسمتُ ابتسامة سطحية و قلتُ مشجعا :

    " لا عليك "

    ابتسمتْ هي بامتنان و قالتْ :

    " شكرا لكَ "

    و غادرت ُ الغرفة... مطمئن البال نسبيا و اتجهتُ إلى المطبخ...

    هناك حضرت ُ الشاي و فتشتُ عن بعض الطعام فوجدت ُ علب البيتزا التي كنتُ قد اشتريتها بالأمس و لم تُمس...
    و عدا عن العلبة التي تناولتـْها خالتي ليندا، فإن البقية كما هي
    قمت ُ بتسخين أحد الأقراص على عجل... و انطلقتُ حاملا الطعام إلى رغد...

    كانتْ على نفس الوضع الذي تركتُها عليه...
    جلست ُ على المقعد إلى جوارها و قدّمتُ لها الوجبة

    " تفضلي... اشربي بعض الشاي لتدفئي "

    جلستْ رغد و أخذتْ تحتسي الشاي جرعةً جرعة... وهي ممسكة بالكوب بكلتا يديها...

    " هل تشعرين بتحسّن ؟ "

    حركتْ رأسها إيجابا

    قلتُ :

    " جيّد... الحمد لله... تناولي بعضا من هذه ... لتمنحك بعض الطاقة "

    و قربتُ إليها إحدى قطع البيتزا ... فأخذتْها و قضمتْ شيئا منها...

    سألتُها :

    " أهي جيّدة ؟ لا أعتقد أن طعمها قد تغيّر ؟ "

    أتعرفون كيف ردّت رغد ؟؟
    لا لن تحزروا... !

    فوجئتُ برغد و قد قربتْ قطعة البيتزا ذاتها إلى فمي... تريدُ منّي أن أتذوقها!

    اضطربتُ، و رفعتُ يدي لأمسك بالقطعة فأبعدتْ رغد القطعة عن يدي... و عادتْ و قرّبتْها إلى فمي مباشرة !

    الصغيرة تريد أن تطعمني بيدها !

    نظرتُ إليها و قد علا التوتر قسمات وجهي كما لوّنته حمرة الحرج... و رغد لا تزال معلّقة البيتزا أمام فمي...

    أخيرا قلتُ :

    " كـُـ... كليها أنت ِ رغد "

    و لو ترون مدى الامتقاع و التعبيرات المتعسة التي ظهرت على وجهها !

    و إذا بها تقول:

    " لا تريد أن تأكل من يدي ؟ "

    فاجأني سؤالها في وقت لم أصح ُ فيه بعد من مفاجأة تصرفها... و لا مفاجآت حالتها هذا الصباح...
    إنّ شيئا ألمّ بالصغيرة... يا رب... لطفك ...

    رفعتُ حاجباي دهشة... و تلعثمتْ الحروف على لساني...

    " أأأ... رغد... إنه... أنا... "

    رغد... ماذا جرى لك اليوم ؟؟ ماذا أصابك ...؟
    أنت ِ تثيرين جنوني... تثيرين فزعي... تثيرين مخاوفي ... تثيرين شجوني و آلامي و ذكريات الماضي...
    ماذا دهاك يا رغد ؟؟
    بربّك... أخبريني ؟؟

    كنتُ على وشك أن أنطق بأي جملة... تمتّ ُ أو لا تمتُ للموقف بصلة إلاّ أن رغد سبقتني و قالتْ منفعلة:

    " لكنك تأكل من يدها... أليس كذلك ؟ "

    ذهلتُ لجملتها هذه ... أيما ذهول...
    رغد لم تبعد يدها بل قربتها مني أكثر .. لا بل ألصقتْ البيتزا بشفتي و نظراتها تهددني...
    حملقتُ بها بدهشة و قلق... شيء ما قد حلّ بصغيرتي... ماذا جرى لها ؟ يا الهي...

    " رغد... "

    لما رأتْ رغد استنكاري... أبعدتْ البيتزا عني، و وجهها شديد الحزن تنذر عيناه بالمطر... و فمها قد تقوس للأسفل و أخذ يرتعش... و رأسها مال إلى الأسفل بأسى و خيبة ما سبق لي أن رأيتُ على وجه رغد شبيها لهما... و بصوت ٍ نافذ الطاقة هزيل متقطّع أقر ب إلى الأنين قالتْ:

    " أنت ...لا تريد... أن... تأكل من يدي أنا... أليس... كذلك ؟ "

    و هطلتْ القطرة الأولى... من سحابة الدموع التي سرعان ما تكثـّفتْ بين جفنيها...
    إنها ليستْ باللحظة المناسبة لأي شرح أو تفسير... أو علة أو تبرير... أو رفض أو اعتراض !

    قلتُ مستسلما مشتتا مأخوذا بأهوال ما يجري من حولي:

    " لا... لا ليس كذلك ... "

    شيئا فشيئا انعكس اتجاه قوس شفتيها... و ارتسمتْ بينهما ابتسامة مترددة واهية... و تسللتْ من بينهما الدمعة الوحيدة مسافرة عبر فيها إلى مثواها الأخير...

    نحو فمي ساقتْ رغد قطعة البيتزا ثانيةً... و بين أسناني قطعتُ جزءا منها مضغتُه دون أن أحسّ له طعما و لا رائحة...

    اتسعتْ الابتسامة على وجه الصغيرة و سألتني:

    " لذيذة ؟ "

    قلتُ بسرعة :

    " نعم ... "

    ابتسمتْ رغد برضا... و كأنها حققتْ إنجازا عظيما...
    ثم واصلتْ التهام البيتزا و طلبتْ مني مشاركتها ففعلتُ مستسلما... و أنا في حيرة ما مثلها حيرة من أمر هذه الصغيرة...

    كم بدا القرص كبيرا... لا ينتهي...
    كنتُ أراقب كل حركة تصدر عن صغيرتي... متشككا في أنها قد استردتْ إدراكها كاملا... الرعشة في يديها اختفتْ... الارتخاء على وجهها بان... الاحمرار على وجنتيها تفاقم... و الأنفاس من أنفها انتظمتْ...
    و أخيرا فرغتْ العلبة... لقد التهمنا البيتزا عن آخرها لكن... لم أشعر بأنني أكلتُ شيئا...

    في هذه اللحظة أقبلتْ أروى و وقفت عند الباب مخاطبة إياي:

    " إنه هاتف مكتبك يا وليد... رن مرارا..."

    نقلت ُ بصري بين أروى و رغد... الفتاتان حدقتا ببعضهما البعض قليلا... ثم مدتْ رغد يديها و أمسكتْ بذراعي كأنها تطلب الأمان...
    كان الخوف جليا على وجهها ما أثار فوق جنوني الحالي... ألف جنون و جنون...

    " رغد !! "

    رغد كانت تنظر إلى أروى مذعورة... لا أعرف ما حصل بينهما...

    قلتُ مخاطبا أروى :

    " انصرفي الآن يا أروى رجاء ً "

    رمقتني أروى بنظرة استهجان قوية... ثم غادرتْ...

    التفتُ إلى الصغيرة و سألتُها و القلق يكاد يقتلني :

    " ماذا حل بكِ يا رغد ؟ أجيبيني ؟؟ هل فعلتْ بك ِ أروى شيئا ؟؟ "

    رغد أطلقتْ كلماتها المبعثرة بانفعال ممزوج بالذعر:

    " لا أريد أن أراها... أبعدها عني... أنا أكرهها... ألا تفهم ذلك؟؟... أبعدها عني...أرجوك "

    لن يفلح أي وصف لإيصال شعوري آنذاك إليكم... مهما كان دقيقا
    أخذتُ أطبطب عليها أحاول تهدئتها و أنا المحتاج لمن يهدّئني....

    " حسنا رغد... يكفي...أرجوك اهدئي... لا تضطربي هكذا...بسم الله الرحمن الرحيم..."

    بعد أن هدأتْ رغد و استقرتْ حالتها العجيبة تلك... لم أجرؤ على سؤالها عن أي شيء... عرضتُ عليها أن آخذها إلى الطبيب، لكنها رفضتْ تماما... فما كان منّي إلا أن طلبتُ منها أن تسترخي في فراشها لبعض الوقت و سرعان ما اضطجعتْ هي و غطّتْ وجهها بالبطانية... ليس لشيء إلا.. لأنها أرادتْ أن تبكي بعيدا عن مرآي...

    كنتُ أسمع صوت البكاء المكتوم... و لو دفنته يا رغد تحت ألف طبقة من الجبال... كنتُ سأسمعه !
    لكنني لم أشأ أن أحرجها... و أردتُ التسلل خارجا من الغرفة...
    وقفت ُ و أنا أزيح المقعد بعيدا عنها بهدوء... و سرتُ بخفة نحو الباب...
    فيما أنا على وشك الخروج إذا بي أسمعها تقول من تحت البطانية:

    " وليد...أرجوك...لا تخبرها... عما حصل في الماضي... أرجوك "

    تسمرتُ في موضعي فجأة إثر سماعي لها... استدرتُ نحوها فرأيتها لا تزال مختبئة تحت البطانية... هروبا من مرآي...

    تابعتْ :

    " لن احتمل نظرات السخرية... أو الشفقة من عينيها... أرجوك وليد.."

    بقيتُ واقفا كشجرة قديمة فقدتْ كل أوراقها الصفراء الجافة في مهب رياح الخريف...
    لكن المياه سرعان ما جرتْ في جذوري ... دماء ً حمراء مشتعلة تدفقتْ مسرعة نحو رأسي و تفجرتْ كبركان شيطاني... من عيني ّ...

    تبا لك ِ يا أروى...!!

    خرجتُ من غرفة رغد غاضبا متهيجا و بحثتُ عن أروى و وجدتُها في الردهة قرب السلّم... ما أن رأتني حتى وقفتْ و أمارات القلق على وجهها صارخة...

    قالتْ مباشرة :

    " كيف هي ؟ "

    و قبل أن تسترد نفسها من الكلام انفجرتُ في وجهها كالقنبلة:

    " ماذا فعلت ِ بها ؟ "

    الوجوم و الدهشة عليا تعبيراتها و قالتْ مضطربة:

    " أنا !! ؟؟ "

    قلتُ بصوت ٍ قوي غليظ :

    " نعم أنت ِ ... ما الذي فعلته بها ؟؟ أخبريني ؟ "

    أروى لا تزال مأخوذة بالدهشة تنم تعبيرات وجهها عن السذاجة أو التظاهر بالسذاجة... و هو أمر أطلق المدافع في رأسي غضبا... فزمجرت ُ :

    " تكلّمي يا أروى ما الذي كنت ِ تفعلينه في غرفتها؟؟ ماذا قلت ِ لها تكلّمي "

    أروى توتّرتْ و قالتْ مستهجنةْ:

    " و ما الذي سأفعله بها ؟؟ لم أفعل شيئا... ذهبت ُ لأسألها عن شيء... إنها هي من كان غير طبيعيا... بدتْ و كأنها ترى كابوسا أو فلما مرعبا... ثم صرختْ.. .لا علاقة لي بالأمر "

    قلتُ بغضب :

    " عن أي شيء سألتها ؟ "

    بدا التردد على أروى فكررتُ بلكنة مهددة:

    " عن أي شيء سألتها يا أروى تكلّمي؟؟ اخبرني بالتفصيل.. ماذا قلت ِ لها و جعلتها تضطرب بهذا الشكل؟؟ عم سألتها أخبريني؟ "

    " وليد ! "

    هتفتُ بعنف :

    " تكلّمي ! "

    شيء من الذعر ارتسم على وجه أروى... من جراء صراخي...

    أجابتْ متلعثمة :

    " فقط ...سـ... سألتها عن... سبب قتلك عمار... و إخفائك الحقيقة عنّي... و عن ... علاقتها هي بالأمر... "

    انطلقتْ الشياطين من بركان رأسي ... كنت ُ في حالة غضب شديد... لم استطع كتمانه أو التغلب عليه...
    صرخت ُ في وجه أروى بعنف:

    " أهذا كل شيء ؟ "

    أجابتْ أروى مذعورة:

    " نعم... لا تصرخ بوجهي ... "

    لكنني خطوتُ نحوها... و مددتُ يدي و أمسكتُ بذراعها بقوة و ضججتُ صوتي:

    " و لماذا فعلتِ ذلك ؟ ألم أحذركِ من هذا ؟ ألم أطلب منكِ ألا تتحدثي معها ؟ لماذا فعلت ِ هذا يا أروى لماذا ؟ "

    أطلقتْ أروى صيحة ألم... و حاولتْ تحرير ذراعها منّي... لكنني ضغطتُ بشدة أكبر و أكبر... و هتفتُ بوجهها منفعلا :

    " كيف تجرأتِ على هذا يا أروى ؟؟ أنظري ماذا فعلت ِ بالصغيرة... إنها مريضة... ألا تفهمين ذلك ؟؟ إن أصابها شيء ... فستدفعين الثمن غاليا "

    صاحتْ أروى:

    " اتركني يا وليد ... أنت تؤلمني... "

    قلتُ :

    " لن أكتفي بالألم... إن حلّ بالصغيرة شيء بسببكِ يا أروى... أنا لا أسمح لأحد بإيذائها بأي شكل... كائنا من كان... و لا أسامح من يسبب لها الأذى أبدا يا أروى...أتفهمين ؟؟ إلا صغيرتي يا أروى... إلا رغد... لا أسامح فيها مس شعرة... أبدا يا أروى أبدا... أبدا... هل فهمت ِ ؟؟ "

    و أفلتُّ ذراعها بقسوة مبعدا إياها عنّي بسرعة... لئلا تتغلب علي الشياطين و تدفعني لارتكاب ما لن ينفع الندم بعده على الإطلاق...

    كان هذا.. مطلعا تعيسا أسود ليوم جديد أضيفه إلى رصيد أيام حياتي الحزينة المؤلمة... و هو مطلع لم يساوي الكثير أمام ما كان يخبئه القدر... في نهايته.





    6



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    sary
    ملكة قسم تطوير الذات
    ملكة قسم تطوير الذات

    مشاركاتي مشاركاتي : 829

    النقاط النقاط : 344093

    العمر العمر : 23

    البلد البلد : syria

    المزاج المزاج : متشيطنة(^_^)

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 01/12/2010

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : اللهم أنصر أهل سوريا

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف sary في الثلاثاء 16 أكتوبر - 21:42

    اييييييه ..خلصت ...حطي التتمة 94359305



    Don`t Be Sad
    Because
    Life Is Wonderful عتغفعف







    67876868 67876868 67876868

    sary
    ملكة قسم تطوير الذات
    ملكة قسم تطوير الذات

    مشاركاتي مشاركاتي : 829

    النقاط النقاط : 344093

    العمر العمر : 23

    البلد البلد : syria

    المزاج المزاج : متشيطنة(^_^)

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 01/12/2010

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : اللهم أنصر أهل سوريا

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف sary في الخميس 18 أكتوبر - 14:47

    ويييييييييييينك حزين ........طولت علي كتييييييييييييييييييير حزين حزين



    Don`t Be Sad
    Because
    Life Is Wonderful عتغفعف







    67876868 67876868 67876868

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 18:54

    اعذريــــني يا ساره ..والله آآآآآآآآآآآآآآسفه ..بس عشان كنت مسافره وما اخذت اللاب ولا قدرت استعير من احد



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 18:58

    * الحلقة الواحدة و الأربعون *



    ~ الحادث ~



    لا يمكن أن يكون هذا هو الرجل الذي ارتبطتُ به ! مستحيل أنه هو وليد ذاته... الرجل الطيب الخلوق المهذب...اللطيف الهادئ... الصبور الحليم... ينقضُّ على ذراعيّ بهذه الوحشية و يصرخ في وجهي بهذه القسوة ؟؟

    و لأجل ماذا ؟؟
    لا أعرف! ما هو الذنب الخطير الذي ارتكبته و جعلته يثور لهذا الحد؟؟
    فقط لأنني سألتُ مدللته الغالية عن سبب قتله لعمار؟؟
    ألا يجعلني تصرفه أصرُ أكثر و أكثر على معرفة السبب؟ إذا كان خطيرا لهذا الحد... للحد الذي يوشك معه أن يقطع ذراعي و يحرق وجهي بنار صراخه... فهل أُلام إن ألححتُ على معرفة الحقيقة؟؟

    مضتْ بضع ساعات و الهدوء يخيّم على المنزل رغم الشحنات المتضادّة التي تنبعث من رؤوسنا... كنتُ قد لمحتُ وليد يدخل غرفة مكتبه الخاص، و لم أره بعد ذلك... أما المدللة العزيزة فهي لم تغادر غرفة نومها على الأرجح... و لم نجرؤ لا أنا و لا والدتي على الاقتراب منها... و إن كانتْ والدتي تردد بين الفينة و الأخرى:

    " ألا يجب أن نطمئن على الفتاة ؟؟ "

    استدرتُ إلى أمي بحنق و قلتُ:

    " لا تقلقي يا أمي... إنها بخير... لا شيء يصيب تلك المدللة... إنها فقط تمثـّل دور المتعبة حتى تسرق اهتمام وليد "

    و عضضتُ على شفتي ّ غيظا...
    والدتي لم تعجبها النبرة غير المعتادة في صوتي و كلامي فقالتْ:

    " لا يا أروى هداك الله... لا يجب أن يصدر منك ِ أنت العاقلة الناضجة كلامٌ كهذا... كما أنكِ قلتِ بنفسك أنها أصيبتْ بالإغماء لبعض الوقت... "

    رددتُ غاضبة :

    " تمثيل ! "

    والدتي هزّت رأسها استنكارا... فقلتُ منفعلة:

    " نعم تمثيل يا أمي... ما عدتُ أصدّق شيئا مما حولي... إنها تؤدي دورها بشكل مذهل... ليستْ أوّل مرّة... تتظاهر بالانهيار و تستميتُ في البكاء حتى يسرع وليد إليها... تريد الاستحواذ على اهتمامه و السيطرة عليه... إنها تحبه يا أمي... ألا تفهمين معنى ذلك ؟؟ تحب خطيبي و تريد سرقته منّي ! "

    و لحظتها لم أتمالك نفسي و أخذتُ أبكي... فأقبلتْ أمّي و ضمتني إلى صدرها الحنون و أخذتْ تربتُ عليّ و تواسيني...

    و أنا في حضن أمّي لمحتُ كيس المجوهرات الذي جلبته رغد إليّ تلك الليلة تريد دفع ما فيه تعويضا عما صرفته من الأموال... و قد وضعناه كما هو على منضدة مجاورة لإعادته إليها لاحقا... و لا أدري لم تذكّرتُ حينها يوم مررنا من منزل عائلة وليد المحروق ... و أخذتْ رغد تجمع التذكارات منه، و من بينها هذه المجوهرات...و كيف كانت تضمها إلى صدرها بحرقة و تبكي بألم... أذكر أنها آنذاك كانت منهارة جدا... و وسط الدموع التفتتْ إلى وليد و طلبتْ منه أن يضمّها !

    ضغطتُ ذراعي ّ حول أمي و أنا أتذكّر كيف ارتمتْ في حضنه هذا الصباح... و كأنّ صدر وليد شيء يخصها و يمكنها الاستلقاء عليه كلّما شاءتْ !
    ألا تعرف هذه الفتاة حدودها ؟؟ إن وليد لم يشملني بين ذراعيه بالطريقة التي غلّفها بها صباح هذا اليوم.....

    في وقت لاحق من ذلك اليوم المزعج كنتُ مع أمي نشاهد التلفاز علّ الوقت يمضي و الجو يلطُف قليلا...
    و لأن وليد لم يظهرْ من الصباح فقد شعرتُ ببعض القلق... تركتُ والدتي في الغرفة و ذهبتُ أتفقده في غرفة مكتبه... أ معقول أنه لا يزال هناك ؟؟
    توجهتُ إلى غرفة المكتب بحذر... طرقتُ الباب بهدوء و انتظرتُ قليلا ثم فتحتُه ببطء و أطللتُ برأسي على الداخل
    وجدتُ وليد ينام على أحد المقاعد...

    ناديتُ و لكن بهدوء :

    " وليد ! "

    و لم يسمعني، لذا غادرتُ الغرفة و سرتُ عائدة إلى أمي.
    هناك في تلك الغرفة وجدت ُ رغد !
    كانت واقفة قرب الباب و يبدو أنها كانت على وشك الانصراف
    التقتْ نظراتنا فأشاحتْ هي بوجهها عنّي...
    تذكرتُ صورتها و هي تشير بنظراتها إليّ و تقول لوليد : (أبعدها عنّي) بينما كانتْ متربعة في حضنه بكل جرأة...أحسستُ بالغيظ الشديد...
    و لما أرادتْ الخروج استوقفتها :

    " انتظري "

    التفتتْ إلي ببرود و قالتْ :

    " نعم ؟ "

    قلتُ و أنا أشير إلى كيس المجوهرات الموضوع على المنضدة :

    " إن كنت ِ تبحثين عن هذا فهو هنا "

    رغد نظرتْ إلى الكيس ثم إليّ و ردّتْ:

    " لا. لم آتِ من أجل هذا... يمكنك الاحتفاظ به "

    قلتُ :

    " لماذا أنت ِ هنا إذن ؟ "

    أمي أومأتْ لي بأن أسحب سؤالي، لكنّي أكدتُ نظرات الاستجواب على عيني رغد منتظرة ردّها... إنني مملوءة حنقا عليها منذ فترة و اشتعل فتيلي هذا الصباح و لم ينطفىء.
    رغد همّت بالانصراف لكنني قلتُ بغضب:

    " لم تجيبي على سؤالي؟ "

    و بدا أن الجملة قد استفزتها فقالتْ:

    " و هل عليّ أن استأذنك ِ للتجوّل في منزلي ؟ "

    أجبتُ منفعلة و مطلقة العنان لغيظي :

    " لا ! إنّه منزل وليد... زوجي... على أيّة حال... و واقعا لا تملكين فيه غير هذا الكيس "

    و أشرتُ إلى كيس المجوهرات ذاك...

    أمي هتفتْ رادعة بغضب :

    " أروى ! ما هذا الكلام ؟ "

    قلتُ مباشرة :

    " الحقيقة التي يجب أن تدركها هذه "

    رغد كانت تنظر نحوي بذهول... فهي لم تكن للتوقع منّي كلاما كهذا... بل إنني نفسي لم أكن لأتوقعه!
    لطالما كنتُ طيبة و متساهلة معها و تحمّلتُ الكثير من سوء معاملتها لي... من أجل وليد...
    و أنا متأكدة أنها جاءتْ إلى هنا بحثا عنه! و لكن... متى تدرك هذه المراهقة أن وليد هو زوجي أنا ؟؟
    توجهتُ لحظتها نحو كيس المجوهرات و جلبته إلى رغد و أنا أقول:

    " إليك ِ أشياؤك... لستُ بحاجة إليها و لديّ أضعاف أضعافها... و ما هو أهم منها يا رغد "

    نقلتْ رغد بصرها بيننا نحن الاثنتين... و تحوّل وجهها إلى اللون الأحمر... و بدأتْ عضلات فمها بالتقوس للأسفل... كانتْ على وشك البكاء!
    وضعتُ الكيس قرب قدمها و أشحتُ بوجهي عنها منتظرة انصرافها...
    سمعتُ صوت يدها تطبق على الكيس... ثم رأيتها تعبر فتحة الباب إلى الخارج فتوغلتُ أنا إلى الداخل و صفعتُ بالباب بقوّة !
    سمعت ُ حينها صوت رغد تقول من خلف الباب:

    " سأخبر وليد عن هذا "

    قلت ُ بغضب و تحدٍ:

    " تجدينه في مكتبه ... أسرعي ! "

    في الداخل استقبلتني والدتي بنظرات غاضبة و وبختني... أدركُ أن تصرفي كان سيئا لكنني لم أتمالك نفسي بعد كل الذي حدث مؤخرا... و أصبحتْ لدي رغبة مفاجئة في إزاحة رغد عن طريقي...
    أمّي أرادتْ اللحاق بها لتهدئة الموقف لكنني عارضتها و قلت ُ:

    " لا تقلقي على المدللة... سيتكفّل وليد بذلك ! "


    ~~~~~~~~~~~~~~~


    حملتُ كيس المجوهرات توجهتُ إلى غرفة مكتب وليد... كنتُ قد بحثتُ عنه في أرجاء مختلفة من المنزل و لم أره، و ذهبتُ لسؤال السيدة ليندا عنه حين فاجأتني أروى بموقفها الجديد هذا
    حسنا ! تبا لك ِ يا أروى... سترين !
    طرقتُ الباب و لم أسمع جوابا، ففتحته و دخلتُ الغرفة. الوقت آنذاك كان وقت غروب الشمس... الغرفة كانتْ تسبح في السواد إلا عن بصيص بسيط يتسلل عبر فتحة صغيرة بين ستائر إحدى النوافذ...
    البصيص كان يشقّ طريقه عبر فراغ الغرفة و يقع رأسا على جسم مغناطيسي... طويل... عريض... ضخم... محشور فوق أحد المقاعد !
    متأكدة أن البصيص اختار الانجذاب طوعا إليه هو... دونا عن بقية الأجسام... الطويلة العريضة الضخمة... التي تفرض وجودها بكل ثقة في أرجاء هذه الغرفة !
    لا أعرف ما الذي دهاني !؟
    كنتُ قادمة بمشاعر غاضبة تريد أن تنفجر... و فجأة تحوّلتْ مشاعري إلى نهر دافئ ينجرف طوعا نحو وليد !
    أغلقتُ الباب و على هدى النور الخافت سرتُ نحو وليد أحمل الكيس بحذر...
    وقفتُ قربه و أنا أشعر بأنه أقرب إليّ من الهواء الذي يلامسني، و من المشاعر التي تختلج صدري...
    وضعتُ الكيس جانبا فأصدر صوتا... لكن وليد لم ينتبه له... يبدو أنه نائم بعمق ! و لكن لماذا ينام هنا و بهذا الشكل المتعب و في مثل هذا الوقت؟ كنتُ على وشك أن أهتف باسمه إلا أن هتافا أقوى و أعظم تسلل عبر زجاج نوافذ الغرفة أو جدرانها و ملأ داخلها إصغاء ً و خشوعا

    ( الله أكبر الله أكبر )

    و لم ينتبه وليد لصوت الأذان...
    توجهتُ نحو تلك النافذة... و أزحتُ الستائر و فتحتها بهدوء... فاندفع صدى الأذان أقوى و أخشع نحو الداخل... و انتشر النور الباهت في الغرفة...
    النافذة تطل على الفناء الخلفي للمنزل، و الذي كانت تستعمره حديقة جميلة في الماضي... تحولتْ إلى صحراء قاحلة خالية إلا من بعض قطع الأثاث و السجاد القديمة التي ركناها هناك عند مجيئنا للمنزل...
    أما السماء فقد كانت تودع خيوط الشمس الراحلة... و التي لم تشأ توديع الكون قبل أن ترسل بصيصها الأخير... إلى وليد !
    انتهى الأذان و وليد لم يسمعه ... و لم يشعر بحركة شيء من حوله ! قررتُ أخيرا أن أوقظه !
    ناديته بضع مرات و بصوتٍ يعلو مرة تلو الأخرى إلى أن سمعني و استيقظ أخيرا !
    فتح وليد عينيه و هو ينظر نحو النافذة مباشرة !

    قلت ُ :

    " صحوة حميدة ! "

    وليد مغط ذراعيه و تثاءب ثم قال:

    " من ؟ أهذه أنتِ رغد ؟؟ "

    أجبتُ :

    " نعم "

    وليد أخذ يدلّك عنقه قليلا... ربما يشعر بألم بسبب نومه على المقعد ! لا أعرف لم يحبّ وليد النوم على المقاعد ؟؟

    قلت ُ :

    " لماذا تنام هنا وليد ؟؟ "

    أسند وليد رأسه إلى مسند المقعد لبرهة ثم أخذ ينظر إلى ساعة يده:

    " كم الساعة الآن ؟؟ "

    قلت ُ :

    " تقريبا السادسة ! رُفع أذان المغرب قبل قليل فأردتُ إيقاظك ! "

    قال وليد :

    " آه... هل نمتُ كل هذا !؟ إنني هنا منذ الظهيرة "

    ابتسمتُ و قلتُ:

    " نوم العافية ! "

    وليد فجأة نظر نحوي... ثم أخذ يتلفتْ يمينا و شمالا ... ثم نهض واقفا و هو ينظر نحوي و قال :

    " رغد ؟؟! ماذا تفعلين هنا ؟؟ "

    و كأنه انتبه للتو أنني موجودة ! و كأنه استيقظ الآن فقط من النوم !

    قلت ُ باستغراب :

    " أتيتُ لإيقاظك ! وقت الصلاة "

    قال :

    " و النافذة ؟ "

    قلتُ :

    " كنتُ أستمع إلى الأذان... و أراقب السماء ! "

    وليد حكّ شعر رأسه قليلا ثم سار باتجاهي... حتى صار عند الطرف الآخر من النافذة ثم قال :

    " و لكن أين المطر "

    استغربتُ و سألت ُ:

    " المطر ؟ أي مطر ؟؟ "

    قال :

    " ألم تقولي أنك كنتِ تراقبين المطر ؟ "

    قلتُ :

    " أبدا ! قلتُ أنني كنتُ استمع إلى الأذان و أراقب السماء ! أي مطر هذا و نحن في قلب الصيف ! "

    قال وليد :

    " لم أسمع جيدا "

    قلتُ و أنا أبتسم :

    " يبدو أنك لا تزال نائما ! "

    ابتسم وليد و ألقى نظرة على السماء و مجموعة من العصافير تطير عائدة إلى أعشاشها...

    التفت إليّ بعدها و سأل:

    " صحيح رغد... كيف أنت ِ الآن ؟ "

    و تذكّرت ُ لحظتها الدوخة الذي داهمتي صباحا بسبب الجوع ... و كيف أنه أغشي عليّ بضع دقائق... و انهرتُ بين ذراعي وليد !
    و شعرت ُ بطعم السكّر في فمي... فازدرتُ ريقي وأنا أطأطئ رأسي خجلا و أهمس:

    " بخير... "

    وليد قال :

    " جيّد ! و هل تناولت ِ وجبة بعد البيتزا ؟ "

    قلت :

    " لا "

    " سيء ! لماذا رغد ؟ أنت ِ صغيرة و نحيلة و لا تتحملين الجوع لوقت ٍ طويل... تكرر هذا معنا في البر... أتذكرين ؟ "

    رفعتُ بصري إليه و ابتسمت ُ... طبعا أذكر ! من ينسى يوما كذلك اليوم ؟؟ و نحن حفاه جياع عطشى مرعوبون و هائمون في البر؟؟
    و لكن لحظة ! هل أنا صغيرة لهذا الحد ؟؟

    قلت ُ :

    " لا تقلق... متى ما شعرتُ بالجوع سأحضّر لي بعض البطاطا المقلية "

    ابتسم وليد و قال :

    " طبقك ِ المفضّل ! "

    اتسعتْ ابتسامتي تأييدا و أضفت ُ:

    " و الوحيد ! فأنا لا أجيد صنع شيء آخر ! "

    ضحك وليد... ضحكة عفوية رائعة... أطربت ْ قلبي... و كدتُ أنفجر ضحكا من السعادة لولا أنني كتمتُ أنفاسي خجلا منه !

    في ذات اللحظة، انفتح باب الغرفة ... التفتنا نحن الاثنان نحو الباب... فوجدنا أروى تطلّ علينا... و لأن الإضاءة كانتْ خافتة جدا... يصعب عليّ كشف تعبيرات وجهها... لم تتحدّث أروى بادئ الأمر، كما ألجم الصمت لسانينا أنا و وليد... بعدها قالت أروى:

    " استيقظتَ ؟ جيّد إذن... كنت ُ سأوقظك لتأدية الصلاة "

    وليد قال و هو يسير نحو الباب مبتعدا عنّي :

    " نعم أروى... نهضت لتوّي "

    وصل وليد إلى مكابس مصابيح الغرفة، فأضاءها... الإنارة القوية ضيّقت بؤبؤي عينيّ المركزين على أروى، للحد الذي كادا معه أن يخنقاها !
    كانت أروى تنظر نحوي، ثم نقلتْ نظرها إلى وليد...
    سمعتُ وليد و الذي صار قربها يهمس بشيء لم تترجمه أذناي... ثم رأيتُ أروى تشيح بوجهها و تغادر الغرفة.
    وليد وقف على وضعه لثوان... ثم استدار و هو يتنهّد و قال أخيرا :

    " سأذهب إلى المسجد... هل تريدين شيئا أحضره ؟ "

    قلتُ و أنا مشغولة البال بفك رموز همسة وليد السابقة :

    " كلا... شكرا "

    و غادر وليد الغرفة...


    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~


    و الآن... الغاضبة هي أروى و هذا دورها! ربّاه ! هل أنتهي من إحداهما لأبدأ مع الأخرى؟؟ إن أعصابي ما كادتْ تستفيق من صدمة الصباح، و ها هي على وشك الاحتراق بحادثة أخرى...
    كنتُ أود تلطيف الأجواء و لو قليلا... و الاسترخاء في هواء طلق يزيح عنّي شحنات الصباح القوية... و يطمئنني أكثر إلى أن رغد بخير...
    اقترحتُ في تلك الليلة الليلاء أن نخرج في نزهة و نتناول عشاءنا في أحد المطاعم. رغد وافقتْ و الخالة ليندا رحبتْ بالفكرة غير أن أروى ردت بـِ:

    " اذهب أنت َ و ابنة عمّك المدللة... و استمتعا بوقتكما... أنا و أمي سنبقى ها هنا "

    كنتُ ساعتها مع أروى في غرفتها و قد قدمتُ للتو لأعرض عليها الفكرة... و لمّا سمعتُ ردها حزنتُ و قلت ُ :

    " لم يا أروى ؟ والدتك ِ كذلك رحبتْ بالفكرة و بادرتْ بالاستعداد للنزهة "

    أبعدت ْ أروى نظرها عنّي هروبا من سؤالي.... لكنني واصلت ُ:

    " هيا يا أروى ! دعينا نروّح عن أنفسنا قليلا ! الأجواء خانقة هنا ! "

    اعني بذلك المشكلة الأخيرة بيننا أنا و رغد و أروى ...

    نظرتْ أروى إليّ و قالتْ:

    " كلا و شكرا... لا أريد الذهاب معكم "

    صمتُ قليلا ثم قلت ُ:

    " أما زلت ِ غاضبة مني ؟؟ "

    لم تجب أروى، بمعنى أنها تؤيد هذا...

    قلتُ :

    " و لم كل هذا ؟ "

    قالتْ بعصبية :

    " أنتَ تعرف السبب ... فلم تسأل ؟ "

    و بدا و كأنها تنتظر الشرارة لتشعل الحريق ! لم أكن أريد أن نبدأ الجدال من جديد بل على العكس... أردتُ أن نجدد الأجواء و نرخي أعصابنا المشدودة منذ يومين...

    " ليس بالوقت المناسب لإعادة فتح الموضوع من جديد يا أروى ! "

    ردّتْ أروى بعصبية أكبر:

    " و من قال أنني أغلقته أصلا؟؟ سيبقى معلقا إلى أن تخبرني بكل الحقائق التي تخفيها عنّي"

    كنتُ أقف عند الباب و لما اشتد صوت أروى خشيتُ أن يتسرب إلى آذان أخرى...
    دخلتُ الغرفة و أغلقتُ الباب و اقتربتُ منها و قلتُ برجاء:

    " لا نريد أن نثير شجارا الآن... أرجوكِ يا أروى... لا استطيع إيضاح المزيد... و لن أفعل ذلك مستقبلا فلا تعاودي الضغط عليّ "

    ردتْ أروى مباشرة:

    " إلى هذا الحد ؟؟ "

    قلتُ مؤكدا :

    " نعم . إلى هذا الحد "

    ضيّقتْ أروى فتحتي عينيها و قالتْ:

    " و رغد ؟؟ "

    لم تقلها ببساطة... كانت تحدّق في عينيّ بحدة ثاقبة... كأنها تتوقع رؤية الحقائق تختبئ خلف بؤبؤيهما... بدّلت ُ تعبيرات وجهي إلى الجدية و التحذير و قلتُ و أنا أشير بسبّابتي:

    " إياك ِ أن تقتربي منها ثانية ! يكفي ما حصل هذا الصباح... إياك ِ يا أروى "

    أروى تأملتْ تعبيراتي برهة ثم أشاحتْ بوجهها و هي تقول:

    " اذهب... قبل أن يتأخر الوقت "

    قلتُ :

    " و هل ستبقين بمفردك ؟ "

    " نعم "

    قلتُ معترضا :

    " لا يريحني ذلك ! "

    استدارتْ أروى و قالتْ بلهجة أقرب للسخرية:

    " لا تقلق بشأني ! فأنا لا أخاف البقاء منفردة و ليستْ لديّ عقدة من الوحدة ! "

    آنذاك... لم أشأ أن أطيل النقاش حرفا زائدا... و غادرتُ غرفتها و ذهبتُ إلى غرفة المعيشة الرئيسية حيث كانتْ رغد و الخالة ليندا تجلسان... قلت ُ :

    " هيا بنا "

    الخالة ليندا سألتْ:

    " أين أروى ؟ "

    تنهّدتُ و قلتُ:

    " لا تريد الذهاب "

    تمتمتْ الخالة بعبارات الاحتجاج ثم قالتْ أخيرا:

    " إذن... اذهبا أنتما فأنا لن أتركها وحدها "

    نهاية الأمر التفتُ إلى الصغيرة و سألت ُ:

    " إذن... أتذهبين ؟ "

    و لعلي لن أفلح في وصف التعبيرات التي كانتْ تملأ وجهها و هي تجيبُ :

    " نعم ! بالتأكيد "


    ~~~~~~~~~~


    " نعم بالتأكيد ! "

    و هل أضيع فرصة رائعة كهذه ؟؟
    أنا و وليد نخرج في نزهة ليلية ! نتجول في شوارع المدينة... نتناول الطعام من أحد المطاعم... و نحلّي بكرات البوظة ! تماما كما كنا نفعل في الماضي ! يــــاه ! ما أسعدني !... و تحقق الحلم الذي كان أبعد من الخيال! و قضينا نحو ثلاث ساعات في نزهة رائعة أنا و وليد قلبي فقط و فقط !
    أوقف وليد سيارته عند الموقف الجانبي لأحد الجسور المؤدّية إلى جزيرة اصطناعية ترفيهية صغيرة يرتادها الناس للتنزه... و وقفنا أنا و هو على الجسر... عند السياج نتأمل الجزيرة و نراقب أمواج البحر و نتنفس عبقه المنعش... و من حولنا الناس يستمتعون بالأجواء الرائعة ...

    " منظر مدهش وليد ! ليتنا أحضرنا معنا آلة تصوير ! "

    وليد ابتسم، و أخرج هاتفه المحمول من جيبه و استخدم الكاميرا التابعة له و التقط بعض الصور... ثم دفعه لي كي أتفرج عليها !

    " عظيم ! ليتني اقتني هاتفا كهذا ! "

    كرر وليد ابتسامته و قال:

    " بكل سرور! أبقه معك لتصوري ما تودين الليلة! مع أن الظلام لن يسمح بالكثير"

    و مع ذلك التقطتُ بعض الصور الأخرى، و الأهم... صورة مختلسة لوليد التقطتها بحذر دون أن يدري... و قد أبقيتُ الهاتف معي طوال النزهة لئلا يراها! و راودتني فكرة أن أنقلها إلى الحاسوب، ثم أقوم بطباعتها و من ثم أرسمها بيدي... و أعيد إلى مجموعة لوحاتي صورة جديدة لوليد قلبي... عوضا عن تلك التي احترقتْ في منزلنا المنكوب...
    آه ! كم أنا سعيدة! و لأنني كنتُ في غمرة لا توصف من البهجة فقد تخليتُ عن جزء من حذري و رحتُ أراقب وليد بلهفة و تمعن و أرصد تحركاته و تعبيرات وجهه بدقة منقطعة النظير... أتمنى فقط ألا يلحظ هو ذلك !
    و نحن عند الجسر... و فيما أنا منغمسة في مراقبته... مرت لحظة أغمض وليد فيها عينيه و أخذ يتنفس بعمق... و يزفر الهواء مصحوبا بتنهيدات حزينة من صدره ... كرر ذلك مرارا و كأنه يريد أن يغسل صدره من الهواء الراكد الكئيب فيه !

    شعرتُ ببعض القلق فسألتُ :

    " ما بك وليد ؟ "

    التفتَ إليّ و هو يفتح عينيه و يبتسم و يجيب:

    " لا شيء! أريد أن أملأ رئتيّ من هذا النقاء! جميل جدا... كيف تفوّتْ أروى و الخالة شيئا كهذا؟"

    إذن... ربما كان يفكّر في أروى ! خذلتني جملته بعض الشيء... ففيما أنا مكرسة نظري و فكري فيه... يشتغل باله بالتفكير بها هي؟؟
    مرتْ بذاكرتي صورة أروى و هي تشيح بوجهها عن وليد و تخرج من غرفة مكتبه هذا اليوم...عند المغرب... بدتْ غاضبة... وبدا وليد حينها منزعجا... و كأن بينهما خصام ما... الفضول تملّكني هذه اللحظة و ربما كانتْ الغيرة هي الدافع، فسألت ُ:

    " لماذا رفضتْ المجيء معنا ؟؟ هل... هل هي غاضبة؟ "

    وليد نقل بصره إلى البحر... و قال بعد قليل :

    " نعم... منّي "

    لستُ شريرة و لا خبيثة ! لكن... يا إلهي أشعر بسرور غير لائق ! لم استطع كتمه و قلتُ باندفاع فاضح:

    " هل أنتما متخاصمان ؟؟ "

    التفتَ إلي ّ وليد مستغربا ! لقد كان صوتي و كذلك تعبيرات وجهي تنم عن البهجة !
    شعرتُ بالخجل من نفسي فطأطأتُ رأسي نحو الأرض فيما تصاعدتْ الدماء إلى وجنتيّ !
    لم أسمع ردا من وليد... فرفعتُ بصري اختلس النظر إليه... فوجدته و قد سبحتْ عيناه في البحر بعيدا عنّي... ثم سمعته يقول :

    " تريد العودة إلى لمزرعة "

    اندهشتُ ... و أصغيتُ باهتمام مكثف ... وليد تابع:

    " مصرة على ذلك و قد فشلتُ في ثنيها عن الأمر... اضطررتُ لشراء التذاكر و موعد السفر يوم الأحد "

    ماذا ! عجبا ! قلتُ :

    " أحقا ؟ ستتركها تذهب ؟؟ "

    وليد أجاب و هو لا يزال ينظر إلى البحر:

    " و الخالة كذلك... "

    قلتُ مباشرة :

    " و أنتَ ؟؟ و أنا ؟ "

    التفتَ وليد إليّ و كأن هذه الجملة هي أكثر ما يثير اهتمامه! ركز النظر في عينيّ لحظة ثم قال :

    " سنرافقهما طبعا "

    صمتُ و علامات التعجب تدور فوق رأسي !!!

    قلتُ بعدها :

    " نعود للمزرعة ! كلا ! و الكلية ؟ و الدراسة ؟؟ "

    وليد تنهد ثم قال :

    " سنرافقهما إلى المزرعة ثم نعود... مساء الثلاثاء "

    بدأ قلبي يدق بسرعة ... نعود يقصد بها.. أنا و هو ؟؟ أم ماذا ؟؟

    خرجتْ الحروف مرتجفة على لساني :

    " أأأ ... نـ...ـعود أنا و أنتَ ؟ "

    وليد قال :

    " نعم "

    عدتُ أسأل لأتأكد:

    " و ... أروى و أمها... ستظلان في... المزرعة ؟؟ "

    وليد قال :

    " نعم ! إلى أن تهدأ الأوضاع قليلا "

    أتسمعون ؟؟
    أنا و وليد وحدنا ... و لا شقراء بيننا !
    مدهش ! يا لسعادتي ! تخلـّـصت ُ منها أخيرا
    أكاد أطير من الفرح ! بل إنني طرتُ فعلا ! هل ترون ذلك ؟؟

    تعبيرات وجهي بالتأكيد كانت صارخة... و لو لم أمسك نفسي آنذاك لربما انفجرتُ ضحكا... لكن وليد مع ذلك سألني و بشكل متردد:

    " ما رأيك ؟ "

    آه يا وليد أ وَ تسأل عن رأيي ؟
    ألا تدرك أنه حلم حياتي يتحقق أخيرا ؟؟
    وداعا أيتها الشقراء !

    و لئلا أفضح فرحي بهذا الشكل طأطأتُ رأسي و خبأتُ نظري تحت حذاء وليد !
    و قلتُ مفتعلة التماسك :

    " لا أعرف... كما ترى أنتَ "

    وليد عاد يسأل و بشكل أكثر جدية و بعض القلق امتزج بصوته:

    " هل تقبلين بهذا كحل مؤقت طارئ... حتى نجد الحل الأنسب ؟ "

    قلتُ و أنا لا أزال أدعي التماسك و عدم الانفعال:

    " لا بأس "

    تحركتْ قدم وليد قليلا باتجاه الجسر... رفعتُ عيني عنها إليه فوجدته وقد عاد يغوص بأنظاره في أعماق البحر... و سمعته يقول:

    " سنمر بسامر و أطلب منه العودة معنا... "

    تعجبتُ و سألتُ:

    " سامر ؟! "

    أجاب :

    " نعم. طلبتُ منه مرارا أن يأتي للعيش و العمل معنا هنا و قد تكون هذه فرصة جيدة لإقناعه "

    سامر من جديد ؟
    لا أتخيل أن أعود للعيش معه تحت سقف بيت واحد ثانية ! لا أعرف بأي طريقة سنتعامل... يكفي الحرج الذي عانيناه عندما اضطررتُ للمبيت في شقته أنا و وليد بعد حادث السيارة...
    أتذكرون ؟؟
    و رغم أني لم أحبذ الفكرة لم أشأ التعليق عليها... و على كل ٍ لا أظن سامر سيرحب بها هو بدوره...
    وليد تابع :

    " أما الخادمة فسنجعلها تعمل ليلا أيضا و تباتُ في المنزل و نضاعف لها الراتب "

    علقتُ :

    " يبدو أنك خططتَ لكل شيء! "

    استدار وليد إليّ و قال :

    " لم أنم الليلة الماضية من شدة التفكير! هذه الحلول المؤقتة حاليا... يمكننا تدبر بعض الأمور الأخرى بشكل أو بآخر... "

    قلت ُ :

    " و ماذا عن الطعام ؟ "

    فأروى و والدتها كانتا تتوليان أمر المطبخ و تعدان الوجبات الرئيسية... و الأطباق الأخرى و التي كان وليد لا يستغني عنها و يمتدحها دائما!

    وليد رد :

    " لدينا المطاعم "

    ابتسمت ُ و قلتُ مداعبة:

    " يمكنك الاعتماد عليّ ! البطاطا المقلية يوميا كحل طارئ مؤقت ! "

    ابتسم وليد فأتممت ُ :

    " لكن لا تقلق! سأشتري كتاب الطهي و أتعلم ابتداء من الغد ! سترى أنني ذكية جدا و أتطور بسرعة "

    ضحك وليد ضحكة خفيفة كنتُ أريد أن أختم نزهتي الرائعة بها...
    و مع خبر مذهل كخبر سفر الشقراء أخيرا ... أصبحتْ معنوياتي عالية جدا و دبّ النشاط و الحيوية في جسدي و ذهني و ألححتُ على نقل الصور من هاتف وليد إلى جهاز الحاسوب في مكتبه و تنسيقها في تلك الليلة... قبل أن يكتشف صورته من بينها... و رغم أن الليل كان قد انتصف و لم يبقَ أمامي غير ساعات بسيطة للنوم إلى موعد الكلية إلا أنني أنجزتُ الأمر و بدأتُ برسم أولي لوجه وليد بقلم الرصاص على بعض الأوراق...

    الساعة تجاوزت الثانية عشر و النصف، و أخيرا انتهيتُ !
    كنتُ على وشك النهوض عندما رنّ هاتف وليد و الذي كان معي، موضوعا على المكتب.
    و لكن هل يتصل أصحابه به في ساعة متأخرة ؟؟ أتراه لا يزال مستيقظا؟ اعتقد أن الجميع قد خلدوا للنوم !

    حملتُ الهاتف و أوراقي و شرعتُ بالمغادرة بسرعة، حينها توقف رنين الهاتف...
    واصلتُ طريقي نحو السلّم و في نيّتي المرور بغرفة وليد و إعادة الهاتف إليه إن كان مستيقظا قبل لجوئي إلى فراشي...
    و فيما أنا أصعد السلّم عاد الهاتف للرنين... حثثتُ الخطى صعودا لأوصله إلى وليد...
    و في منتصف الطريق رأيت ُ جسما يقف على الدرجات ينظر نحوي !
    كانت أروى !
    توقفتُ ثوانٍ و ألقيتُ عليها نظرة لا مبالية و صعدتُ خطوة جديدة...

    و هنا سمعتها تخاطبني :

    " أليس هذا هاتف وليد ؟ "

    نظرتُ إليها و أجبتُ:

    " بلى "

    سألتْ :

    " و لم هو عندك ؟ "

    رمقتها بنظرة تجاهلية و قلتُ:

    " سأعيده إليه "

    و صعدتُ خطوة بعد...
    كانتْ أروى تقف مباشرة في طريق خطواتي... تنحيتُ للجانب قليلا لأواصل طريقي إلا أنها تنحتْ لتعترضني !
    نظرتُ إليها و رأيتها تمد يدها إليّ قائلة:

    " هاتيه... أنا سأعيده "

    توقف الهاتف عن الرنين، يبدو أن المتصل قد يئس من الرد...

    أضافت أروى :

    " وليد نائم على أية حال... لكنه يستخدمه كمنبّه لصلاة الفجر... سأضعه قرب وسادته "

    شعرتُ بالغيظ ! يكفي أن ألقي نظرة على هذه الفراشة الملونة حتى أفقد أعصابي!

    قلتُ :

    " سأفعل أنا ذلك، بما أن غرفته في طريقي "

    فجأة تحوّل لون الفراشة إلى الأحمر الدموي! أروى بيضاء جدا و حين تنفعل يتوهج وجهها احمرارا شديدا !

    قالتْ بنبرة غاضبة :

    " عفوا؟؟ تقصدين أن تتسللي إلى غرفة زوجي و هو نائم؟؟ من تظنين نفسك؟ "

    فوجئتُ من هذا السؤال الذي لم أكن لأتوقع صدوره من أروى ! و المفاجأة ألجمتْ لساني...

    أروى قالتْ بانفعال :

    " وليد هو زوجي أنا... يجب أن تدركي ذلك و تلزمي حدودكِ "

    صعقتُ... عمّ تتحدّث هذه الدخيلة ؟؟ قلتُ بصوت متردد :

    " مـ ... ماذا تعنين ؟؟ "

    هتفتْ أروى باندفاع :

    " تعرفين ما أعني... أم تظنين أننا بهذا الغباء حتى لا ندرك معنى تصرفاتك ؟؟ "

    ذهلتُ أكثر و كررتُ :

    " ما الذي تقصدينه ؟؟ "

    و كأن أروى قنبلة موقوتة انفجرتْ هذه اللحظة ! رمتْ بهذه الكلمات القوية دون تردد و دون حساب !

    " لا تدعي البراءة يا رغد ! ما أبرعكِ من ممثلة ! أنتِ ماكرة جدا... و تستغلين تعاطف وليد و شعوره بالمسؤولية تجاهكِ حتى تفعلين ما يحلو لكِ ! دون خجل و لا حدود... لكن... كل شيء أصبح مكشوفا يا رغد... أنا أعرف ما الذي تخططين له... تخططين لسرقة زوجي منّي ! أليس كذلك ؟؟ تستميلين عواطفه بطرقك ِ الدنيئة! أنت ِ خبيثة يا رغد... و سأكشف نواياك ِ السيئة لوليد ليعرف حقيقة من تكونين ! "

    ذهلتُ ... وقفتُ كالورقة تعصف بي كلمات أروى... لا تكاد أذناي تصدقان ما تسمعان...
    كنتُ أنظر إلى أروى بأوسع عينين من شدّة الذهول... عبستْ أروى بوجهها و ضغطتْ على أسنانها و هي تقول :

    " كنتِ تمثلين دور المتعبة هذا الصباح... و مثلتِ دور المريضة ليلة حفلتنا أنا و وليد... و دور المرعوبة ليلة سهرنا أنا و وليد... هنا و في المزرعة و في بيت خالتكِ و في أي مكان... تمثلين أدوار المسكينة لتجعلي عقل وليد يطير جنونا خوفا عليك ِ ! تدركين أنه لا يستطيع إلا تنفيذ رغباتك شعورا منه بالمسؤولية العظمى تجاهكِ! ما أشد دهائكِ و خبثك ِ... لكنني سأخبر وليد عن كل هذا... وإن اضطررتُ لفعل ذلك الآن ! "

    كنتُ أمسك بهاتف وليد في يدي اليمنى و بالأوراق في يدي اليسرى... و للذهول الذي أصابني من كلام أروى رفعتُ يدي اليمنى تلقائيا ووضعتها على صدري...
    فجأة تحركتْ يد أروى نحوي... و همّتْ بانتزاع الهاتف و هي تقول:

    " هاتي هذا "

    و كردة فعل تشبثتُ بالهاتف أكثر... فسحبته هي بقوة أكبر... ثم انزلق من بين أيدينا و وقع على عتبات الدرج...
    استدرتْ منثنية بقصد التقاطه بسرعة فتحرتْ أروى لمنعي فجأة و اصطدمتْ بي...
    حركتها هذه أفقدتني التوازن ... فالتوتْ قدمي و فتحتُ يدي اليسرى بسرعة موقعة بالأوراق أرضا... و مددتها نحو ذراع أروى وتشبثتُ بها طالبة الدعم... الأمر الذي أفقد أروى توازنها هي الأخرى... وفجأة انهرنا نحن الاثنتان متدحرجتين على الدرَج ... و لأنني كنتُ في الأسفل... فقد وقع جسدها عليّ و انتهى الأمر بصرخة مدوية انطلقتْ من أعماق صدري من فرط الألم...


    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~


    لأنني نمتُ معظم النهار، لم يستجب النعاس لندائي تلك الليلة و بقيتُ أتقلّب في فراشي لبعض الوقت...
    كنتُ استعيد ذكريات النزهة الجميلة التي قضيناها أنا و صغيرتي هذه الليلة و التي أنعشتْ الذكريات الماضية الرائعة في مخيلتي... خصوصا و أن صغيرتي بدتْ مسرورة و مبتهجة بشكل أراحني و وئد خوفي عليها المولود هذا الصباح...
    كل شيء كما في السابق... إنها نفس الفتاة التي كنتُ أصطحبها في النزهات باستمرار... في أرجاء المدينة... و أقضي بصحبتها أمتع الأوقات و أطيبها على نفسي !
    غير أنها كبرتْ و لم يعد باستطاعتي أن أحملها على كتفيّ كما في الماضي !
    كانتْ مهووسة بامتطاء كتفيّ و هي صغيرة و لم تتخلى عن هوسها حتى آخر عهدي بها قبل دخولي السجن...
    يا ترى... هل تتذكر الآن؟؟
    يا ترى كيف تشعر حين تكون معي و هل أعني لها ما عنيتُ في الماضي؟؟
    لا أعرف لِمَ كان طيف رغد يسيطر عليّ هذه الليلة... بالتأكيد... خروجي معها في هذه النزهة هو ما هيّج المكنون من مشاعري القديمة... الأزلية...
    جلستُ و توجهتُ إلى محفظتي... و منها استخرجتُ قصاصات الصورة الممزقة لرغد... و عدتُ أركّب أجزاءها كما كانت...

    أقسم... بأنني أستطيع تجميعها بالضبط كما كانت و أنا مغمض العينين !

    أخذتُ القصاصات إلى سريري و جلستُ و أغمضتُ عينيّ... لأثبت لكم صدق قسمي...
    أتحسسها قصاصة ً قصاصة ً... حافة ً حافة ً ... طرفا ً طرفا ً ..
    ها أنا ذا انتهيتُ !
    فتحتُ عينيّ و نظرتُ إلى الصورة المكتملة و شعرتُ بالسرور! إنها رغد ... و دفتر تلوينها... و أقلام التلوين الجميلة !
    يا لي من مجنون !
    ما الذي أفعله في مثل هذا الوقت المتأخر بعد منتصف الليل !



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 18:58

    وضعتُ القصاصات تحت الوسادة و أرخيتُ جفوني... سأنام على صورتكِ يا رغد !
    فجأة... صحوتُ على صوتُ جلبة... أشبه بارتطام شيء ما بالأرض... مصحوبة بصراخ قوي !
    نهضتُ بسرعة و سمعتُ صوت صرخات متتالية و متداخلة مع بعضها البعض في آن واحد... أسرعتُ للخروج من غرفتي و هرولتُ ناحية مصدر الصراخ...
    إنه السلّم...
    وصلتُ أعلى عتباته و ألقيتُ نظرة سريعة نحو الأسفل و ذهلتُ !
    قفزتُ العتبات قفزا حتى وصلتُ إلى منتصف الدرَج... حيث وجدتُ رغد و أروى جاثيتين على العتبات إحداهما تئن بفزع... و الأخرى تتلوى ألما و تطلق الصرخات...
    و مجموعة من الأوراق مبعثرة على العتبات من حولهما...

    " ماذا حدث ؟؟ "

    سألتُ مفزوعا... و لم تجب أيهما بأكثر من الأنين و الصراخ...

    " رغد...أروى ...ماذا حدث ؟؟ "

    ردّتْ أروى و هي تضغط على كوعها بألم :

    " وقعنا من أعلى السلم "

    لم يكن لدي مجال لأندهش... فقد كانتْ رغد تصرخ بألم و تنقل يدها اليسرى بين يمناها و رجلها اليسرى...

    قلتُ بسرعة :

    " أأنتما بخير ؟؟ "

    أروى وقفتْ ببطء و استندتْ إلى الجدار... و أما رغد فقد بقيتْ على وضعها تئن و تصرخ

    " رغد هل أنت ِ بخير ؟؟ "

    عصرتْ رغد وجهها من الألم فسالتْ الدموع متدفقة على وجنتيها المتوهجتين...

    قلتُ :

    " رغد ؟؟ "

    فأجابتْ باكية متألمة صارخة:

    " يدي... قدمي... آه... تؤلماني... لا أحتمل... ربما كسرتا "

    أصبتُ بالهلع... أقبلتُ نحوها حتى جلستُ قربها تماما... و سألتُ :

    " هذه ؟ "

    مادا يدي إلى يدها اليمنى و لكني ما أن قرّبتُ يدي حتى صرختْ رغد بقوة و أبعدتْ يدها عنّي...

    " رغد "

    هتفتُ بهلع، فردتْ :

    " تؤلمني بشدة... آي... لا تلمسها "

    فوجهتُ يدي إلى يدها اليسرى :

    " و هذه؟ أتؤلمك؟ "

    " كلا "

    فأمسكتُ بها و أنا أقول:

    " إذن... دعيني أساعدكِ على النهوض"

    رغد حركتْ رأسها اعتراضا و قالتْ:

    " لا أستطيع... قدمي ملتوية... تؤلمني كثيرا... لا أستطيع تحريكها "

    و نظرتْ نحو قدمها ثم سحبتْ يدها اليسرى من يدي و أمسكتْ برجلها اليسرى بألم
    و كانتْ قدمها ملوية إلى الداخل، يخفي جوربها أي أثر لأي كدمة أو خدش أو كسر...

    قلتُ :

    " سأحاول لفها قليلا "

    و عندما حركتها بعض الشيء... أطلقتْ رغد صرخة قوية ثقبتْ أذني و أوقفتْ نبضات قلبي...
    يبدو أن الأمر أخطر مما تصورتُ ... ربما تكون قد أصيبتْ بكسر فعلا...
    تلفتُ يمنة و يسرة في تشتت من فكري... كانت أروى متسمّرة في مكانها في فزع... بدأ العرق يتصبب من جسمي و الهواء ينفذ من رئتيّ... ماذا حلّ بصغيرتي ؟؟
    التفت ُ إلى رغد بتوتر و قلتُ:

    " سأرفعكِ "

    و مددتُ ذراعي بحذر و انتشلتُ الصغيرة من على العتبة و هي تصرخ متألمة... و هبطتُ بها إلى الأسفل بسرعة... و أثناء ذلك ارتطمتْ قدمي بشيء اكتشفتُ أنه كان هاتفي المحمول ملقى ً أيضا على درجات السلم...
    حملتُ رغد إلى غرفة المعيشة و وضعتها على الكنبة الكبرى... و هي على نفس الوضع تعجز عن مد رجلها أو ثنيها... أما يدها اليمنى فقد كانتْ تبقيها بعيدا خشية أن تصطدم بي...

    " رغد... "

    ناديتها باضطراب... لكنها كانتْ تكتم أنفاسها بقوة حتى احتقن وجهها وانتفختْ الأوردة في جبينها... و برزتْ آثار اللطمات التي أمطرتها بها صباحا أكثر... حتى شككتُ بأنها آثار جديدة سببها الدرج من شدّة توهجها...
    بعدها انفجر نفَس رغد بصيحة قوية قطّعت حبالها الصوتية...

    قلتُ مفزوعا :

    " يا إلهي... يجب أن آخذك إلى الطبيب "

    وقفتُ ثم جثوتُ على الأرض ثم وقفتُ مجددا... خطوتُ خطوة نحو اليمين و أخرى نحو اليسار... تشتتُ و من هول خوفي على رغد لم أعرف ماذا أفعل... أخيرا ركزتْ فكرة في رأسي و ركضتُ في اتجاه غرفتي، أريد جلب مفاتيح السيارة...

    عند أول عتبات السلّم كانتْ أروى تقف متسمرة تنم تعبيرات وجهها عن الذعر...!
    وقفتُ برهة و أنا طائر العقل و قلتُ باندفاع :

    " ماذا حدث ؟ كيف وقعتما؟ ربما انكسرتْ عظامها ... سآخذها إلى المستشفى "

    لم أدع لها المجال للرد بل قفزتُ عتبات الدرج قفزا ذهابا ثم عودة... و أنا أدوس عشوائيا على الأوراق المبعثرة عليها دون شعور... ثم رأيتُ أروى لا تزال قابعة في مكانها... فهتفتُ:

    " تكلـّمي ؟؟ "

    و أنا أسرع نحو غرفة المعيشة... توقفتُ لحظة و استدرتُ إلى أروى و قلتُ:

    " و أنتِ بخير ؟ "

    أومأتْ أروى إيجابا فتابعتُ طريقي إلى رغد... و لم أشعر بأروى و هي تتبعني...
    وجدتُ رغد و قد كوّمت جزء ً من وشاحها لتعضّه بين أسنانها... حين رأتني خاطبتني و الوشاح لا يزال في فمها:

    " وليد... سأموت من الألم...آي "

    ركعتُ قربها و مددتُ ذراعيّ أريد حملها و أنا أقول:

    " هيا إلى الطبيب... تحمّلي قليلا أرجوك "

    و عندما أوشكتُ على لمس رجلها دفعتْ يدي بعيدا بيدها و صاحتْ:

    " لا... أقول لك تؤلمني... لا تلمسها "

    قلتُ :

    " يجب أن أحملك ِ إلى المستشفى رغد... أرجوك ِ تحملي قليلا... أرجوكِ صغيرتي "

    جمعت ْ رغد القماش في فمها مجددا و عضّت عليه و أغمضتْ عينيها بقوة...
    حملتها بلطف قدر الإمكان متجنبا لمس طرفيها المصابين... و استدرتُ نحو الباب... هناك كانت أروى تقف في هلع تراقبنا...

    قلتُ :

    " هيا... اسبقيني و افتحي لي الأبواب بسرعة "

    و هكذا إلى أن أجلستُ الصغيرة على مقعد السيارة الخلفي، ثم فتحتُ بوابة المرآب و انطلقتُ بسرعة...
    لحسن الحظ كانت رغد لا تزال ترتدي عباءتها و وشاحها الأسودين، لم تخلعهما منذ خرجنا إلى النزهة أول الليل...
    عندما وصلنا إلى المستشفى، استقبلنا فريق الإسعاف بهمة و حملنا رغد على السرير المتحرك إلى غرفة الفحص... كانت لا تزال تصرخ من الألم...

    سألني أحد الأفراد :

    " حادث سيارة ؟ "

    قلتُ :

    " لا ! وقعتْ من أعلى السلّم... ربما أصيبت ْ بكسر ما... أرجوكم أعطوها مسكنا بسرعة "

    أراد الطبيب أن يكشف عن موضع الإصابة... تحمّلتْ رغد فحص يدها قليلا و لكنها صرختْ بقوة بمجرّد أن وجه الطبيب يده إلى رجلها اليسرى... و يبدو أن الألم كان أشد في الرجل... شجعتها الممرضة و حين همّتْ بإزاحة الغطاء عن رجلها استدرتُ و وقفتُ خلف الستارة...
    عادتْ رغد تصرخ بقوة لم أحتملها فهتفتُ مخاطبا الطبيب:

    " أرجوك أعطها مسكنا أولا... لا تلمس رجلها قبل ذلك... ألا ترى أنها تتلوى ألما؟؟"

    و صرختْ رغد مرة أخرى و هتفتْ:

    " وليد "

    لم احتمل... أزحتُ الستارة و عدتُ إلى الداخل و مددتُ يدي إلى رغد التي سرعان ما تشبثتْ بها بقوة...

    " معكِ يا صغيرتي... تحمّلي قليلا أرجوك "

    و استدرتُ إلى الطبيب :

    " أعطها مسكنا أرجوك... أرجوك في الحال "

    الممرضة كشفتْ عن ذراع رغد اليسرى بهدف غرس الإبرة الوريدية في أحد عروقها... و لمحتْ الندبة القديمة فيها فسألتني :

    " و ما هذا أيضا ؟ "

    قلتُ غير مكترث:

    " حرق قديم...لا علاقة له بالحادث "

    و بمجرد أن انتهتْ الممرضة من حقن رغد بالعقار المسكن للألم عبر الوريد، عادتْ رغد و مدتْ يدها إليّ و تشبثتْ بي...

    " لا تقلقي صغيرتي... سيزول الألم الآن "

    قلتُ مشجعا و أنا أرى الامتقاع الشديد على وجهها المتألم الباكي...
    و مضتْ بضع دقائق غير أن رغد لم تشعر بتحسن

    " ألم يختفِ الألم ؟ "

    سألتها فقالتْ و هي تتلوى و تهز رأسها:

    " تؤلمني يا وليد... تؤلمني كثيرا جدا "

    خاطبتُ الممرضة :

    " متى يبدأ مفعول هذا الدواء ؟ أليس لديكم دواءٌ أقوى ؟؟ "

    الطبيب أمر الممرضة بحقن رغد بدواء آخر فحقنته في قارورة المصل المغذي و جعلته يسري بسرعة إلى وريدها...

    قلتُ مخاطبا الطبيب :

    " هل هذا أجدى ؟ "

    قال :

    " فعال جدا "

    قلتُ :

    " إنه ألم فظيع يا دكتور... هل تظن أن عظامها انكسرتْ ؟ "

    أجاب :

    " يجب أن أفحصها و أجري تصويرا للعظام قبل أن أتأكد "

    بعد قليل... بدأتْ جفون رغد تنسدل على عينيها... و صمتتْ عن الصراخ... و ارتختْ قبضتها المتشبثة بي...

    نظرتُ إلى الطبيب بقلق فقال :

    " هذا من تأثير المخدّر... ستغفو قليلا "

    ثم باشر فحص رجل رغد و أعاد تفحص يدها اليمنى... و بقية أطرافها... و عندما انتهى من ذلك، أمر بتصوير عظام رجلَي رغد و يديها و حتى جمجمتها تصويرا شاملا...

    " طمئني أيها الطبيب رجاء ً ... هل اتضح شيء من الفحص ؟؟ "

    نظر إليّ الطبيب نظرة غريبة ثم سألني و هو يتكلم بصوتٍ منخفض:

    " قل لي... هل حقا وقعتْ على درجات السلم ؟ "

    استغربتُ سؤاله و بدا لي و كأنه يشك في شيء فأجبتُ :

    " نعم... هذا ما حصل"

    قال الطبيب :

    " كيف ؟ "

    قلتُ :

    " لا أعرف فأنا لم أشاهد الحادث... و لكن لماذا تسأل ؟ "

    قال :

    " فقط أردتُ التأكد... فوجهها مكدوم بشكل يوحي إلى أنها تعرضتْ للضرب! و ربما يكون الأمر ليس مجرد حادث "

    أثار كلام الطبيب جنوني و غضبي فرددتُ منفعلا :

    " و هل تظن أننا ضربناها ثم رميناها من أعلى الدرج مثلا ؟ "

    لم يعقّب الطبيب فقلتُ :

    " وجهها متورم نتيجة شيء آخر لا علاقة له بالحادث "

    تبادل الطبيب و الممرضة النظرات ذات المغزى ثم طلب منها اصطحاب رغد إلى قسم الأشعة.

    و لأنني كنتُ هلعا على رغد عاودتُ سؤاله :

    " أرجوك أخبرني... هل تبين شيء بالفحص لا قدّر الله ؟ "

    رد صريحا :

    " لا أخفي عليك... يبدو أن الإصابة في الكاحل بالغة لحد ما... أشك في حدوث تمزق في الأربطة "

    ماذا ؟؟ ماذا يقول هذا الرجل ؟؟ تمزّق ؟ كاحل ؟؟ رغد ... !!

    تابع الطبيب :

    " الظاهر أن قدمها قد التوتْ فجأة و بشدّة أثناء الوقوع... و لديها تورم و رض شديد في منطقة الساق... قد تكون ساقها تعرضت لضربة قوية بحافة العتبة... أما يدها اليمنى فأتوقع أنها كُسِرتْ "

    كسر؟؟ تمزق ؟؟ التواء؟؟ تورم؟؟ رض ؟؟ما كل هذا ؟؟ ماذا تقول ؟؟
    شعرتُ بعتمة مفاجئة في عيني ّ و بالشلل في أعصابي... يبدو أنني كنتُ سأنهار لولا أن الطبيب أسندني و أقعدني على كرسي مجاور... وضعتُ يدي على رأسي شاعرا بصداع مباغت و فظيع... كأن أحد الشرايين قد انفجر في رأسي من هول ما سمعتُ...
    الطبيب ثرثر ببعض جمل مواسية لم أسمع منها شيئا... بقيتُ على هذه الحال حتى أقبلتْ الممرضات يجررن سرير رغد و يحملن معهن صور الأشعة...
    الطبيب أخذ الأفلام و راح يتأملها على المصباح الخاص... و ذهبتُ أنا قرب رغد حتى توارينا خلف الستار...
    الصغيرة كانت نائمة و بقايا الدمع مبللة رموشها... تمزق قلبي عليها و أمسكتُ بيدها اليسرى و ضغطتُ بقوّة...
    كلا يا رغد !
    لا تقولي أن هذا ما حدث؟ أنتِ بخير أليس كذلك؟؟ ربما أنا أحلم... ربما هو كابوس صنعه خوفي المستمر عليك و جنوني بك !
    رباه...
    بعد ثوان ٍ تركتُ رغد و ذهبتُ إلى حيث كان الطبيب مع مجموعة أخرى من الأطباء يتفحصون الأشعة و يتناقشون بشأنها. وقفتُ إلى جانبهم و كأني واحدٌ منهم... أصغي بكل اهتمام لكل كلمة تتفوه بها ألسنتهم، و لا أفقه منها شيئا...
    أخيرا التفتََ الطبيب ذاته إليّ فقلتُ بسرعة:

    " خير؟؟ طمئني أرجوك ؟ "

    قال الطبيب و هو يحاول تهوين الأمر:

    " كما توقعتُ... يوجد كسر في أحد عظام اليد اليمنى... و شرخ في أحد عظام الرجل اليسرى و هناك انزلاق في مفصل الكاحل سببه تمزق الأربطة "
    و لما رأى الطبيب الهلع يكتسح وجهي أكثر من ذي قبل، أمسك بكتفي و قال:

    " بقية الأشعة لم توضح شيئا... الإصابة فقط في اليد اليمنى و الرجل اليسرى، أما الكدمات الأخرى فهي سطحية "

    ازدرتُ ريقي واستجمعتُ شظايا قوتي و قلتُ غير مصدّق:

    " أنتً... متأكّد ؟ "

    قال :

    " نعم. جميعنا متفقون على هذا "

    و هو يشير إلى الأطباء ممن معنا...

    قلتُ و صوتي بالكاد يخرج من حنجرتي واهنا :

    " و... هل ... سيشفى كل ذلك ؟ "

    قال :

    " نعم إن شاء الله. لكن... ستلزمها عملية جراحية... و بعدها ستظل مجبّرة لبعض الوقت "
    صُعِقتُ !! لا ! مستحيل !
    عملية ؟؟ جبيرة ؟؟ أو كلا ! كلا !
    كدتُ أهتف ( كلا ) بانفعال... لكنني رفعتُ يدي إلى فمي أكتم الصرخة... قهرا...
    الطبيب أحس بمعاناتي و حاول تشجيعي و تهوين الأمر... لكن أي كارثة حلّتْ على قلبي يمكن تهوينها بالكلمات ؟؟

    قلتُ بلا صوت:

    " تقول ... عملية ؟ "

    رد مؤكدا :

    " نعم. ضرورية لإنقاذ الكسور من العواقب غير الحميدة "

    أغمضتُ عيني و تأوهتُ من أثر الصدمة... و قلبي فاقد السيطرة على ضرباته... و لما لاحظ الطبيب حالتي سألني بتعاطف :

    " هل أنت شقيقها ؟ "

    فرددتُ و أنا غير واع ٍ لما أقول:

    " نعم.. "

    قال :

    " و أين والدها ؟ "

    قلتُ :

    " أنا "

    تعجب الطبيب و سأل :

    " عفوا ؟ "

    قلتُ :

    " لقد مات... كلُهم ماتوا... أنا أبوها الآن... يا صغيرتي "

    و أحشائي تتمزق مرارة... أنا لا أصدق أن هذا قد حصل... رغد صغيرتي الحبيبة... مهجة قلبي و الروح التي تحركني... تخضع لعملية؟؟
    وقفتُ و سرتُ نحو سرير رغد بترنح... يظن الناظر إليّ أنني أنا من تحطمتْ عظامه و انزلقتْ مفاصله و تمزّقتْ أربطته و ما عاد بقادر على دعم هيكله...
    اقتربتُ منها... أمسكتُ بيدها اليسرى... شددتُ عليها... اعتصرني الألم... و اشتعلتْ النار في معدتي...و أذابتْ أحشائي...
    الطبيب لحق بي و أقبل إليّ يشجعني بكلمات لو تكررتْ ألف مرة ما فلحتْ في لمّ ذرتين من قلبي المبعثر...

    قال أخيرا :

    " علينا إتمام بعض الإجراءات الورقية اللازمة قبل أخذها لغرفة العمليات "

    الكلمة فطرتْ قلبي لنصفين و دهستْ كل ٍ على حدة...
    التفتُ إليه أخيرا و قلتُ متشبثا بالوهم:

    " ألا يمكن علاجها بشكل آخر؟؟ أرجوك... إنها صغيرة و لا تتحمّل أي شيء... كيف تخضع لعملية؟؟ لا تتحمل... "

    و كان الطبيب صبورا و متفهما و عاد يواسيني...

    " لا تقلق لهذا الحد... عالجنا إصابات مشابهة و شفيتْ بإذن الله... "

    لكن مواساته لم تخمد من حمم القلق شرارة واحدة.
    هنا أقبلتْ الممرضة تخاطبه قائلة :

    " أبلغنا أخصائي التخدير و غرفة العمليات جاهزة يا دكتور "

    الطبيب نظر إليّ و قال :

    " توكلنا على الله ؟ "

    نقلتُ بصري بينه و بين الممرضة ثم إلى رغد ...

    قلتُ :

    " صبرا... دعني استوعب ذلك... أنا مصدوم... "

    و أسندتُ رأسي إلى يدي محاولا التركيز.... ظلّ الطبيب و الممرضة واقفين بالجوار قليلا ثم تركاني لبعض الوقت، كي استوعب الموقف و أفكر... ثم عادا من جديد...

    قال الطبيب:

    " ماذا الآن؟ التأخير ليس من صالحها "

    ازدردتُ ريقي و أنا ألهث من القلق... ثمّ نظرتُ إلى رغد و قلتُ :

    " يجب أن تعرف ذلك أولا... "

    كنتُ لا أزال ممسكا بيدها، اقتربتُ منها أكثر و همستُ :

    " رغد "

    كررتُ ذلك بصوت ميّت... ولم تستجب، فضربتُ يدها بلطف و أنا مستمر في النداء...
    فتحتْ رغد عينيها و جالتْ فيما حولها و استقرتْ عليّ... كانت شبه نائمة من تأثير المخدر...

    قلتُ بلهفة :

    " صغيرتي..."

    و شددتُ على يدها... استجابتْ بأن نطقتْ باسمي

    قلتُ :

    " كيف تشعرين ؟ كيف الألم ؟؟ "

    قالتْ و هي بالكاد تستوعب سؤالي :

    " أفضل... أشعر به ... لكن أخف بكثير "

    قلتُ :

    " الحمد لله... سلامتكِ يا صغيرتي ألف سلامة... "

    قالتْ :

    " سلّمك الله... آه... أشعر بنعاس ٍ شديد جدا وليد... دعنا نعود للمنزل "

    لم أتمالك نفسي حينها و تأوهتُ بألم... آه يا صغيرتي... آه... رغد أحسّتْ بشيء... بدأتْ تستفيق و تدرك ما حولها

    قالت:

    " ما الأمر ؟؟ "

    لم أتكلّم ... فنظرتْ نحو الطبيب و الممرضة و اللذين قالا بصوت واحد:

    " حمدا لله على السلامة "

    ثم تقدّم الطبيب نحوها و بلطف حرّك يدها المصابة و قد زاد تورمها و احمرارها فأنتْ رغد.

    قال :

    " ألا زالتْ تؤلمك ؟ "

    أجابتْ :

    " نعم. لكن أخف بكثير من ذي قبل "

    قال :

    " هذا من تأثير المسكن القوي و لكن الألم سيعود أقوى ما لم نعالجها عاجلا. انظري... لقد تفاقم التورم بسرعة "

    رغد نظرتْ إلى يدها ثم إليّ بتساؤل... و لم أعرف بم أجيب و لا كيف أجيب...

    " وليد ؟؟ "

    ترددتُ ثم قلتُ :

    " يبدو...أن الإصابة جدية يا رغد... يقول الطبيب أن لديك كسور و أنكِ بحاجة إلى جراحة "

    و لو رأيتم مقدار الذعر الذي اكتسح وجه رغد... آه لو رأيتم !!
    جفلتْ جفول الموتى... ثم سحبتْ يدها من بين أصابعي و وضعتها على صدرها هلعا... و كتمتْ أنفاسها قليلا ثم صاحتْ :

    " ماذا !!؟؟ "

    حاولتُ تهدئتها و أنا الأحوج لمن يهدئني... كانت ردة فعلها الأولى مزيجا من الذعر... و الفزع... و الخوف... و الارتجاف... و النحيب... و الرفض... والبكاء...
    و انفعالات يعجز قلب وليد عن تحمّلها و شرحها...
    و كانتْ مشوشة التركيز و التفكير بسبب الدواء المخدر و لا أدري إن كانتْ قد استوعبتْ بالفعل الخبر و ما إذا كانتْ تقصد بإرادة ردود فعلها تلك، أم أن الأمر كان وهما صنعه المخدر...؟؟

    بعد أن هدأتْ قليلا و أنا ما أزال قربها أكرر:

    " ستكونين بخير...لا تخافي صغيرتي... ستكونين بخير بإذن الله"

    قالتْ و هي ممسكة بيدي :

    " وليد أرجوك.. لا تتركني وحدي "

    قلتُ مؤكدا بسرعة :

    " أبدا صغيرتي... سأبقى معكِ طوال الوقت و لن أبتعد عن باب غرفة العمليات مترا واحدا... اطمئني"

    نظرتْ رغد إليّ بتوسل... فكررتُ كلامي مؤكدا... حينها قالتْ :

    " هل نحن في الحقيقة؟؟ هل يحصل هذا فعلا؟؟ هل أنا مصابة و في المستشفى؟؟ "

    قلتُ بأسى :

    " نعم لكن هوّني عليك يا رغد بالله عليك... قطّعتِ نياط قلبي...أرجوكِ يكفي... الحمد لله على كل حال ... بلاء من الله يا صغيرتي... لا تجزعي..."

    ابتلعتْ رغد آخر صيحاتها و حبستْ دموعها و بدأتْ تتنفس بعمق و استسلام...
    و بعد قليل نظرتْ إليّ و قالتْ :

    " أشعر بنعاس شديد... ماذا حصل لي؟؟ عندما أصحو لا أريد أن أذكر من هذا الكابوس شيئا... أرجوك وليد "

    وأغمضتْ عينيها و غابتْ عن الوعي مباشرة...
    ناديتها بضع مرات فلم تجبْ... نظرتُ إلى الطبيب فأشار بإصبعه إلى المصل المغذي... ثم قال:

    " علينا الاستعجال الآن... "

    و بهذا ذهبتُ مفوضا أمري إلى الله و أتممتُ الإجراءات المطلوبة و من ثم تم نقل رغد إلى غرفة العمليات...
    بقيتُ واقفا على مقربة التهم الهواء في صدري التهاما...علّه يخمد الحريق المتأجج فيه...
    لم يكن معي هاتف و لم أشأ الابتعاد خطوة أخرى عن موقع رغد... وظللتُ في انتظار خروجها أذرع الممر ذهابا و جيئا و أنا أسير على الجمر المتقد... و لساني لا ينقطع عن التوسل إلى الله... إلى أن انتهتْ العملية بعد فترة و رأيتهم يخرجون السرير المتحرك إلى الممر...
    لم يكن الطبيب موجودا فلحقتُ بسرعة بالممرضات اللواتي كنّ يقدن السرير و ألقيتُ نظرة متفحصة على وجه رغد...
    كانت هناك قبعة زرقاء شبه شفافة تغطي شعرها و قارورتان من المصل الوريدي علّقتا على جانبيها تقطران السائل إلى جسمها...
    اقتربتُ منها و أنا أنادي باسمها ففتحتْ عينيها و لا أدري إن كانت رأتني أم لا... ثم أغمضتهما و نامتْ بسلام...
    سحبتُ الغطاء حتى غطيتُ رأسها كاملا... و سرتُ معها جنبا إلى جنب إلى أن أوصلتها الممرضات إلى إحدى الغرف... و هناك ساعدتُهن في رفعها إلى السرير الأبيض... و فيما نحن نحملها شاهدتُ الجبيرة تلف يدها و رجلها فكدتُ أصاب بالإغماء من مرارة المنظر...
    شعرتُ بتعب شديد... و كأنني حملتُ جبلا حديديا على ذراعي لعشر سنين... و تهالكتُ بسرعة على حافة السرير قرب رغد...
    و عندما همّتْ إحداهن بتغيير الغطاء أشرتُ إليها بألا تفعل... و طلبتُ منها أن تلف رأس رغد بوشاحها الأسود...

    " متى ستصحو ؟ "

    سألتُ بصوت ٍ متبعثر... فأجبنني :

    " عما قريب. لا تقلق. من الخير لها أن تبقى نائمة "

    سألتُ :

    " و أين الطيب ؟ "

    أجابتْ إحداهن :

    " سيجري عملية طارئة لمريض آخر الآن "

    بقيتْ إحدى الممرضات تفحص العلامات الحيوية لرغد و تدون ملاحظاتها لبضع دقائق ثم لحقتْ بزميلتيها خارج الغرفة...

    في هذه اللحظة، أنا و صغيرتي نجلس على السرير الأبيض... هي غائبة عن الوعي... و أنا غائب عن الروح... لا أحسّ بأي شيء مما حولي... إلا بصلابة الجبيرة التي أمد إليها بيدي أتحسسها غير مصدّق... لوجودها حول يد طفلتي الحبيبة....
    لا شيء تمنيته تلك الساعة أكثر من أن يوقظني أحدكم بسرعة و يخبرني بأنه كان مجرد كابوس...
    تلفتُ يمنة و يسرة... ربما بحثا عن أحدكم... و لم يكن من حولي أحد...
    لمحتُ هاتفا موضوعا على مقربة... و اشتغلتُ بعض خلايا دماغي المشلولة فأوحتْ إليّ بالاتصال بالمنزل...
    وقفتُ و تحركتُ و أنا أجوف من الروح... لا أعرف ما الذي يحركني؟ لا أشعر بأطرافي و لا أحس بثقلي على الأرض... و لا أدري أي ذاكرة تلك التي ذكرتني برقم هاتف منزلي!
    ظل الهاتف يرن فترة من الزمن... قبل أن أسمع أخيرا صوت أروى تجيب

    " وليد ! أخيرا اتصلت َ؟ أخبرني أين أنتما و كيف حالكما و ماذا عن رغد ؟؟ "

    عندما سمعتُ اسم رغد لم أتمالك نفسي...
    أجبتُ بانهيار و بصري مركز على رغد :

    " أجروا لها عملية... إنها ملفوفة بالجبائر... آه يا صغيرتي... منظرها يذيب الحجر... يا إلهي... "

    و أبعدتُ السماعة ... لم أشأ أن تسمع أروى ما زفره صدري...

    ثم قربتها و قلتُ :

    " سأتصل حينما تستفيق... نحن في مستشفى الساحل... ادعي الله لأجلها معي "

    و أنهيتُ المكالمة القصيرة و عدتُ إلى رغد...
    و لا زلتُ لله داعيا متضرعا حتى رأيتُ رغد تتحرك و تفتح عينيها ! تهلل وجهي و اقتربتُ منها أكثر و ناديتها بشغف :

    " رغد... صغيرتي... "

    و أضفتُ :

    " حمدا لله على سلامتك ِ أيتها الغالية... الحمد لله "

    رغد رفعتْ رأسها قليلا و نظرتْ نحو يدها و سألتْ :

    " هل... أجروا لي العملية ؟ "

    و قبل أن أجيب كانت قد حركتْ ذراعها الأيمن حتى صارتْ يدها أمام عينيها مباشرة... تحسستْ الجبيرة الصلبة باليد الأخرى... ثم نظرتْ إليّ ...
    ثم حاولتْ تحريك رجلها و علامات الفزع على وجهها... ثم سحبتْ اللحاف قليلا لتكشف عن قدمها المصابة و تحدق بها قليلا... و تعود لتنظر إليّ مجددا:

    " لا استطيع تحريك رجلي ! وليد... هل أصبتُ بالشلل ؟ أوه لا.... "

    إلى هنا و لا استطيع أن أتابع الوصف لكم... عما حلّ بالصغيرة آنذاك...
    لقد سبب وجودنا إرباكا شديدا في القسم... و خصوصا للممرضات اللواتي على رؤوسهن وقعتْ مهمة تهدئة هذه الفتاة الفزعة و رفع معنوياتها المحطمة...

    كان صراخها يعلو رغم ضعف بدنها... و كل صرخة و كل آهة و كل أنة... أطلقتها رغد... اخترقت قلبي قبل أن تصفع جدران الغرفة...

    بجنون ما مثله جنون... تشبثتْ بي و هي تصرخ:

    " أريد أمي "

    ربما لم تكن رغد تعي ما تقول بفعل المهدئات... أو ربما... الفزع أودى بعقلها... أو ربما يكون الشلل قد أصاب رجلها فعلا...!!
    عندما أتى الطبيب و أعطاها دواء ً مخدرا... بدأتْ تستسلم و هي تئن بين يديّ...
    الطبيب أكد مرارا و تكرارا أن شيئا لم يصب العصب و أن الأمر لا يتعدى تأثير البنج المؤقت... و أن ردة فعلها هذه شيء مألوف من بعض المرضى... لكن كلامه لم يمنحني ما يكفي من الطمأنينة...

    التفتُ إلى رغد التي كانتْ متمسكة بي بيدها اليسرى تطلب الدعم النفسي:

    " لا تخافي صغيرتي... ستكونين بخير... ألم تسمعي ما قال الطبيب ؟؟ إنها أزمة مؤقتة و ستستعيدين كامل صحتك و تعودين للحركة و للمشي طبيعيا كما في السابق..."

    رفعتْ رغد بصرها إليّ و قالتْ و هي تفقد جزء ً من وعيها:

    " هل ... سأصبح معاقة و عرجاء ؟ "

    هززتُ رأسي و قلتُ فورا:

    " كلا يا رغد... من قال ذلك ؟؟ لا تفكري هكذا أرجوك "

    قالتْ :

    " لكن كاحلي تمزّق... و عظامي انكسرت ! ربما لن أستعيدها ثانية! ماذا سيحل بي إن فقدتُهما للأبد؟ ألا يكفي ما فقدتُ يا وليد؟ ألا يكفي؟؟ "

    قلتُ منفعلا :

    " لا تقولي هذا... فداكِ كاحلي و عظامي و كل جسمي و روحي يا رغد ! ليتني أصِبتُ عوضا عنكِ يا صغيرتي الحبيبة "

    أمسكتُ برأسها.... كنتُ أوشك على أن أضمه إليّ بقوة... و جنون... نظرتُ إلى عينيها... فرأيتهما تدوران للأعلى و ينسدل جفناها العلويان ليغطياهما ببطء... بينما يظل فوها مفتوحا و آخر كلامها معلقا على طرف لسانها..





    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 18:59

    الحلقة الثانية و الأربعون









    ~ إلا رغد ! ~




    و أنا على وشك الخروج للعمل صباحا تلقيتُ اتصالاً من رقم هاتفٍ غريب، و عرفتُ بعدها أنه صديقي وليد شاكر!
    أخبرني وليد بأنّ قريبته قد أُصيبتْ إصابة بالغة في رِجلها و يدها و أنّه تمّ إدخالها إلى المستشفى و إجراء عمليّة طارئة لها آخر الليل... و رجاني أن أصطحِب زوجته و والدتها إلى المستشفى...

    صديقي وليد كان منهاراً و هو يتحدّث إليّ عبر الهاتف وكان صوته حزيناً و أقرب إلى النحيب. و لأنني صديقه الأوّل فقد كان وليد يلجأ إليّ كلما ألمّتْ به ضائقة أو أصابته كربة... و كان يضعف قليلا لكنّه سرعان ما يستعيد قواه و يقف صامداً دون انحناء... أمّا هذه الأزمة فقد دهورتْ نفسيته بشكل سريع و شديد للغاية، ممّا أدى إلى انحدار صحّته و قدرته على العمل تباعا.
    يعاني وليد من قرحة مزمنة في المعدة و هي تنشط و تتفاقم مع الضغوط النفسية. و قد كان الأطباء ينصحونه بالاسترخاء و النقاهة كلما تهيّجتْ و بالإقلاع عن التدخين، و أظنّه أقلع عن السجائر و لكنّه أهمل علاج قرحته في هذه الفترة إلى أن تطوّر وضعها للأسوأ كما ستعرفون لاحقاً.

    وليد متعلّق بشدّة بابنة عمّه المصابة هذهِ و أخالهُ يخبل لو ألّم بها شيء!
    و قد كانت ابنة عمّه ترافقه كالظلّ عندما كنّا صغارا في سني المدارس و كان يحبّها جدا و كثيرا ما اصطحبها معه في زياراته لي و في تجوالنا سوياً... و قد افترق عنها سنوات حبسه في السجن... و رحلتْ مع عائلته بعيدا عن المدينة... ثمّ دارتْ الأيام لتعيد جمعه بها من جديد... و تجعله وصياً شرعيا عليها و مسؤولا أولا عن رعايتها...

    عندما وصلنا دخلت ْ السيدتان إلى غرفة المريضة و رأيتُ وليد يخرج إليّ بعد ذلك...

    و كما توقـّعت ُ بدا الرجل متعباً جداً... و كأنّه قضى الليلة الماضية في عملٍ بدني شاق... سألته عن أحواله و أحوال قريبته فردّ ببعض الجمل المبتورة و تمتم بعبارات الشكر

    " لا داعي لهذا يا عزيزي ! إننا أخوَان و صديقان منذ الطفولة ! "

    ابتسم وليد ابتسامة شاحبةً جداً ثم قال:

    " عليّ أن أسرع "

    قلتُ مقاطعا :

    " لا تبدو بحالةٍ جيدةٍ يا وليد ! دعني أقلّك بسيارتي... ذهاباً و عودةً "

    و أعاد الابتسام و لكن هذه المرة بامتنان...
    أوصلتُ وليد إلى منزله حيث قضى حوالي العشرين دقيقة رتّب خلالها أموره و شربنا سوية بعض الشاي على عجل...
    الرجل كان مشغول البال جداً و مخطوف الفكر... و قد حاولتُ مواساته و تشجيعه لكنه كان قد تعدّى مستوى المساواة بكثير، و بما أنني أعرفه فأنا لا استغرب حالته هذه... إنه مهووس بقريبته و قد باح لي برغبته في الزواج منها رغم أي ظروف !
    و قبل أن أركن السيارة في مواقف المستشفى الخاصة رأيته يفتح الباب و يكاد يقفز خارجاً

    " على مهلكَ يا رجل ! هوّن عليك ! "

    قال و هو يمسك بالباب المفتوح قليلا :

    " أخشى أن تستفيق ثم لا تجدني و تصاب بالفزع... إنها متعبة للغاية يا سيف و إن أصابها شيء بها فسأجن "

    ألم أقل لكم ؟؟

    رددتُ عليه بتهوّر :

    " أنت مجنون مسبقاً يا وليد "

    و انتبهتُ لجملتي الحمقاء بعد فوات الأوان. التفتَ وليد إليّ و قد تجلّى الانزعاج على وجهه ممزوجاً بالأسى...فاعتذرتُ منه مباشرةً :

    " آسِف يا وليد ! لم أقصد شيئاً "

    تنهّد وليد و لم يعلّق... ثم شكرني و غادر السيارة... هتفتُ و أنا ألوّح له من النافذة و هو يهرول مبتعداً :

    " اتصل بي و طمئني إن جدّ شيء "

    و توليتُ بنفسي إبلاغ السيّد أسامة المنذر- نائب المدير- أن وليد سيتغيب عن العمل و أوجزتُ له الأسباب.

    السيّد أسامة كان نائباً للمدير السابق عاطف - أبي عمّار - البحري رحمهما الله، و كان على علاقة وطيدة بآل بحري، و على معرفة جيّدة بنا أنا و والدي و فور اكتشافه بأن وليد هو ذاته قاتل عمّار، قدّم استقالته و رفض التعاون مع وليد و العمل تحت إدارته. و لكن... بتوصية منّي و من والدي، و بعد محاولات متكررة نجحنا في تحسين صورة وليد في نظره و أفلحنا في إقناعه بالعودة للعمل خصوصا و أن وجوده كان ضروريّا جدا بحكم خبرته الطويلة و أمانته. و مع الأيام توطّدتْ العلاقة بين وليد و السيّد أسامة الذي عرف حقيقة وليد و أخلاقه و استقامته. و صار يقدّره و يتعامل معه بكل الاحترام و المحبّة. أما بقيّة موظفي المصنع و الشركة، فكانتْ مواقفهم تجاه وليد متباينة و كنتُ في خشية على وليد من ألسنتهم. غير أن وليد تصرّفَ بشجاعةٍ و لم يعرْ كلامهم اهتماماً حقيقياً و أثبتَ للجميع قدرته على الصمود و تحمُّل مسؤولية العمل مهما كانتْ الأوضاع.



    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~














    لوّحتُ لسيف بيدي و أسرعتُ نحو غرفة رغد.
    وجدتُها لا تزال نائمةً... و إلى جوارها تجلسُ أروى و الخالة. سألتهما عما إذا كانت قد استيقظتْ فأجابتا بالنفي... اقتربتُ منها فإذا بأروى تمدّ يدها إليّ بهاتفي المحمول و تقول:

    " تفضّل.. جلبته معي لكَ "

    تناولتُ الهاتف و جلستُ على مقربة أتأمل وجه رغد... و ألقي نظرةً بين الفينة و الأخرى على شاشةِ جهاز النبض الموصول بأحد أصابعها...

    بعد قليل مرّتْ الممرّضة لتفقّد أحوال رغد و نزعتْ الجهاز عنها. خاطبتها :

    " كيف هي ؟ "

    أجابتْ :

    " مستقرة "

    قلتُ :

    " و لماذا لا تزال نائمة ؟ "

    قالتْ :

    " يمكنكم إيقاظها إن شئتم "

    و بعد أن غادرتْ بقينا صامتين لوهلة... ثم التفتُّ نحو أروى و سألتها:

    " كيف وقعتما ؟ "

    ظهر التردد على وجه أروى و اكتسى ببعض الحمرة... ما أثار قلقي... ثم تبادلتْ نظرة سريعة مع خالتي و نطقتْ أخيرا :

    " كنا... واقفتين على الدرجات... و... تشاجرنا... ثمّ..."

    قاطعتها و سألتُ باهتمام :

    " تشاجرتما ؟؟ "

    أومأتْ أروى إيجابا... و سمعتُ خالتي تُتمتم:

    " يهديكما الله "

    قلتُ بشغف :

    " في ذلك الوقت المتأخر من الليل؟؟ و على عتبات السلم؟؟ "

    و تابعتُ :

    " لأجل ماذا؟؟ و كيف وقعتما هكذا؟؟ "

    قالتْ أروى مباشرةً و باختصار:

    " كان حادثاً... عفوياً "

    انتظرتُ أن تفصّل أكثر غير أنها لاذتْ بالصمت و هربتْ بعينيها منّي...
    قلتُ مستدرّاً توضيحها:

    " و بعد؟ "

    فرمقتني بنظرة عاجلة و قالتْ :

    " مجرّد حادثٍ عفوي"

    انفعلتُ و أنا ألاحظ تهربّها من التفصيل فقلتُ بصوت ٍ قوي :

    " مجرد حادثٍ عفوي؟؟ اُنظري ما حلّ بالصغيرة... ألم تجدي وصفاً أفظع من (حادث عفوي)؟؟ "

    نطقتْ أروى في وجس :

    " وليد ! "

    فرددتُ بانفعال :

    " أريد التفاصيل يا أروى؟ ما الذي يجعلكِ تتشاجرين مع رغد في منتصف الليل و على عتبات السلم ؟؟ أخبريني دون مراوغة فأنا رأسي بالكاد يقف على عنقي الآن "

    هنا أحسسنا بحركةٍ صدرتْ عن رغد فتوجهتْ أنظارنا جميعا إليها...
    فتحتْ رغد عينيها فتشدّقتُ بهما بلهفة... و اقتربتُ منها أكثر و ناديتُ بلطف :

    " رغد ... صغيرتي ... "

    الفتاة نظرتْ إليّ أولا ثم راحتْ تجوبُ بأنظارها فيما حولها و حين وقعتْ على أروى و القابعة على مقربة فجأة... تغيّر لونها و احتقنتْ الدماء في وجهها وصاحتْ :

    " لا... أبْعِدْها عني... أبْعِدْها عنّي... "

    أروى قفزتْ واقفةً بذعر... و الخالة مدّتْ يديها إلى رغد تتلو البسملة و تذكر أسماء الله محاولة تهدئتها...

    أمسكتُ بيد رغد غير المصابة و أنا أكرر :

    " بسم الله عليك ِ ... بسم الله عليك ِ ... اهدئي رغد أرجوك ِ ... "

    رغد نظرتْ إليّ و صاحتْ بقوة:

    " أبْعِدْها عني... لا أريد أن أراها... أبعدها... أبعدها ... أبعدها "

    التفتُ إلى أروى و صرختُ:

    " ما الذي فعلتِه بالفتاة يا أروى؟؟ أُخرجي الآن "

    أم أروى قالتْ معترضةً :

    " وليد ! "

    فقلتُ غاضباً :

    " ألا ترين حال الصغيرة ؟؟ "

    و أتممتُ موجهاً الكلام إلى أروى :

    " أُخرُجي يا أروى... أنا ما كدتُ أصدّق أنها هدأتْ قليلا... ابقي في الخارج هيّا "

    و أروى سرعان ما أذعنتْ للأمر و هرولتْ إلى الخارج... حينها التفتُ إلى رغد و أنا أحاول تهدئتها :

    " ها قد ذهبتْ ... أرجوك اهدئي يا صغيرتي... بسم الله عليكِ و يحفظكِ ... "

    لكنها قالتْ و هي لا تتمالك نفسها:

    " لا أريد أن أراها... أبْعِدْها عني... أتتْ تشمتُ بي... إنها السبب... أنا لا أطيقها...قلتُ لك لا أريد أن أراها... لماذا سمحتَ لها بالمجيء؟؟ هل تريد قتلي؟ أنتَ تريد لي الموت... لماذا تفعل هذا بي يا وليد ؟؟ ألا يكفي ما أنا فيه؟؟ لماذا قـُل لماذا... لماذا ؟؟ "

    جمّدني الذهول حتّى عن استيعاب ما أسمعه... لا أدري إن كان هذا ما قالته بالفعل أو إن كانت رغد هي التي تتكلّم الآن... أنا لن أؤكد لكم بسماعي شيء... إن أذنيّ فقدتا حاسة السمع و دماغي فقد القدرة على الفهم و ذاكرتي أُتْلفتْ من كميّة الفزع المهولة التي اجتاحتني منذ البارحة و لا تزال تدكّ عظامي دكا ً...

    ثوان ٍ و إذا بالممرضة تدخل الغرفة و تسأل:

    " ما الذي حدث ؟؟ "

    ترددتُ ببصري بين رغد الثائرة و الممرضة... ثم هتفتُ منفعلاً و موجهاً كلامي لها :

    " أين هو طبيبكم دعوهُ يرى ما الذي حدث للفتاة إنها ليستْ بخير... ليستْ بخير..."

    و بعدها جاء الطبيب - و هو غير الجراح الذي أجرى لرغد العملية - و لم تسمح له رغد بفحصها بل صرختْ :

    " أخرجوا جميعكم... لا أريدكم... ابتعدوا عني... أيها المتوحشون "

    جنّ جنون الفتاة... و تصرّفتْ بشكل أقرب للهستيريا... نعتتنا بالوحوش و الأوغاد... و حاولتْ النهوض عن السرير... و نزعتْ أنبوب المصل الوريدي من ذراعها فتدفقتْ الدماء الحمراء ملوّنة الألحفة البيضاء... و سال المصل مبللاً ما حوله... و عندما حاولتْ الممرضة السيطرة على النزيف زجرتها رغد بعنفٍ و رمتها بالوسادة التي كانتْ تنام عليها...

    " ابتعدوا عنّي... أيها الأوغاد... أخرجوا من هنا... لا أريد أحداً معي... أكرهكم جميعاً... أكرهكم جميعاً..."

    لدى رؤيتي الحالة المهولة لصغيرتي أصابني انهيار لا يضاهيه انهيار... و تفاقمتْ شكوكي بأنها جنّتْ... لا قدّر الله... و بنبرةٍ عنيفةٍ طلبتُ من... لا بل أمرتُ كلاً من الخالة و الطبيب و الممرضة بالمغادرة فوراً... علّي أفلح في تهدئة صغيرتي بمفردي... لقد كنتُ مذهول العقل عليها و أريد أن أطمئن إلى أنها بالفعل لم تُجن !

    أذعنوا لأمري و طيور القلق محلّقة فوق رؤوسهم... و بعد أن خرجوا التفتُ إلى صغيرتي و التي كانت لا تزال تردد بانفعال:

    " اخرجوا جميعكم ابتعدوا عنّي... "

    قلتُ و أنا أسير عكس اتجاه أمرها و أراقب ثورتها و بالكاد تحملني مفاصلي من فزعي على حالها:

    " لقد خرجوا يا رغد... إنه أنا وليد... "

    و ازدردتُ ريقي :

    " هل تريدينني أن أخرج أنا أيضا ؟ "

    هذا أنا وليد... هل ترينني؟ هل تميزينني...؟ هل تعين ما تفعلين يا رغد؟ بالله عليك لا تجننيني معك...

    رغد نظرتْ إليّ و هي لا تزال على انفعالها و قالتْ :

    " أنتَ أحضرتها إليّ... تريدان قتلي غيظاً... أنتما تكرهانني... كلكم تكرهونني... كلكم متوحشون... كلّكم أوغاد... "

    طار طائر عقلي... انفصمتْ مفاصلي... هويتُ على السرير قربها... مددتُ يديّ بضعف شديد إلى كتفيها و نطقتُ :

    " رغد... ما الذي تهذين به؟؟ ماذا أصاب عقلك أنبئيني بربّك؟؟ آه يا إلهي هل ارتطم رأسكِ بالسلّم ؟؟ هذا أنا وليد... وليد يا رغد... وليد... هل تعين ما تقولين؟؟ ردي عليّ قبل أن أفقد عقلي ؟ "

    و إذا بي أشعر بحرارة في جفوني... و بشيء ما يتحرّك على عينيّ...

    رغد حملقتْ بي برهة و قد توقـّفتْ عن الصراخ... ثمّ أخذتْ تئِنّ أنين المرضى أو المحتضرين... و هي تنظر إليّ... و أنا أكاد أفقد وعيي من شدّة الذهول و الهلع...
    اقتربتُ منها أكثر... أسحب ثقل جسدي سحباً... حتّى صرتُ أمامها مباشرة. حركتُ يديّ من على كتفيها و شددتُ على يدها السليمة إن لأدعمها أو لأستمد بعض الدعم منها... لكنها سحبتْ يدها من قبضتي... ثم رفعتها نحو صدري و راحتْ تضربني... بكلتا يديها
    ضرباتها كانتْ ضعيفة قويّة... مواسية و طاعنة... غاضبة و خائفة... في آن واحد... و فوق فظاعة من أنا فيه رمتني في زوبعة الذكريات الماضية... الماضي الجميل... حيث كانتْ قبضة صغيرتي تصفع صدري عندما يشتدّ بها الغضب منّي...

    استفقتُ من الشلل الذي ألمّ بحواسي و إدراكي على صوتها تقول بانهيار:

    " لماذا أحضرتها إلى هنا ؟ تودّون السخرية منّي؟؟ أنتم وحوش... أكرهكم جميعاً "

    صحتُ منكسرا:

    " لا ! كلا... أنتِ لا تعنين ما تقولين يا رغد ! أنتِ تهذين... أنتِ غير واعية... لا ترين من أمامكِ... أنا وليد... انظري إليّ جيدا... أرجوك يا رغد... سيزول عقلي بسببكِ... آه يا رب... إلا هذا يا رب... أرجوك... أرجوك يا رب... إلا صغيرتي... لا احتمل هذا... لا احتمل هذا... "

    أمسكتُ بيديها محاولاً إعاقتها عن الاستمرار في ضربي و لكن بلطفٍ خشية أن أوجعها...

    " توقـّفي يا رغد أرجوكِ ستؤذين يدكِ... أرجوكِ كفى... أنتِ لا تدركين ما تفعلين..."

    لكنها استمرّتْ تحركهما بعشوائية يمينا و يسارا و هما قيد قبضتَيّ ، ثم نظرتْ إلى الجبيرة و امتقع وجهها و صاحتْ بألم:

    " آه يدي..."

    تمزّقتُ لتألمها... أطلقتُ صراح يديها ثم حرّكتُهما بحذرٍ و لطفٍ دون أن تقاومني، و أرخيتهما على السرير إلى جانبيها و سحبتُ اللحاف و غطيتهما... و قلتُ :

    " سلامتكِ يا رغد... أرجوكِ ابقي هادئة... لا تحرّكيها... أرجوكِ... عودي للنوم صغيرتي... أنتِ بحاجة للراحة... نامي قليلا بعد "

    فأخذتْ تنظر إليّ و في عينيها خوفٌ و اتهامٌ... و عتابٌ قاسٍ... و أنظر إليها و في عينيّ رجاءٌ و توسّلٌ و هلعٌ كبير... كانت أعيننا قريبةً من بعضها ما جعل النظرات تصطدم ببعضها بشدّة...

    قلتُ و أنا أرى كلّ المعاني في عينيها... و أشعر بها تحدّق بي بقوّة :

    " أرجوكِ صغيرتي اهدئي... لن يحدث شيءٌ لا تريدينه... لن أدعها تأتي ثانيةً لكن سألتكِ بالله أن تسترخي و تهدّئي من روعكِ... أرجوكِ... "

    رغد بعد هذه الحصّة الطويلة من النظرات القوية... هدأتْ و سكنتْ و أغمضتْ عينيها و أخذتْ تتنفس بعمق... مرّتْ لحظة صامتة ما كان أطولها و أقصرها... بعدها سمعتُ رغد تقول للغرابة:

    " هل سأستطيع رسم اللوحة ؟ "

    نظرتُ إلى وجهها بتشتتٍ... و هو مغمض العينين و كأحجية غامضة و مقفلة الحلول...

    أي لوحة بعد ؟؟

    قلتُ :

    " أي لوحة ؟ "

    رغد حرّكتْ يدها المجبّرة ثم قالتْ:

    " لكنني رسمتها في قلبي... حيث أعيد رسمها كل يوم... و حتى لو لم أستطع المشي... احملني على كتفيك... أريد أن أطير إلى أمي"

    ثم اكفهرّ وجهها و قالتْ :

    " آه... أمّي..."

    و صمتتْ فجأة...
    بعد كل ذلك الجنون... و الهذيان... صمتتْ الصغيرة فجأة و لم تعد تتحرّك... حملقتُ في وجهها فرأيتُ قطرة يتيمة من الدموع الحزينة... تسيل راحلة على جانب وجهها ثم تسقط على الوسادة ... فتشربها بشراهة... و تختفي...
    ناديتُها و لم ترد... ربّتُ عليها بلطفٍ فلم تُحس... هززتها بخفة ثم ببعض القوة فلم تستجب... خشيتُ أن يكون شيئا قد أصابها فجأة... فقد كانتْ قبل ثوانٍ تصرخ ثائرة و الآن لا تتحرّك... و لا تستجيب... ناديتُ بصوتٍ عالٍ:

    " أيها الطبيب... أيتها الممرّضة..."

    و كان الاثنان يقفان خلف الباب و سرعان ما دخلا و أقبلا نحونا

    قلتُ هلِعاً :

    " أنظرا ماذا حدث لها... إنها لا تردّ عليّ... "

    الطبيب و الممرّضة اقتربا لفحصها فابتعدتُ لأفسح لهما المجال... أوصل الطبيب جهاز قياس النبض بإصبع رغد و تفحّصها ثم أمر الممرّضة بإعادة غرس أنبوب المصل في أحد عروقها فباشرتْ الممرضة بفعل ذلك دون أي مقاومة أو ردّة فعل من رغد... الأمر الذي ضاعف خوفي أكثر فأكثر...
    جلبتْ الممرضة عبوة مصل أخرى و جعلتْ السائل يتدفق بسرعة إلى جسد رغد ثم أعادتْ فحصها و قياس ضغط دمها... و خاطبتْ رغد سائلةً:

    " هل أنتِ بخير؟؟ كيف تشعرين؟؟ "

    رغد عند هذا فتحتْ عينيها و نظرتْ إلى الاثنين و كأنها للتو تدرك وجودهما فعبستْ و قالتْ زاجرة:

    " ابتعدا عنّي "

    لكنّها كانت مستسلمة بين أيديهما.

    سألتها بدوري في قلق :

    " رغد هل أنتِ بخير ؟؟ "

    فرّدتْ و هي تشيح بوجهها و تحرّك يدها المصابة :

    " ابتعدوا عنّي... دعوني و شأني... متوحشون... آه... يدي تؤلمني "

    استدرتُ إلى الطبيب و الذي كان يتحسّس نبض رسغها الأيسر و سألتُ:

    " ما حلّ بها؟؟... طمئنّي؟؟ "

    أجاب :

    " ضغطها انخفض... لكن لا تقلق سيتحسّن بعد قليل "

    سألتُ مفزوعاً :

    " ضغطها ماذا ؟؟ انخفض؟؟ لماذا ؟ طمئنّي أرجوك هل هي بخير ؟؟ "

    نظر إليّ نظرة تعاطف و طمأنة و قال :

    " اطمئن. سيتحسّن بسرعة. إنها نزعتْ الأنبوب من يدها فجأة... و كان المصل يحتوي مسكنا للألم يجب أن يُخفّف بالتدريج كي لا يسبّب هبوطاً مفاجئاً في ضغط الدم. الوضع تحت السيطرة فلا تقلق "

    و كيف لا أقلق و أنا أرى من أمر صغيرتي العجب ؟؟

    قلتُ مستميتاً إلى المزيد من الطمأنة :

    " كانتْ غير طبيعية البتة... ألا تظن أنه ربّما أُصيب رأسها بشيء؟؟... إنّها تهذي و تتصرّف على غير سجيتها... أرجوك تأكّد من أن دماغها بخير "

    قال الطبيب :

    " نحن متأكدون من عدم إصابة الرأس بشيء و الحمد لله. لكن الواضح أنّ نفسيّتها متعبة من جرّاء الحادث، و هذا أمرٌ ليس مستبعداً و يحدث لدى الكثيرين.. تحتاج إلى الدعم المعنوي و أن تكونوا إلى جانبها "

    قلتُ متفاعلاً مع جملته الأخيرة:

    " إنها لا تريد منّا الاقتراب منها "

    و كأنّ رغد لم تسمع غير تعقيبي هذا فالتفتتْ إلينا و قالتْ :

    " دعوني و شأني "

    ثمّ سحبتْ يدها من يد الطبيب و أمسكتْ باللحاف و خبأتْ رأسها تحته كلياً...
    و طلبتْ منّا أن نخرج جميعا و هذتْ بكلمات جنونية لم أفهم لها معنى...

    نظرتُ إلى الطبيب بقلقٍ شديد :

    " أظنّها جُنّتْ... يا دكتور.. افعل شيئا أرجوك... ربّما جنّتْ ! "

    قال :

    " كلا كلا... لا سمح الله. كما قلتُ نفسيتها متعبة... سأعطيها منوماً خفيفاً "

    و بقيتْ رغد على حالها و سمعتها تقول و وجهها مغمور تحت اللحاف:

    " لا تُعِدها إلى بيتنا ثانية... لا أريد أن أراها ... أبدا "

    و كررتْ و هي تشدّ على صوتها :

    " أبدا... هل تسمعني ؟ أبدا "

    و لمّا لم تسمع ردا قالتْ :

    " هل تسمعني؟؟ وليد إلى أين ذهبت ؟ "

    لقد كانتْ تخاطبني من تحت اللحاف... و أنا لا أعرف إن كانت تعني ما تقول...
    قلتُ و أنا أقترب لأُشعرها بوجودي فيما صوتي منكسر و موهون :

    " أنا هنا... نعم أسمع... حاضر... سأفعل ما تطلبين... لكن أرجوك اهدئي الآن صغيرتي... أرجوكِ فما عاد بي طاقة بعد"

    قالتْ:

    " إنها السبب "

    أثار كلامها اهتمامي... سألتُها :

    " ماذا تعنين؟؟ "

    و لم ترد...

    فقلتُ :

    " أ تعنين أنّ أروى... "

    و لم أتمّ جملتي، إذ أنها صرختْ فجأة :

    " لا تذكر اسمها أمامي "

    قلتُ بسرعة و توتّر:

    " حسناً حسناً... أرجوكِ لا تضطربي "

    فسكنتْ و صمتتْ قليلا... ثم سمعتها و للذهول تقول :

    " أريد أمّي "

    شقّت كلمتها قلبي إلى نصفين...
    الممرضة سألتني :

    " أين والدتها؟ "

    فعضضتُ على أسناني ألماً و أجبتُ بصوتٍ خافتٍ :

    " متوفّاة "

    حرّكتْ رغد رأسها من تحت اللحاف و راحتْ تنادي باكية :

    " آه... أمي... أبي... عودا إليّ... لقد كسروا عظامي... هل تسمحان بهذا؟ أنا مدللتكما الغالية... كيف تتركاني هكذا... لا استطيع النهوض... آه... يدي تؤلمني... ساعداني... أرجوكما... لا تتركاني وحدي... من لي بعدكما... عودا إليّ... أرجوكما... عودا... "

    الغرفة تشبعتْ ببخار الدموع المغلية التي لم تكد تنسكب على وجنتيّ حتى تبخّرتْ ... والتنفس أصبح صعبا داخل الغرفة المغمورة بالدموع...

    طلبتُ بنفسي من الطبيب إعطاءها المنوّم الجديد في الحال... حتّى تنام و تكفّ عن النحيب الذي أفجع كلّ ذرّات جسمي... و قطّع نياط قلبي... و أثار حزن و شفقة حتّى الجدران و الأسقف... و بعد أمره أعطتها الممرضة جرعة من المنوم الذي سرعان ما أرسل رغد في دقائق إلى عالم النوم...

    و كم تمنيتُ لو أن جرعة أخرى قد حُقنتْ في أوردتي أنا أيضا...

    قالت الممرضة :

    " ها قد نامتْ "

    ثمّ أعادتْ قياس ضغط دمها مجددا و طمأنتني إلى أنه تحسّن... كما أن الطبيب أعاد فحص نبضها و أخبرني بأنه على ما يرام...

    بقي الاثنان ملازمين الغرفة إلى أن استقرّ وضع رغد تماما ثم خرج الطبيب و ظلّتْ الممرّضة تسجّل ملاحظاتها في ملف رغد...
    وجه رغد كان لا يزال مغمورا تحت اللحاف و خشيت أن يصعب تنفّسها فسحبته حتى بان وجهها كاملاً... و مخسوفاً

    كان... كتلةً من البؤس و اليتم... يصيب الناظر إليه بالعمى و يشيب شعره... و آثار واهية من الكدمات تلوّن شحوب وجنتيه الهزيلتين...

    قالتْ الممرضة و هي ترى التوتر يجتاحني و أنا أتأمّل وجه الفتاة:

    " تبدو محبطةً جدا... من المستحسن أن تأتي شقيقاتها أو المقرّبات لديها لتشجيعها. الفتيات في مثل هذا السن مفرطات الإحساس و يتأثرن بسرعة حتى من أتفه الأمور فما بالكَ بإصابة بالغة..! "

    أي شقيقات و أي قريبات ! أنتِ لا تدركين شيئاً...

    ثم تابعتْ تكتب في الملف و أنا قابع إلى جوار رغد أتأمل كآبتها و أتألّم...

    خاطبتني الممرضة :

    " عفوا يا سيّد و لكنّي لاحظتُ شيئا... أريد التأكّد... إذ يبدو أنّ هناك خطأ في معلومات الكمبيوتر... هل اسم والدكما هو شاكر أم ياسر ؟؟ "

    التفتُ إليها و قلتُ :

    " رغد ياسر جليل آل شاكر... و أنا وليد شاكر جليل آل شاكر "

    نظرتْ إليّ الممرضة بتعجّب و علقتْ :

    " لستما شقيقين؟!"

    قلتُ :

    " إنها ابنة عمّي، و ابنتي بالوصاية "

    زاد العجب على تعبيراتها و أوشكتْ على قول شيء لكنها سكتت و اكتفت بهز رأسها.

    أثناء نوم رغد... أعدتُ استعراض شريط ما حصل منذ أفاقتْ قبل قليل إلى أن عادتْ للنوم محاولا تذكّر ما قالته و استيعاب تصرّفاتها... و تذكّرتُ جملتها ( إنها السبب ) و التي أشارتْ بها إلى أروى...
    تباً لكِ يا أروى...
    كبرتْ الفكرة في رأسي و تلاعبتْ بها الشياطين و لم أعد بقادر على حملها... و أردتُ التحدّث مع أروى حالاً...

    طمأنتُ قلبي قليلا على سلامة الصغيرة و تأكدتُ من نومها، ثم طلبتُ من الممرّضة أن تبقى ملازمةً معها لحين عودتي، و خرجتُ من الغرفة بحثاً عن أروى و الخالة فوجدتهما تجلسان على مقربةٍ...
    وقفتْ الاثنتان بقلقٍ لدى رؤيتي... أنظاري انصبّتْ على أروى و بدأتْ عيناي تتقدان احمرارا...

    الخالة سألتْ :

    " كيف هي الآن ؟ "

    لم أجبها... إنما اتجهتُ مباشرة إلى أروى و قلتُ بحدة :

    " ما الذي فعلتِه برغد ؟ "

    التعجّب و الذعر ارتسما على وجه أروى... و لم تتحدّث...
    يدي تحرّكتْ نحو ذراعها فأطبقتُ عليه بقسوة و كررتُ بحدّة أكبر :

    " أجيبي ... ما الذي فعلتِه برغد ؟؟ "

    الخالة تدخّلتْ قائلة :

    " ماذا عساها تكون قد فعلتْ ؟ لقد وقعتا سويةً "

    ضغطتُ بقوّة أكبر على ذراع أروى و صحتُ بوجهها :

    " تكلّمي "

    أروى حاولتْ التملّص من قبضتي عبثا... ثم استسلمتْ و قالتْ :

    " كان حادثا... هل تظنّ أنني دفعتُ بها ؟ هل أنا مجنونة لأفعل ذلك؟؟ "

    بخشونةٍ دفعتُ بأروى حتى صدمتها بالجدار الذي كانت تقف أمامه و قلتُ ثائراً :

    " بل أنا المجنون ... لأفعل أي شيء... انتقاماً لها... "

    الخالة اقتربتْ منا و قالتْ :

    " وليد ! ماذا دهاك ؟؟ الناس يمرون من حولنا "

    أخفضتُ صوتي و أنا أضغط على كتفَي أروى الملصقتين بالجدار أكاد أسحقهما به :

    " الفتاة بحالةٍ سيئةٍ... أسوأ من سيّئةٍ... إصابتها بالغةٌ و نفسيّتها منهارةٌ... تتصرّف بغرابة... و تقول أنّكِ السبب... و تنفر منكِ بشدّة... لا تقولي أنّك لم تفعلي شيئاً... أخبريني ما الذي فعلتِه بها يا أروى تكلّمي ؟؟ "

    " وليد ! "

    صاحتْ أروى و حاولتْ التحرّر لكنني حشرتها بيني و بين الجدار و صحتُ :

    " قلتُ لك ِ مراراً... لا تقتربي منها... إلاّ رغد يا أروى...إلاّ رغد... أي شيءٍ في هذا الكون إلاّ رغد... أنا لا أقبل أن يصيب خدش ٌ أظافرها... و لا يكفيني فيها غير إزهاق الأرواح... و أقسم يا أروى... أقسم بالله العظيم... إن أصاب الفتاة شيءٌ... في عقلها أو جسمها... و كنتِ أنتِ السبب بشكلٍ أو بآخر... فسترين منّي شيئاً لم تريه في حياتك قط... أقسم أنني سأعاقبكِ بأبشع طريقةٍ... و إن اضطررتُ لكسر عظامك كلّها و سحقها بيدي ّ هاتين "

    و جذبتُ أروى قليلاً ثم ضربتها بالجدار بعنفٍ مرة أخرى...



    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 18:59

    و بعد نحو الساعة اصطحبني إلى المنزل، و تركنا أمّي مع رغد... و التي كانت تغط في نومٍ عميقٍ بعد جرعةٍ من المخدّر...
    وليد لم يتحدّث معي طوال الوقت... بل كان ذهنه شارداً لأبعد حدود... و فور وصولي للمنزل ذهبتُ إلى غرفتي مباشرة و أخذتُ أبكي إلى أن تصدّع رأسي فأويتُ إلى الفراش...
    عندما استيقظتُ لم أكن بحالة أفضل إلا قليلاً و قرّرتُ أن أخبر وليد بتفاصيل ما حصل البارحة... حتى تتضح له الحقيقة و يتوقـّف عن توجيه الاتهام الفظيع لي.

    لم أكن قد نمتُ غير ساعةٍ أو نحو ذلك... و توقّعتُ أن أجد وليد مستلق ٍ على سريره في غرفته و لكنني لم أجد له أثراً في المنزل...
    و استنتجتُ أنه عاد إلى المستشفى...
    أنا لا أدري ما القصّة التي قصّتها رغد عليه للحادث بيد أنني لا استبعد أن تكون قد أوهمته بأنني دفعتُ بها عمداً من أعلى الدرج...

    لكن.. و الله يشهد على قولي... كان ذلك حادثاً غير مقصودٍ إطلاقا... و لو كنتُ أتوقّع أن ينتهي بها الأمر إلى غرفة العمليات لما كنتُ اعترضتُ طريقها و لتركتها تحمل هاتف زوجي إليه و أنا أتفرّج...

    (زوجي) كلمة لم أعرف معناها... كما لا أعرف حقيقة الوجه الآخر لوليد
    فالنظرات و التهديدات و الطريقة الفظّة العنيفة التي عاملني بها هذا الصباح تكشف لي جوانب مرعبة من وليد لم أكن لأتوقّعها أو لأصدّق وجودها فيه... و قد بدأتْ بالظهور الآن...
    هذا الرجل قتل شخصاً عندما كان في قمّة الغضب... و مهما كان السبب فإن الخلاصة هي أن الغضب قد يصل بوليد إلى حد القتل !

    اقشعرّ بدني من الفكرة البشعة فأزحتها بعيداً عن تفكيري هذه الساعة و حاولتُ شغل نفسي بأشياء أخرى... كترتيب و تنظيم أثاث المنزل و ما إلى ذلك...

    كنتُ قد رأيتُ فراش وليد مبعثراً حين دخلتُ غرفته بحثاً عنه... و الآن عدتُ إليها لأرتّب الفراش و أعيد تنظيم الغرفة... كالمعتاد
    و أثناء ذلك، و فيما أنا أرفع إحدى الوسائد رأيتُ شيئاً غريباً !
    كانت ورقة فوتوغرافية ممزّقـَة... و أجزاؤها موضوعة تحت الوسادة
    بفضولٍ جمعتُ الأجزاء و شرعتُ بإعادة تركيبها إلى أن اكتملتْ الصورة الفوتوغرافية
    فظهرتْ صورةٌ لطفلةٍ تبتسم و بيدها دفتر رسم للأطفال و أقلام تلوين...
    و من التاريخ اتّضح لي أنها التُقِطتْ قبل نحو 13 عاماً...

    الأمر أثار فضولي الشديد و تعجّبي... لـِمَ يضعُ وليد صورة قديمة و ممزّقة لطفلةٍ ما تحت وسادته ؟؟
    لكن لحظة !
    دقّقتُ النظر إلى ملامح تلك الطفلة... و إذا لم تكن استنتاجاتي خاطئةً فأعتقد أنني عرفتُ من تكون.... !

    دعوني وحدي رجاء ً !

    أنا في حالة ذهول ... و لا أريد قول المزيد !





    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~













    ظلّتْ رغد نائمة لثلاث ساعات أخرى بعد المنوّم و أنا و الخالة إلى جانبها...

    كنتُ أراقب أي تغيّر يطرأ عليها... الصغيرة كانت تهذي أثناء نومها و ذكرتْ أمّي أكثر من مرّة... و كانتْ في كل مرّة... تطعن قلبي دون أن تدرك...

    تركناها تنام دون أي محاولةٍ لإيقاظها... إذ كنتُ في خشيةٍ من أن تداهما الحالة العصبية الجنونية تلك مرّة أخرى...


    و عندما فتحتْ عينيها تلقائيا ً تسارعتْ نبضات قلبي قلقاً… و تشدّقت بها عيناي مستشفـّتيـْن حالتها… بدتْ هادئة و مستسلمة... نظرتْ من حولها و لم تُظهر أية ردّة فعل … كانت متقبّلة لوجودنا أنا و الخالة إلى جوارها... تركناها بصمتٍ في انتظار أي كلمةٍ أو حركة ٍ أو إشارة ٍ منها، و لمّا لم يصدر عنها شيءٌ، و للهفتي في الاطمئنان عليها، تجرّأتُ و سألتها بتردد:


    " صحوة حميدة صغيرتي... هل أنتِ بخير؟ "

    هربتْ رغد من نظراتي و رأيتُ فمها يتقوّس للأسفل... لكنها تمالكتْ نفسها و لم تبكِ...

    هنا حضر الطبيب المشرف على رعايتها... لتفقدها و قد تجاوبتْ مع أوامره و أخبرته أنها لم تعد تشعر بالألم. تحدث إليها مشجعا و طمأنها إلى أنها تحسّنتْ كثيرا و حاول حثـّها على تناول الطعام، لكنها بطبيعة الحال رفضتْه.

    على الأقل أنا مطمئنٌ أكثر الآن إلى أنها لم تُجنّ، و أن حالتها النفسية الفظيعة تلك قد زالتْ... و أن ضغط دمها مستقر و الحمد لله...

    بعد خروج الطبيب التفتُّ إليها مجدداً و سألتها :

    " صغيرتي... أخبريني ... هل تشعرين بتحسّن؟ "

    كنتُ متلهفاً جدا لسماع أي كلمةٍ مطمئنةٍ منها هي... فأنا لا يهمّني فقط أن يكون وضعها الصحي مستقراً... بل أريد أن تشعر هي بأنها بخير و تخبرني بذلك...
    حرّكتْ رغد يدها اليسرى نحوي فأسرعتُ بضمها بين أصابعي مؤازرة ً... و قلتُ :

    " أنتِ بخير... ألستِ كذلك؟ ..."

    كانت تنظر إليّ و لكنها لم تجب.. بدتْ غارقة في بئر من الحزن... رققتُ لحالها و قلتُ مشجعا:

    " كلّميني يا رغد أرجوكِ... قولي لي أنكِ بخير...؟؟ أنا أحتاج لأن أسمع منكِ... "

    نطقتْ رغد أخيرا :

    " وليد "

    شددتُ على يدها و قلتُ بلهفة :

    " نعم صغيرتي... هنا إلى جانبك... أكاد أموتُ قلقا عليكِ... أرجوكِ... أخبريني أنكِ بخير... طمئنيني عليكِ و لو بكلمةٍ واحدةٍ... قولي لي أنّك بخير و أفضل الآن... هل أنتِ كذلك؟؟ "

    قالت رغد أخيرا... و هي تقرأ التوسل الشديد في عينيّ :

    " الحمد لله "

    كررتُ بامتنان :

    " الحمدُ لله... الحمدُ لله "

    و عقّبتْ الخالة :

    " الحمد لله "

    حرّكتْ رغد يدها اليسرى نحو رجلها المصابة و بأطراف أصابعها ضربتْ فوق الجبيرة... ثم سألتْ :

    " كم ستظلّ هذه ؟ "

    كان الطبيب قد أخبرني مسبقا بأنها ستظلّ بالجبيرة بضعة أسابيع... و خشيتُ أن أذكر ذلك فتصاب الفتاة بإحباطٍ هي في غنىً تام عنه... فقلتُ :

    " ليس كثيراً كما أكّد الطبيب... كما أنك ِ ستغادرين المستشفى إن شاء الله خلال أيام"

    و الجملة طمأنتها قليلا... فصمتتْ ثم عادتْ تسأل :

    " و الجامعة ؟ "

    قلتُ :

    " سأتّصل بهم و أخبرهم عن أمركِ "

    قالت ْ و هي تستدير نحو الخالة ليندا :

    " و السفر ؟؟ "

    فأجابتْ الخالة :

    " نؤجّله إلى أن تتحسّن صحّتك و تستعيدين عافيتك إن شاء الله "

    فأخذتْ رغد تطيل النظر نحو يدها رجلها المصابتين… و تزفر التنهيدة خلف الأخرى بمرارة…

    مددتُ يدي مرّة أخرى و أخذتُ أمسح على جبيرة يدها المصابة مواسياً و أنا أقول:

    " اطمئنّي صغيرتي… بلاءٌ و سينفرج بإذن الله… ستتعافين بسرعةٍ بحوله تعالى "

    قالتْ و كأن في ذهنها هاجس ٌ تريد أن تستوثق منه :

    " هل سأستطيع المشي؟ "

    قلتُ بسرعة:

    " طبعا رغد… إصابتكِ ليستْ لهذه الدرجة "

    فقالتْ متشكّكة :

    " ألستَ تقول هذا لتهدئتي فقط ؟ لا تخف ِ عنّي شيئا "

    أجبتُ مؤكداً :

    " أبدا يا رغد.. أقسم لك أن هذا ما قاله الطبيب… هل كذبتُ عليكِ من قبل ؟؟ "

    و ليتني لم أسأل هذا السؤال… لأنها نظرتْ إليّ نظرةً قويّةً ثم قالتْ :

    " أنت أدرى "

    ابتلعتُ نظرتها و جملتها… و قد حضر بذهني كيف كانتْ في العام الماضي تنعتني بالكذاب، لأنني أخلفتُ بوعدي لها بألاّ أسافر دون علمها و سافرتُ مضطرا…

    الخالة ليندا قالتْ مؤيدة :

    " أكّد الطبيب ذلك على مسمعٍ منّي أنا أيضاً. ستشفين تماماً بمشيئة الله… تحلّي بالصبر و قوّي أملكِ بنيّتي "

    و سرتْ بعض الطمأنينة في قلب الصغيرة و إن بدا على وجهها شيء من القلق و هي تقول :

    " الحمد لله... المهم أن أعود و أمشي طبيعياً... و أرسم من جديد "

    و فهمتُ أن جلّ خوف رغد هو من أن تصاب بإعاقة لا قدّر الله في رجلها أو يدها... و صرفتُ الوقت في طمأنتها و تشجيعها و رفع معنوياتها....

    قضيتُ النهار بكامله مع رغد... ما بين قراءة القرآن و الاستماع لتلاوته عبر التلفاز... و مراقبة و دعم رغد بين الحين و الآخر... و اطمأننتُ و لله الحمد إلى زوال حالة الهذيان الغريبة التي انتابتها صباحاً

    و رغم الإرهاق الذي سيطر عليّ قاومتُ و تابعتُ إظهار صمودي و تماسكي و تأقلمي مع الوضع... من أجلها هي... من أجل أن تصمد و تتشجع و تستمد القوة منّي... و إن كان داخلي في الحقيقة منهاراً بشدّة...

    في وقت الزيارة حضر صديقي سيف و أحضر زوجته لزيارة رغد و وجدتها فرصةً جيّدة لتجد رغد من يواسيها قليلاً ... و لكي استمدّ بدوري بعض الدعم من صديقي الحميم و لأشكره و اعتذر إليه و إن كنتُ أعلم أنّ سيف لم يكن لينتظرهما... بقي سيف و زوجته معنا لدقائق معدودةٍ و قبيل مغادرتهما سألتُ سيف أن يصطحب خالتي من جديد إلى المنزل على أن يعود بها ليلا مع بعض حاجيات رغد...


    "و ماذا عنك يا رجل ؟ ألا تريد قسطاً من الراحة ؟؟ "

    سألني سيف و نحن نقف في الممر بجوار غرفة رغد و أنا مستندٌ على الجدار أنشد دعمه... و هو أمامي يرى آثار الإرهاق مستنجدةً على وجهي و جسدي...

    أجبتُ :

    " عندما تعود بالخالة ليلاً سأذهب للنوم... طلبتُ منها أن تبقى مرافِقةً لرغد طوال الليل... و أبقى أنا طوال النهار "

    سألني سيف :

    " و ماذا عن زوجتك ؟ "

    تنهّدتُ بمرارة ثم قلتُ :

    " آه... اسكتْ يا سيف و لا تأتِ بذكرها داخل المستشفى... لا تريد رؤيتها و لا حتّى سماع اسمها... آه لو تعرف ما الذي حصل لها صباحاً... جُنّ جنونها حين رأتها.... تنفر منها بشكلٍ مفزعٍ يا سيف... يبدو أنها من تسبّب في الحادث... بشكلٍ أو بآخر... و لو لم أتمالك نفسي اليوم لكنتُ ... "


    و صمتُ... إذ لم أشأ أن أعبّر عن مشاعر الغضب المجنونة أمام سيف... لكنني أعرف بأنه يدرك كل شيء...

    قلتُ :

    " ما كدتُ أصدّق أنها هدأتْ أخيراً... و لازلتُ متخوفاً من أنها قد تنهار في أيةِ لحظةٍ و لستُ مطمئناً لتركها وحدها مع الخالة... لكن... إنها مستشفى و لها قوانينها و أنظمتها و بقائي هنا طوال الوقت أمر غير لائق "


    بعد صمت ٍ قصير سألني :

    " كيف وقعتْ ؟ "

    أجبتُ :

    " لا أعرف يا سيف. تشاجرتْ مع أروى... هما و منذ أيام متخاصمتان... تشاجرتا معا و كانتا تقفان على درجات السلّم... و وقعتا سويةً... لكنّ الإصابة اختارتْ رغد "

    و تنفستُ عميقاً ثم قلتُ :

    " لم يحدث أن تعاركتا بالأيدي و لكن... يبدو أن هذا ما حصل على السلّم... فوقعتا... و أصيبتْ رغد "

    تنهدتُ و واصلتُ :

    " أنا خائفٌ عليها يا سيف... خائفٌ أن يسبّب الجرح مشكلةً مزمنة في رِجـْـل الفتاة... أو يدها"

    قال سيف مباشرة:

    " لا قدّر الله... تفاءل بالخير يا رجل "

    تنهدتُ مجددا و قلتُ :

    " الأمر بالنسبة لي... قضاء أحمد الله على لطفه فيه... و الطبيب طمأننا جداً... لكن... يظلّ خوفي الأساسي على الفتاة و نفسيتها... إنها صغيرةً و ضعيفةً جدا... لن تحتمل شيئاً كهذا... بل إنّ مجرّد تفكيرها في احتمال وقوعه يرسلها إلى الجحيم... الصغيرة قد لاقتْ من البلاء الكثير حتى اليوم... منذ الطفولة يا سيف و هي تعاني...
    اليتم... و عمّار القذر... و فقد والديّ... و الحرب... و التشرّد و الغربة و الوحدة... كل هذا... على قلب فتاة صغيرةٍ بريئةٍ هشّةٍ... قل لي يا سيف من يحتمل ذلك؟؟ و بعد هذا كسرٌ و جبرٌ و عكّاز... و إعاقة... إن عقل فتاتي يكاد يزول يا سيف... بل إنه قد بدأ يزول فعلاً "

    وقبضتُ يدي بشدة و في ألم مرير...
    سيف أمسك بقبضتي مشجعاً و حين شعرتُ بدعمه أطلقت ُ العنان لصدري أكثر ليبوح بمخاوفه...

    " أنا السبب الحقيقي في هذه الحادثة ! كنتُ أعرف أن التوتّر بينهما وصل حد الخطر... بل تجاوزه بكثير... كان يجب أن أبعدهما عن بعض منذ زمن... ليتني فعلتُ ذلك قبل فوات الأوان... تركتُ الأمر يصل إلى حد الكسر ! أوه يا إلهي ! أنا السبب... كيف أقابل ربّي؟؟ بأي وجه سألقى أبي و عمّي؟ و أمّي؟؟ ماذا سأقول لهم ؟؟ لقد أودعتموها أمانةً عظمى في عنقي و أنا... ببساطةٍ تركتها تتكسّـر ! "

    و ضربتُ رأسي بالجدار الذي كان خلفي غضباً من نفسي... و تمنيتُ لو أنه تحطّم... أو أن عظامي هي التي انكسرتْ و لا مسّ الصغيرة خدش ٌ واحد...
    سيف شدّ على يدي أكثر و نطق ببعض الكلمات المواسية... التي ما كان أحوجني إليها آنذاك...

    بعد ذلك سألني :

    " هل... عرف أقاربها بالأمر ؟ "

    فتحتُ قبضتي بسرعة و كأنني تذكّرتُهم الآن فقط... فقلتُ و أنا أهزّ رأسي :

    " كلا ! لن أخبرهم ! إنهم سيتهمونني بالتقصير في رعايتها... كانوا سيحرقونني بنظراتهم عندما أخذتها آخر مرّة من بيتهم... "

    و تذكرتُ الطريقة التي كانتْ أم حسام تخاطبني بها في آخر لقاء... و كيف قالتْ لي: (الله الله في اليتيمة) و كأنها كانتْ تشكُ في أنني سآتي بها يوماً ما مكسورة العظام...!

    و الأيام سترينا مدى صدق مخاوفي...

    قال سيف:

    " لا تحمّل نفسك الذنب يا وليد... فلنحمد الله على لطفه و ندعوه أن يعجّل الشفاء للمصابة و يجعل من وراء هذه الحادثة خيراً "

    ابتسمتُ بامتنان ثم عانقتُ صديقي مستمداً منه بعض الطاقة و الشجاعة...

    بعدها قال :

    " بلّغها تحياتي و أمنياتي بالشفاء العاجل... و إذا احتجتم لأي شيء أو أي مساعدة منّي أو من أم فادي فلا تترددوا رجاء ً "




    الساعة الثامنة مساء... انتهى وقتُ الزيارة... و أتت ْ إحدى موظفات المستشفى لتنبيهنا لذلك... و أنا واقفٌ إلى جوار رغد... و الخالة قد وصلتْ قبل قليل، و سيف قد غادر.

    نظرتُ إلى رغد نظرة متردّدة ثم قلتُ :

    " ستبقى الخالة برفقتكِ... اعتمدي عليها في أي شيء تريدينه و إذا احتجتما لي اتصلا في الحال "

    ظهر الاهتمام على قسمات وجه رغد و قالتْ :

    " إلى أين ستذهب ؟ "

    أجبتُ بلطف :

    " إلى البيت... إذ أنه لا يمكنني البقاء أكثر "

    و هنا رأينا رغد تستوي جالسة... و تقول معترضة و وجهها يصفر ّ قلقاً :

    " هل ستتركني وحدي ؟ "

    تبادلتُ و الخالة النظرات ثمّ قلتُ :

    " لا ... ستبقى خالتي معك "

    و إذا برغد تهتف :

    " أخرجني من هنا "

    وضعها ينذر بأنها على وشك الثوران... لم استطع قول شيء فقالتْ الخالة :

    " يهديك الله يا بنيّتي كيف يُخرجكِ هكذا ؟ "

    لكنّ رغد لم تكن تمزح... بل أبعدتْ اللحاف و أرادتْ النهوض فأسرعتُ باعتراضها و أنا أقول:

    " أوه كلا... أرجوكِ لا تتحرّكي "

    فصاحتْ مرتاعة:

    " كيف تذهب و تتركني؟ ألا ترى ما أنا فيه يا وليد؟ ألا ترى هذا ؟؟ "

    قلتُ بهلع:

    " حسناً حسناً ... سوف لن أذهب لكن أرجوك لا تنفعلي مجدداً... ابقـَي مكانك "

    و أنا أعيد إسنادها إلى الوسادة... و أتنهد ثم أمسح زخات العرق التي نبتتْ على جبيني و أضغط على صدغي لأخفـّف الصداع الذي تفاقم لحظتها... ثمّ أجلس على طرف السرير باستسلام...

    لابد أن التوتر و الضيق كانا فاضحين جداً على وجهي... للدرجة التي صعقتني رغد عندها بقول :

    " ماذا ؟ هل ضقتَ ذرعاً بي ؟ إذن ارم ِ بي من هذه النافذة و أرح نفسك "

    لا ! ليس من جديد... توقــّـفي عن جنونك يا رغد أرجوكِ كفى... كفى...

    زحفتُ نحوها و قلتُ بألم و ما بي من بقايا طاقة تحتمل المزيد:

    " ما الذي تقولينه يا رغد؟؟ أرجوك هذا يكفي "

    قالتْ صارخةً :

    " ألا ترى حالتي هذه؟؟ كيف تفكّر في الذهاب و تركي؟ ألا تشعر بما أنا فيه ؟ "

    إنّكِ أنتِ من لا يشعر بما أنا فيه يا رغد...

    قلتُ :

    " لا لم أفكّر في ترككِ ، و لكن نظام المستشفى لا يسمح ببقاء رجل برفقةِ مريضة في قسم السيدات. حتّى لو كان أباها. لذلك طلبتُ من الخالة مرافقتك"

    لكن رغد لم يعجبها هذا و أصرّتْ على أن أبقى معها تلك الليلة، و لم تكن حالتها تسمح بأن أتجاهل إصرارها...

    و رغم الحرج الشديد الذي واجهته و أنا أطلب من المسؤولين السماح لي بالبقاء هذه الليلة مع المريضة و المرافقة... تعاطفا ً مع حالتها النفسية، رضختُ لرغبة رغد و تكبّلتُ العناء و قضيتُ الليلة الثانية ساهراً إلى جوار صغيرتي... تاركاً أروى تبات وحيدة في المنزل الكبير...


    لم تكن ليلتي ليلة ً و لم يكن حالي حالاً... لا أنا و لا صغيرتي عرفنا للراحة طعماً... كنتُ أجلس على مقعد تحجبه عن سريرها الستارة... و لكنّي كنتُ أسمع كل حركاتها و تقلباتها و تأوّهاتها طوال الليل... كانتْ نوبات الألم تكرّ و تفرّ على عظام الصغيرة المكسورة و أنسجتها الممزقة... و الممرضة تأتي بين فترة وأخرى لإعطائها المسكّن...


    في صباح اليوم التالي سمحتْ لي رغد بالخروج على أن أعود عصرا ... و ما كادتْ تفعل.

    كان الإرهاق قد أخذ منّي ما أخذ و لم أكن قد نمتُ البارحة أبدا... غير غفوة قصيرة تملكتني بعد شروق الشمس. و يبدو أن الخالة قد نجحتْ في إقناعها بتركي أذهب أثناء غفوتي القصيرة أول الصباح.

    وقفتُ قرب رغد أسألها عن أي شيء أخير تريده قبل مغادرتي...

    " سآوي إلى فراشي مباشرةً ... و سأترك هاتفي عند وسادتي... اتصلا إن احتجتما أي شيء في أي وقت و بدون تردد"

    قلتُ و أنا أنقل بصري بين رغد و الخالة... رغد أومأتْ موافِقة، و الخالة قالتْ مطمئِنة:

    " لا تقلق يا بني. سنتصل عند الضرورة. اذهب و نم مطمئنا مسترخيا "

    التفتُ إلى رغد و أطلتُ النظر... لم يكن قلبي بقادر على المغادرة لكن و لم أثق في موافقتها هذه... لكنّي كنت في غاية الإرهاق و بحاجة ماسة للنوم...

    مددتُ يدي إليها و ربتُ على يدها و قلت ُ بصوت هادئ و حنون :

    " حسنا صغيرتي... أتركك ِ في رعاية الله... ابقي هادئة رجاءً ... سوف لن أطيل الغياب "

    الصغيرة شدّتْ على يدي و حملقتْ بي و ربما كان لسان حالها يقول (لا تذهب) لكنها أجبرتْ فمها على التقوس في شبه ابتسامة مترددة...

    و ما كان منّي إلا أن شددتُ على يدها و قلتُ أخيرا بأحن صوت:

    " أراكِ على خير و عافية... يا صغيرتي "


    و هكذا تركتها أخيرا و عدتُ إلى البيت مثقلا بالتعب و الهموم...
    في المنزل سرتُ ببطءٍ شديد حتى بلغتُ أسفل الدرج... و تذكرتُ صراخ رغد ليلة الحادثة فقرصني الألم في قلبي... صعدتُه خطوةً خطوة... و أنا مستمر في إنعاش صدى صرخاتها...
    و انعكاس صورة وجهها المتألم...
    و قادتني قدماي بشعور أو بغير شعور... ليس إلى غرفتي... بل إلى غرفتها...

    دخلتُ الغرفة متجاوزاً كل اعتبار... و أخذتُ أحلّق بأنظاري في أرجائها... و أعانق بيدي جدرانها...

    على الجدار الكائن خلف سرير رغد... كانتْ الورقة القديمة... للصورة التي رسمتها رغد لي... بشاربي الطويل... لا تزال تقف و منذ سنين... بكل بشموخ...

    لم تحتمل عيناي رؤيتها... وسرعان ما خرّتْ دموعي صريعة الأسى...
    جلستُ على حافة السرير... و مسّدتُ على الوسادة كما لو كانت هي صغيرتي... بكل عطف و حنان... فإذا بي أشعر بحبيبات رمل تعلق بكفي... و ألقي عليها نظرة فإذا بها ذرات السكر...
    جذبتها إليّ و ضممتها إلى صدري... و هو أمر لم استطع أن أقدّمه لفتاتي المرعوبة... عوضا عن وسادتها... و كلّما تذكّرتُ كيف كانت مرحة و سعيدة جدا و نحنُ في النزهة أوّل الليل... ثم كيف صارتْ كومة من البؤس و الألم و الصراخ... ملقاة على السرير الأبيض التعيس آخره... عصرتها أكثر بين ذراعي...

    انتابني شعور بنيران تحرق معدتي... و كأنها تنعصر قهراً مع الوسادة و تأوهتُ بألم...


    " آه يا رغد... "

    رفعتُ يدي من على الوسادة إلى السماء و زفرتُ الآهة مصحوبة باستغاثة يا رب...

    " يا رب... يا رب... أنت تعرف أنني لا أعزّ شيئا في هذه الدنيا مثل رغد... يا رب... أنا أتحمّل أيّ بلا ٍ ... إلا فيها... أتوسّل إليك يا رب... ألطـُف بحالي و حالها... أتوسّل إليك... اشفِها و أخرجها سالمةً... و أعدها كما كانتً... يا رب... خـُذ من صحّـتي و أعطِها... و خـُذ من عمري و هبها... خـُذ منّي أي شيء... كل شيء... و احفظها لي سالمة... هي فقط... أنا لا أتحمّل أن يصيبها أيّ شيء... يا رب... أيّ شيء.... إلاّ رغد يا رب... أرجوك... لا تفجعني فيها... أنا أختنق يا رب... إلهي... أرجوك... اجعل لي من لطفكِ فرجاً عاجلاً... عاجلاً يا رب... عاجلاً يا رب... يا رب... "


    و لو بقيتُ ها هنا لزهقتْ روحي من فرط المرارة ...
    غادرتُ غرفة رغد و أنا شاعرٌ بها تملأ رئتي... أزفرها و أستنشقها مع كل أنفاسي و أناتي...

    ذهبتُ إلى غرفتي و قضيتُ زمنا أناجي الله و أدعوه و أصلّي له... حتى سكنتْ نفسي و اطمأنّ قلبي و ارتاح بالي... و فوّضتُ أمري إلى الله اللطيف الرحيم...

    أخيرا ... رميتُ برأسي المثقل على الوسادة... و نشرتُ أطرافي على فراشي بعشوائية... أخيرا سأستسلم للنوم...

    أغمضتُ عينيّ بسلام... فإذا بي أتخيّل رغد من جديد... فتحتهما فرأيتها أمامي... لففتُ رأسي ذات اليمين ثم ذات الشمال... وكانت هي هناك... في كل مكان...

    رفعتُ وسادتي و وضعتها على وجهي لأحول دون صورة رغد التي لم ترحم بحالتي تلك الساعة...

    أرجوك ِ كفى! لماذا عدت ِ؟ دعيني أنام و لو لساعة! أرجوكِ يا رغد... رأفة ً بي...
    لكنني رأيتها تحت الوسادة و لو قلبتُ وجهي على السرير لرأيتها فوقه أيضا تحاصرني كالهواء من كل الجهات

    فجأة... تذكرتُ شيئا... لم يكن ينقصني تذكّره في تلك الساعة التعيسة...

    رفعتُ الوسادة عن رأسي و جلستُ و بحثتُ بعيني تحت موضعها... قلبتُ بقية الوسائد... أزحتُ البطانية و فتـّشتُ هنا و هناك و لم أعثر على رغد !

    " ربّاه ! أين اختفيت ِ فجأة ؟؟ "

    ذهبتُ فورا إلى محفظتي و شرّحتها تشريحا دون جدوى !

    فتشتُ أسفل السرير... و المنضدتين الجانبيتين و الأدراج... و كل مكان لم أكن لأترك فيه (رغد) ... ورغم أنها كانت موجودة في كلّ مكان، لم أجدها في أي مكان!

    " أروى ! لابد أنها هي ! "

    استنتجتُ فجأة...
    فخرجتُ من غرفتي و توجهتُ إلى غرفة أروى... و التي لم أكن قد رأيتها مذ تشاحنتُ معها صباحاً و نحن في المستشفى...

    لم أتردّد غير برهةٍ واحدةٍ بعدها طرقتُ الباب و ناديتُ :

    " أروى... هل أنتِ نائمة ؟؟ "

    الوقت كان مبكراً و خشيتُ أن تكون نائمةً، لكنني أعلم أنّ من عادتها النهوض باكراً كل صباح... أعدتُ الطرق فرأيتُ الباب يُـفتح بعد ثوان و تطلّ منه أروى بوجه قلِق.

    اللحظة الأولى مرّتْ صامتة ساكنة حتى عن الأنفاس... و باردة كليلة شتاء...

    " هل... كنتِ نائمة ؟ "

    سألتها بعد ذلك البرود فأجابتْ :

    " نعم..."

    و سألتْ بقلق :

    " ماذا هناك؟؟ "

    رددتُ :

    " آسف لأنني أيقظتكِ "

    قالتْ :

    " كنتُ سأصحو قريبا على أية حال... لكن ماذا هناك ؟ متى عدتما؟ "

    قاصدة إياي و الخالة، قلتُ :

    " خالتي ظلّتْ مع رغد"

    و كأنّ ذكر (رغد) أثار في وجه أروى بعض التعبيرات المنزعجة... و سرعان ما نقلتْ بصرها بعيدا عنّي...

    قلتُ :

    " كنتُ سأسألك ِ سؤالا "

    التفتتْ إليّ و قالتْ مباشرة :

    " و أنا أيضا أود أن نتحدّث يا وليد... "

    و هي تفتح الباب أكثر... فرددتُ :

    " كلا ليس هذا وقته. أنا متعب جدا و لا يحتمل رأسي أي شيء... و لا شيء "

    و كأن إجابتي أصابتها بإحباطٍ مما بدا على وجهها...

    تابعتُ :

    " فقط أخبريني... ألستِ من قام بترتيب غرفة نومي؟ "

    و كانتْ عادتها أن تفعل ذلك. لم تجب أروى مباشرة... بل أخذتْ لحظة تفكّر... ثم قالتْ :

    " بلى "

    قلتُ :

    " و... هل رأيتِ شيئا قرب وسائد سريري؟ أعني... هل أخذتِ شيئا من هناك ؟ "

    ربما لمعتْ عينا أروى بشكل لم أفهمه... رمقتني بنظرة حادّة لا تتناسب و برودة اللحظة... ثم قالتْ :

    " شيء مثل ماذا ؟؟ "

    و فهمتُ من ذلك أنها رأتْ الصورة الممزقة... فعضضتُ على أسناني ثم قلتُ :

    " أين وضعتِها ؟ "

    أروى رفعتْ حاجبيها و قالت ْ :

    " القصاصات الممزقة ؟"

    تشبثتْ عيناي بعينيها أكثر، إجابة على السؤال.. فتابعتْ هي :

    " لقد... ألقيتُ بها في سلّة المهملات "

    ماذا تقولين ؟؟ لم أسمع جيدا ؟؟ سلّة ماذا ؟؟
    قلتُ بدهشة ممزوجة بعدم التصديق :

    " ماذا؟؟ رميت ِ بها ؟؟ "

    لم تعقـّبْ أروى... فكرّرتُ و قد اشتدّ صوتي و بدأتْ ألهبة النار تتراقص في عيني :

    " تقولين رميت ِ بها ؟؟ "

    و من البرود الذي صافحني به وجهها اشتعلتْ النيران في رأسي كليا...

    " أروى !! رميتِ بها ؟؟ بهذه البساطة؟؟ و من أعطاك الحق بهذا التصرف؟ أوه... أروى ويحك !! في المرة السابقة رميتِ بالصندوق و الآن بالصورة.... كيف تسمحين لنفسك ِ بهذا؟؟ "

    و لم يتجاوز ردّ أروى حدّ النظرات الصامتة !

    " أخبريني في أي سلّة رميتِ بها ؟ "

    دارتْ عين أروى قليلا و كأنّها تحاول التذكّر ثم قالتْ:

    " أظن ... أن الخادمة قد أخرجتْ جميع أكياس المهملات إلى سلــّـة الشارع"

    حينها لم أتمالك نفسي!

    صرختُ بوجه أروى بعنف... و أحرقته بنار الغضب ...
    أطبقتُ على ذراعيها و هززتـُها بقوّة و ركلتُ الباب ركلة عنيفة أوشكتْ على كسر عظام قدمي الحافية...

    " ما الذي فعلتِه يا أروى ؟؟ لا تدركين ما فعلتِه ... كيف ستعيدينها الآن ؟؟ تباً لك ِ! ألا يكفي كل ما أحدثتِه لحد الآن؟ لن يتـّسع عمري لتصفية حساباتي معك... و الآن اذهبي و استخرجيها لي و لو من قعر الجحيم ! "

    رأيتُ نهرين من الدموع يتفجران فجأة من عيني أروى و يسيلان على وجنتيها... و رأيتُ الاشتعال في وجهها إثر صفـْعِ صراخي القوي...

    كنتُ غاضبا جدا...

    ألم يكفها ما فعلتْ بالصغيرة ؟ و أيضا تحرمني من البقايا الممزّقة من ذكراها التي لم تفارقني لحظةً واحدة...منذ سنين ؟؟

    صرختُ بخشونةٍ بالغةٍ :

    " لا أريد دموعاً... أريد الصورة الآن و بأيّ طريقة... هيّا تحرّكي... في الحال... قبل أن تمزقكِ شياطين غضبي إربا... أتسمعين؟؟ "

    و أفلتها من بين يدي بدفعةٍ قاسيةٍ...

    أروى استندتْ إلى الجدار... ثم مسحتْ دموعها... ثم سارتْ ببطء نحو الداخل... ثم عادتْ إليّ تحمل شيئا في يدها و مدّته نحوي...

    و سرعان ما اكتشفتُ أنها قصاصات صورة رغد الممزقة...

    تجمّدتُ فجأة و لم أقو َ على الحراك... و تحوّلتْ نيراني إلى كتل ٍ من الجليد... رفعتُ بصري إلى عينيها فرأيتهما حمراوين و المزيد من الدموع تتجمع فيهما... و منهما تنبعثُ نظرات تعيسة...

    " خـُـذ "

    تكلــّمتْ بصوت ٍ هزيلٍ ضعيفٍ... و هي تحرّك يدها ...

    تحرّكتْ يدي بلهفةٍ و تناولتْ القصاصات من يدها... و أخذتْ عيني تتفحّصها بشوقٍ و تتأكد من اكتمالها... ثمّ انتقلتْ أنظاري من القصاصات إلى أروى...

    شعرتُ بالانهيار... و حرتُ في أمري...

    و أخيرا... قلتُ بصوت ٍ تحطـّم فجأة و تحوّل من الصراخ الناري إلى الهمس البارد:

    " لكن... إه... لماذا ادّعيت ِ أنك رميت ِ بها ؟ "

    أروى ردّتْ وسط بحر الدموع :

    " كنتُ... أريد اختبار ردّة فعلكَ... لأتأكّد "

    و عصرتْ الدمع المتجمّع في عينيها بمرارة... ثم تابعتْ :

    " و أنا الآن... متأكّدة... من كلّ شيء "

    و أضافت ْ أخيرا :

    " ستمزقني... حتّى من أجل... صورتها ! "

    و بسرعة استدارتْ و هرولتْ نحو سريرها و أخفتْ وجهها بين الوسائد و بكتْ بانفعال...

    واقفٌ كعمود الإنارة المحروق... لا يملك قدماً تخطو للأمام و لا للخلف... و مهما ثار يبقى منطفئا عاجزاً عن إنارة المنبت الذي يرتكز عليه... و رؤية أين يقف... تسمّرتُ أنا بين الذهول و الفزع... و بين الإدراك و الغفلة... و التصديق و الرفض... أنظر إلى أروى و أسمع دوي كلماتها الأخيرة يزلزل جمجمتي... دون أن يكون لي من القوّة أو الجرأة ما يكفي لفعل أي شيء !


    أخيرا تمكّن لساني من النطق ...

    " أروى ... "

    لم ترد عليّ، ربما كان صوتي جدا ممزقاً... لممتُ شيئا منه و ناديتها ثانية :

    " أروى ... "

    و هذه المرّة ردّتْ فجاء صوتها مكتوماً عبر الوسائد :

    " اتركني وحدي "


    و على هذا... عدتُ أدراجي إلى غرفتي أحمل أشلاء صورة محبوبتي الصغيرة بين أصابعي... و أضمّها إلى صدري...
    و مرة أخرى هويتُ برأسي المشحون بشتّى الأفكار على الوسادة... و لكنني لم أرَ إلا سواداً أودى بوعيي إلى قعر الغياب...



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:01

    الحلقه الثالثة والاربعون

    مـــــن حبيبتك؟؟
    الساعه الثالثه إلا عشر دقائق عصراً أفقت من النوم مفزوعا على صوت رنين هاتفي.

    تناولت الهاتف بسرعه وأنا استرجع وعيي فجأه واتذكر رغد وما ألم بها
    أجبت بقلق:
    نعم هذا أنا".
    وسمعت صوت رغد يحدثني من الطرف الآخر:
    مرحبا وليد. هل كنت نائما؟"
    قلت:
    نعم رغد هل انت بخير؟
    قالت:
    "أجل. اتصلت مرتين ولم ترد! كنت أريد أن أطلب منك جلب بعض حاجياتي معك.
    متى ستأتي؟""
    ألقيت نظرة على ساعة الحائط ثم قلت:
    "بعد ساعة من الآن. لقد استغرقت في النوم ولم أحس بشي. أنا أسف. ماذا أجلب معي؟"
    وذكرت لي عدة أشياء تلزمها... وإن كان (الحذاء) من بينها!
    لم ألتق بأروى خلال تلك الساعة ولم أسمع ردا حين طرقت باب غرفتها
    لأعلمها بانصرافي..
    وذهبت إلى المستشفى وأنا أحمل باقة من الزهور الجميلة وعلبة شوكولا كبيرة بالإضافة إلى حاجيات رغد..
    عندما وقعت أنظاري عليها للوهلة الأولى شعرت براحة..
    إذ أنها بدت بحالة أفضل
    وعاد لون الحياة إلى وجهها بعد الشحوب. كما أنها سرت بباقة الزهزر وشكرتني عليها.
    أقللت خالتي إلى المنزل وعدت سريعا إلى رغد حيث قضيت معها ساعات الزياره..

    تخلل تلك الساعات فترة العشاء وقد قمت بنفسي بتشجيع ومساعدة رغد على تناول
    الطعام.
    تجابها معي طمأنني إلى أنها تجاوزت مرحلة الانهيار النفسي وتقبلت لحد ما وضعها الحالي. هاذا إضافة إلى
    أن كلام الطبيب منحني المزيد من الطمأنينة على وضعها هذا اليوم.
    بعد أن أنهت عشائها بدا عليها بعض الشرود والتوتر ...
    وأنا أعرف صغيرتي حين يشغل بالها شيء..
    سألتها:
    " أهناك شيء يا رغد؟"
    نظرت إلي وفي عينيها التردد ولمحت أصابع يدها السليمه تتحرك باضطراب.
    وكأنها تود قول شيء تخشاه.
    قلت مشجعا:
    "خير صغيرتي؟؟ ماذا يزعجك؟
    قالت بعد تردد:
    "ماذا قالت لك؟"
    نظرت إليها مستنتجا ما تعنيه. كانت الإشارة إلى أروى طبعا. الاهتمام كان جليا على وجهها.
    رددت عليها:
    "لاشيء"
    فسألت:
    لاشي؟
    فوضحت:
    "أعني أنني لم أتحدث معها بعد. حقيقة لم أجد الوقت لذلك. كنت نائما طوال الساعات.
    تلاشى جزء من توتر رغد وسكنت أصابعها ولكنها لم تزل مشغولة البال.
    قلت:
    "أهناك شيء تودين قوله لي يا رغد؟
    اضطربت وأجابت:
    " لا. لكن..."
    "لكن ماذا؟"
    "لاتتصغ لما تدعيه هي علي... إنها تكرهني".
    وقد قالتها بانفعال فقلت:
    "لا أحد يكرهك يا رغد.
    فردت بانفعال أكثر:
    "بل تكرهني.., وتعتبرني عالة عليك وعلى ثروتها.. وحتى على منزلنا".
    قلت نافيا:
    "غير صحيح يارغد... أروى ليست من هذا النوع".
    قالت بعصبيه:
    "قلت لك لا أريد سماع أسمها... لماذا تدافع عنها؟ ألم ترَ مافعلت بي؟؟ أنت لم تسمع ماقالته لي".
    أحسست بأن أي شراره قد تشعل حريقا فظيعا... فأردت تدارك الأمر وقلت:
    "لاتلقي بالا لشيء الآن. سنناقش المشكلة بعد خروجك سالمة إن شاءالله".
    هدأت رغد وقرأت الرضا والامتنان على قسمات وجهها,ألحقتهما بابتسامة بسيطة بكلمة:
    "شكرا على تفهمك".
    ابتسامتها السطحية هذه أدت مفعولها وأشعرتني بتيار من الراحة... أما جملتها التالية فأطلقت قلبي محلقا في السماء...
    "أنت طيب جدا... أثق بك كثيرا يا وليد".
    غمرتني نشوى دخيلةٌ على الظروف والحال اللذين نمر بهما ... وأطلقت زفرة ارتياح وسرور من أعماق صدري...
    وانقضت ساعات الزيارة وذهبت إلى المنزل مرتاح البال زمتهلل الوجه لحد ملحوظ...
    ثماصطحبت الخالة ليندا إلى المستشفى لتبقى مع رغد طوال الليل...


    عندما وصلنا إلى المستشفى, وبعد أن ركنت السيارة في أحد المواقف الخاصة,
    خاطبتني الخالة قائلة:
    " وليد يابني... عد إلى أروى وتحدث معها".
    كانت نبرتها مزيجا من الجدية والحزن... أيقضتني من نشوة السرور التي كنت أغط فيها...
    شعرت بالحرج وقلة الحيلة ولم أجرؤ على النظر إلى عينيها... الخلة تابعت:
    "إنها ليست على مايرام يابني...أنت منشغل هنا مع رغد وإصابتها... لكنأروى أيضا في حالة سيئة وبحاجة إليك باركك الله".
    بخجل رفعت بصري إليها وأطرقت برأسي مؤيداً...
    حين وصلت إلى البيت وقفت أمام غرفة أروى في حيرة... لم تكن لدي الأفكار الحاضره لطرحها في الحديث...وأحاديثنا في الأيام الأخيرة كانت مشحونة جدا...
    ومؤخرا تصرفت معها بخشونة بالغة...
    مددت يدي أخيرا وطرقت الباب...
    " هذا أنا... أيمكنني الدخول؟؟"
    فلم ترد. فقلت:
    "أروى... هل أنت نائمة؟؟"
    فلم ترد.
    كررت مناداتها إلى أن سمعتها تجيب أخيرا وبنبرة غاضبةٍ:
    "نعم؟ ماذا تريد".
    قلت:
    "ام لاتردين علي؟؟ أقلقتني عليك".
    فسمعتها ترد بأسلوب لم يعجبني:
    "أحقا؟؟ لاداع لأن تقلق بشأني. يكفيك ما أنت فيه ومن تقلق بشأنهم. لاتتعب نفسك".
    وقفت برهة حائرا ومنزعجا في مكاني.. فأنا لم أعتد الصدود من أروى بل رحابة الصدر وطول البال وحرارة الترحيب...
    ثم ناديتها مرتين وطلبت منها الإذن لي بالدخول لنتحدث... ولما تجلهلت نداءاتي تجرأت وفتحت الباب!
    دخلت الغرفة فرأيت أروى تهب واقفة مفاجأة من دخولي... ورأيت الاحمرار يطلي وجهها بسرعه... وأروى من النوع الذي يتغير لون وجهه بسرعه مع تغيرات انفعالاته...
    قلت وأنا أراها تضطرب وترتد خطوة للوراء:
    "أنا... أنا آسف ولكنني..."
    وتنحنحت لأزيل الحروف التي تعثرت في حنجرتي... ثم تابعت بصوت خافت
    وحنون:
    "قلق بشأنك".
    حل صمت عميق فيما بيننا فلا أنا قدرت على مواصلة الكلام ولا هي تكلمت لتشجعني... بل تراجعت خطوة أخرى للوراء وأدارت وجهها وأبعدت عينيها عني...
    هل سنقف هكذا طويلا!؟؟ يجب أن أفعل شيئا!
    تجرأت وخطوت بضع خطوات مترددة مقتربا من أروى... وهي لاتزال مديرة وجهها عني متحاشية النظر إلي...
    "أروى".
    ناديتها بصوت حنون...
    وإن لم تنظر إليّ أو لم ترد علي... فهي على الأقل تسمعني...
    قلت:
    "أروى... أنا آسف لما بدر مني... أعرف أنني... أنني كنت فظا.. لكن... اعذريني فأنا أمر بظروف تفقد المرء اتزانه".
    وأضفت:
    "والأجدر بك كزوجة مساندتي وليس مؤاخذتي..."
    هنا التفتت أروى إلي ورفعت بصرها نحوي... فقرأت في عينيها كلمات غاضبة...
    ثم علقت:
    "والأجدر بك كزوج... ملاطفتي وليس الصراخ في وجهي وسحق عظامي في الجدران".
    لم أعرف بم أعقب! صعقني تعقيب أروى وأشعرني بذنب مؤلم...
    أنا وأروى ومنذ ليلة شجارها مع رغد... على خلاف يتفاقم يوما بعد يوم... وأحدثت شجاراتها مع رغد بيننا فجوة كبيرة آخذة في الاتساع...

    أولتني أروى ظهرها مجددا لتبعد عينيها وتعبيرات وجهها عن مرآي. ومرت اللحظة خلف اللحظة ونحن واقفان على هذا الوضع...
    أردت أن أشعرها بندمي وبأنني راغب في أن نتفاهم ونتصالح...
    مددت يدي ووضعتها على كتفها برفق... ثم أدرتها لتواجهني... وعندما التقت نظراتنا شاهدت بريق الدموع في عينيها...
    "أروى..."
    قلت هامسا:
    "دعينا نتفاهم... أرجوك".
    رفعت أروى يدها ومسحت الدمعة العالقة في رموشها قبل أن تطل... وأظهرت تعبيرات التماسك وقالت أخيرا:
    "حسنا. عم تريدنا أن نتفاهم؟"
    قلت وأنا لا أزال واضعا يدي على كتفها:
    "عن كل شيء... والأهم عنك أنت".
    نظرت إلي وهي وتضيق فتحتي عينيها وتقول:
    "عني أنا؟"
    أجبت:
    "نعم. فأنا أود الاطمئنان عليك قبل كل شي الآن..."
    قالت:
    "وكيف تراني الآن؟؟"
    قلت مشجعا:
    "أراك بخير والحمدلله... ألست كذلك؟"
    أمالت أروى إحدى زاويتي فمها للأعلى وعقبت:
    "تلزمك نظارة".
    وهي إجابة لم أتوقعها من أروى... ولم أستسغها... ثم أبعدت يدي عن كتفها إشارة إلى أنها غاضبة مني...
    قلت محاولا استرضاءها:
    "أروى... أنا آسف... آسف لأنني قصرت معك وأسأت التصرف... أرجوك أن تعذريني... إنني لا أعرف ماحصل ولكنني مأخوذا بإصابة رغد البالغة ولم أستطع التفكير في شيء أخر معها... أردت أن أسألك لتتضح الأمور... ولكن... تعرفين... كنت مضطرا لملازمة رغد في المستشفى ولم تسنح الفرصة".
    قالت أروى وهي تعبر عن استيائها:
    "مضطر؟؟"
    قلت:
    "أعني... أنه لابد من ذلك... لم يمكنني تركها وحيدة آنذاك لأنها تفزع من الوحده والغربة... إنه فزع مرضي كما أعلمتك مسبقا..."
    قالت أروى بشيء من السخرية:
    "وما الذي جعلك تتركهاالآن؟ هل تخلصت من مرضها أم ماذا؟"
    لم أعقب على سؤالها, ثم قلت:
    "اندع رغد لما بعد ولنتحدث عنك أنت الآن".
    ولم أفهم سر التعبيرات التي طلعت على وجه أروى لحظتها...
    بعدها قالت:
    "بالنسبة لي أنا... فأنا أريد العودة إلى المزرعة".
    فوجئت من كلامها وارتسمت على وجهي تعبيرات عدم التصديق... فنحن في ظروف ليست بحاجة للشرح ولايمكن لفكرة السفر أن تبقى في رأس أي منا...
    قلت مستغربا:
    "المزرعة؟؟"
    فردت مؤكدة:
    "نعم المزرعة. أريد العودة إلى المزرعة... إلى خالي... وفي أقرب فرصة".
    أتعني ماتقول؟؟ ألا ترى وضعنا الحالي؟؟ أهي جادة في كلامها هذا؟؟
    قلت:
    "كيف يا أروى؟ عجبا! كيف تفكرين في هذا الآن؟؟ لانستطيع السفر وتدركين لماذا".
    قالت موضحة:
    "أما لم أقل نريد العودة... قلت أنني أنا أريد العودة... وإذا احتجتم لوالدتي فلا أظنها تمانع البقاء معكم... لكني أريد السفر وبسرعة... ولاتحاول ثنيي لأنني لن أغير موقفي".
    وكان على وجهها الحزم والجد... فأدركت مدى الإصرار الذي تحمله...
    رفعت يدي الاثنتين إلى كتفيها من جديد وقلت بصوت راجٍ:
    "لماذا ياأروى؟ ألا تقدرين مانحن فيه؟"
    أجابت بصوت غاضب, أفلت من مكابحه فجأة وفجر نافورة من الدماء في وجنتيها:
    "لماذا؟ أوتسألني لماذا؟؟ لأنني تعبت يا وليد... أكاد أنفجر... ألاتشعر بما أعانيه؟؟
    ألا تحس بي يا وليد؟؟ ألا تحس؟؟
    وقبل أن تتم جملتها كانت الدموع قد فارقت من عينيها... فرفعت كفيها وخبأت وجهها وبكت بصوت عال...
    كانت يداي لاتزالان قابعتين على كتفيها بحنان... ربما لتطبطبان على موضع القسوة التي عاملتها بها صباحا...
    بكت أروى بألم.. فرققت لحالها وقلت:
    "أرجوكِ... لاتبكي..."
    لكنها استمرت في إطلاق الزفرات الباكية الحارة...
    قلت بلطف:
    "اهدئي رجاءً..."
    أروى أزاحت كفيها عن وجهها ونظرت إلي من بين الدموع...
    "ألا تحس بي يا وليد؟؟"
    أجبت بعطف:
    "من قال ذلك؟!"
    أروى عصرت عينيها من الدموع وهي تحرك رأسهها نفيا وتقول:
    "لا... لا تحس بي! إنك لا تشعر بما أشعر به... ولا بما أعانيه".
    مدهشا من كلامها وقفت أحدق في عينيها وأصغي باهتمام...
    وإذا بها تمد إحدى يديها إلى إحدى ذراعيّ الممدودتين إلى كتفيها فتشد عليها وتقول:
    "وليد... وليد... أنا أحبك".
    شعرت بشيء يقف في حلقي فجأة ويسد مجرى هوائي! فتوقفت عن الحركة وعن التنفس...
    أما هي فتابعت:
    "أتدرك ذلك؟؟"
    ولما رأت سكوني هزت ذراعي وكررت:
    "أتدرك ذلك يا وليد؟ أتحس بي؟؟"
    أطلقت زفرة أخيرة مصحوبة بإجابة متوترو:
    "آه... أجل... طبعا".
    قالت:
    "وأنت؟ هل تحبني؟"
    ازداد توتري واستغرابي... ازدردت ريقي ثم قلت:
    "ماذا دهاك يا أروى".
    قاطعتني سائلة وهي تضغط على ذراعي:
    "هل تحبني؟"
    قلت:
    "أروى!!؟"
    فضغطت أكثر على ذراعي وقالت:
    "أجب يا وليد..."
    احتقنت الدماء في وجهي واشتعل احمرارا... وخرجت أنفاسي حارة لفحة وجه أروى وأوشكت أن تحرقه...
    "بالطبع..."
    وكأن الإجابة قد فجرت بركانا مملوء بالحمم في عينيها... نظرت إلي نظرة تشكك... وحركت رأسها نفيا... ثم دفنت كل تلك الحرائق في صدري...
    "لماذا تفعل هذا بي يا وليد؟؟ أنا لا أتحمل... لا أتحمل... لا أتحمل".
    انهارت أروى باكية على صدري بعمق.. فما كان مني إلا أن أحطتها بذراعي بعطف... وطبطبت عليها...
    كنت أرغب في أن نتحدث معا ونستوضح الأمور... ونصلح الخصام القائم بيننا غير أن بكاءها وانهيارها بهذا الشكل جعلني أرجىء بعيدا الأفكار المبعثرة التتي كنت أحاول تجميعها قبل دخولي الغرفة...
    تركتها تبكي على صدري وأخذت أمسح على شعرها الناعم... حتى هدأت قليلا...
    فقلت مشجعا:
    "يكفي يا أروى... أرجوكِ".
    وأمسكت برأسها وأبعدته عني قليلا... حتى التقت نظراتنا... وكم كانت عميقة ومكتظة بالمعاني...
    همست بعطف وقلق:
    "ماذا حل بكِ... أروى؟"
    فردت للعجب ردا لايمت لسؤالي بصلة:
    "إنك حتى... لم تفكر في الاحتفاظ بصورة لي! أنا خطيبتك... وزوجتك شرعا".
    نظرت إليها والدهشة تملأ وجهي... وبدأ سباق نبضات قلبي وانتهى بتوقف مفاجىء.
    حين سمعت أروى تتابع قائلة:
    "لكنك تحتفظ بصورتها هي!"
    جفلت تيبست ذراعاي وتصلبت رجلاي... حملقت في أروى في عجز عن تحرير أنظاري من أسرها...
    وإذا بها تقول:
    "لايحتفظ الرجل بصورة فتاة تحت وسادته... إلا إذا كان يحبها... لا يحتاج المرء لذكاء خارق حتى يستنتج هذا".
    هنا انكتمت أنفاسي كليا ووقف شعر جسدي مذهولا... حدقت عيناي في عيني أروى واستقبل وجهي كلماتها القوية... كصفعة مباغتة اصطدمت به حتى تمحي ملامحم...
    وبالتأكيد... فإن ملامح وجهي بالفععل قد اختفت... لأنني رأيت عيني أروى تدوران فيه... تفتشان عن شيء لم تعثر عليه...
    متسمرا في مكاني... وساكنا عن أي حركةٍ أو نفسٍ أو نبض, وقفت أما أروى أتلقى النظرات الثاقبة... ذات المعاني المستهدفة...
    لما رأت أروى سكوني المهول... حركت يديها نحو كتفي وضغطت عليهما... وسألت:
    "هل تحبها؟"
    السؤال المفاجىء المهول... أجبر فمي على الانفغار... لكن نفسا لم يخرج منه... ونفسا لم يدخل إليه...
    شعرت بيدي أروى تشدان أكثر على كتفي... وكانت تركز في عيني كمسمار دق على بصري فثبته ومنعه من الهروب...
    كررت:
    "أنت تحبها... أليس كذلك؟؟"
    لم أتحرك!
    قالت ووجهها يشع احمرارا:
    "أجب يا وليد؟؟"
    حاولت أن أبلع ريقي لكن الشلل أصاب حلقي... كما أن الجفاف الشديد صير لساني إلى قطعة خشب مهترئة عاجزة عن الحراك...
    "أجبني".
    ألحت أروى... وبصعوبة عصرت هذه الكلمات من لساني عصرا:
    "بـــ... بالطبع... أليست ابنة عمي؟"
    أروى هزت رأسها استنكارا وقالت:
    "لا يا وليد! أنت تدرك ما أعني... أنت تحبها أكثر من ذلك... لا تحاول... إنك... أنت... آه".
    ولم تكمل أروى جملتها... بل سحبت يديها وأخفت وجهها بهما وابتعدت عني...
    وربماكان هذا أفضل مافعلته... لتطلق سراح عيني...
    ترنحت عيناي في اللاشيء... واللاهدف... وتأرجحت ذراعاي على جانبي كبندول الساعة... وتراقصت كلمات أروى الأخيرة بين طبلتي أذني حتى مزقتهما...
    العرق كان يتصبب من جسمي... والدماء تغلي في عروقي... وأشعر ببخار يخترق جلدي ويطير إلى السقف...
    لم أتوقع أن تأتي هذه اللحظة ذات يوم... ولم أفكر بها... وبقيت متجاهلا لاحتمالها وهاربا منه... حتى جاءت بغتة... فلم تجد لدي أي استعداد لاستقبالها...
    كانت لحظة من أصعب لحظات المواجهة... بيني وبين أروى... كان... موقفا لا أحسد عليه... ورغم أنه فاجأني لحد الذهول... لحد الذوبان والتيه واللاشي... لم تصدر عني أية ردة فعل تجاهه... كنت مشلولا تماما... وما كان أسرع ما استسلمت لحصوله... وانسقت لما فرضه علي... فلا يوجد ما يمكنني أن أنفيه أو أدعيه أو أشكك فيه...
    عرفت يا أروى؟؟ لابد أنك كنت ستعرفين ذات يوم...
    أنا... لاأستطيع بأي حال أن أفلح في إنكار حقيقة بهذا الحجم... بحجم السماء في سعتها... وبوضوح الشمس في سطوعها...وبعمق البحر في جوفه...
    إنهها الحقيقة التي تحتل تسعاً وتسعين جزءا من المائة... من حياتي كلها... ولساني يبقى عاجزا تماما عن نفيها أو تحويرها... وأفكاري منقادة لأوامر القلب الذي يستحيل عصيانه... وجنوني يدفعني لأن...أحتفظ بصورتها القديمة الممزقة كل تلك السنين... كل تلك السنين... مخبأة عندي... نعم... فهي فقط... كل ما أستطيع الاحتفاظ به... قريبا من قلبي... هي فقط... ما أستطيع أن أتحسسه بيدي... وأتأمله بعيني... وأضمه إلى صدري...
    وخلال التسع سنوات الماضية... لم تفارقني هذه الصورة الغالية... كنزي الثمين... ولا ليلة واحدة...
    بعد مرور بضع دقائق أو شهور أو حتى سنين... أصابني الإعياء فسرت حتى جلست على طرف السرير... التقطت أنفاسي كعجوز طاعن... أتعبه الوقوف على رجليه لبعض الوقت...
    وبقيت على صمتي لدهر...
    كنت أسمع صوت بكاء أروى ولا أرفع نظري إليها... حتى إذا ما توقفت, تسللت عيناي إليها بحذر...
    كانت مولية ظهرها إلي ولكنها استدارت بعد قليل ولما التقت نظراتنا أسرعت بالانسحاب عن عينيها...
    سمعتها بعد ذلك تقول:
    "أريد أن ترتب أمر سفري بأسرع ما يمكن..."
    وخرجت الجملة متحشرجة هزيلة... وجهة إليها بصري من جديد فوجدت الدموع وقد جفت عن عينيها والجفون قد تورمتوالخدين قد توهجا من أثر الملوحة...
    قالتها وانتظرت ردت فعلي...
    ولأنني ساعتها لم أكن بقادر على الرد فقد اكتفيت بالتنهد وإمالة رأسي نحو الأرض... وحينما رفعته مجددا رأيتها تخرج من الغرفة وتتجه إلى الحمام... حاولت أن أناديها لكن الضعف الذي ألم بي حال دون حراكي...
    انتظرتها حتى تعود... وأنا ألملم بعض أشلاء شجاعتي... وأعيد ترتيب كلماتي...
    لكن الانتظار طال ولم تعد...
    قمت وتوجهت نحو الحمام وطرقت الباب:
    "أروى ألن تخرجي الآن؟"
    أجابت:
    "كلا... لاتنتظرني".
    وأدركت أنها لا تريد مواصلة الحديث... فما كان مني إلا أن انسحبت.
    وفي غرفتي أعدت حوارنا القصير... وتقليب الجمل التي قالتها أروى في رأسي مرارا... فيما كانت الصورة الممزقة تعبث بأصابعي...
    ( لا يحتفظ الرجل بصورة فتاة تحت وسادته... إلا إذا كان يحبها).
    آه ياصغيرتي الممزقة...
    ألم تكوني نائمة بأمان في محفظتي؟؟ لماذا أخرجتك تلك الليلة!؟ لماذا تخليت عن حذري هكذا؟؟
    لقد... كنت دائما لي وحدي ولا يراك إلا عيناي... لماذا ظهرت لها وكشفت السر الدفين... وفي هذا الوقت بالذات؟؟
    وتذكرت... أنه في منزلنا المحروق... في غرفة سامر... في إحدى المرات...
    تركت صورة رغد الممزقة قرب وسادتي ونمت... ثم جاءت والدتي رحمها الله توقظني لتأدية الصلاة... ورأتها...
    ظننت حينها... أن الموقف إنتهى في ساعته... ولو تعلمون... إلى أي مدى امتد... وماذا فعل...
    طافت على مسمعي... ذكريات الكلمات الغامضة التي قالتها لي والدتي في لقائي الأخير لها قبل سفرها مع أبي إلى بيت الله... إلى حيث لارجعة عندما كانت توصيني برغد...
    (" انتبه لرغد جيدا يابني".
    " بالطبع أمي!")
    أمي بدا المزيد من القلق جليا على وجهها وقالت:
    ("كنا سنؤجل حجنا للعام التالي لكن... كتبه الله لنا هذا العام... هكذا قضت الظروف يابني")
    وهذا زادني حيرة!
    قالت("لو أن الظروف سارت على غير ذلك... لكانت الأوضاع مختلفة الآن... لكنه قضاء الله يا ولدي... سأدعوه في بيته العظيم بأن يعوضك خيرا مما فاتك... فلنحمده على ما قسم وأعطى")
    وقلت("الـــ... حمدلله على كل شيء... أمي أنت تلمحين لشيء معين؟؟")
    فقالت:
    ("لم تتغير هي عما تركتها عليه قبل سنين... كما لم تتغير أنت...")
    ثم أضافت:
    ("إلا أن الظروف هي التي تغيرت... وأصبح لكل منكما طريقه...").
    وقد توهج وجهي منفعلا مع كلمات أمي والحقيقة الصارخة أمامي أنذاك...
    ولم أستطع النبس ببنت شفة أمام نظراتها التي كشفت بواطن نفسي...
    قالت:
    ("اعنت بها كما يعتن أي شقيق بشقيقته... كما تعتني بدانة, وادع معي الله أن يسعدهم هم الثلاثة, وأنت معهم").
    آه يا أماه... إنك لاتعلمين ماحصل بعد رحيلك... لو تعلمين...!

    في صباح اليوم التالي وفبل ذهابي إلى المستشفى التقيت بأروى صدفة في المطبخ...
    كانت هادئة جدا... وتحضر بعض الطعام... وكانت بعض الأطباق موضوعة على المائدة... ورائحة الخبز المحمص والقهوة تملآن المكان...
    وقفت أراقب أروى خلسة عند الباب... وأنا حائر... أأدخل... أم أنصرف...؟؟
    هل سيزعجها مروري أم سترحب بي؟؟
    بأي وجه أقابلها وأي كلام سأقول...؟ وأي موقف ستتخذ مني؟؟
    وفيما أنا في حيرتي لمحتني أروى فجأة فارتاعت وأوقعت ما كان في يدها...
    باشرت بالدخول وسرت نحوها والتقطت معها حبات الزيتون المبعثرة على الأرض وأنا أقول:
    "أنا آسف... هل أفزعتك؟"
    وهي ترد:
    "فاجأتني".
    وبعد فراغنا من جمع الحبات التهمت إحداها...
    "طيبة المذاق".
    قلت معلقا... متحاشيا إطالة النظر في عينيها قدر الإمكان... ومحاولا خلق جو جديد يمحو آثار جو البارحة الممطر... أو يلطفه...
    قالت وهي تشير إلى طاولةالطعام, والتي وضعت عليها صحن الزيتون وبعض أطباق الفطور الأخرى:
    "تفضل".
    بدا الطعام شهيا... وذا رائحة طيبة... تسيل اللعاب... وارتحت لتجاوبها مع الجو الجديد... وقد أتناول شيئا من الفطور معها لإخماد الحريق... ولو مؤقتا...
    نظرت بشكل عفوي إلى ساعة يدي... لمعرفة الوقت تحديدا فما كان من أروى إلا أن علقت بطريقة فاجأتني:
    "أم أن المدللة الحبيبة تنتظرك؟"
    اصطدمت نظراتنا وتعاركت معا... ثم عادت نظراتي تجر أذيال الهزيمة إلى...
    إذن... النار مضرمة ومستمرة ولاسبيل لإطفائها بوجبة فطور...
    ومع رد أروى الحاد لم أجرؤ على قول أكثر من:
    "إلى اللقاء".
    وسرت خارجا يلحقني صوتها وهي تقول:
    "لاتنس موضوع السفر".


    ***
    أخبرتني مرح أنها ستأتي مع والدها لزيارتي عصر هذا اليوم.
    مرح هي صديقتي وزميلتي في الجامعة, وهي ابنة السيد أسامة المنذر... مساعد وليد الأول في العمل... وشقيق المحامي يونس المنذر الرجل الذي أتى إلى مزرعة الشقراء يخبرها عن إرث عمها قبل شهور... والذي يعمل كذلك مع وليد...
    ومرح رسامة بارعة... وهي شقيقة وتلميذة لأحد الفنانين الأساتذة المعروفين والذائعي الصيت على مستوى البلد...
    كنت بطبيعة الحال لا أزال محبوسة على السرير الأبيض منذ يومين, معتمدة على الممرضات والسيدة ليندا في كل شيء.
    كانت أعصابي منهارة تماما في اليومين السابقين... ولكنني اليوم أفضل بكثير والحمدلله.
    إنها فترة الزيارة... وليد يقضيها كلها إلى جانبي... بينما تعود السيدة ليندا فيها إلى البيت...
    وليد ذهب إلى عمله هذا الصباح وأتى إلي مباشرة بعد العمل... وها هو يجلس بقربي ويطالع إحدى الجرائد وعلى وجهه اهتمام ملحوظ...
    يبدو أنه يقرأ أخبارا مزعجة,وأظنها عن الحرب... فهو مهووس بمتابعة تطوراتها وما يحدث في البلد أولا بأول...
    على المنضدة المجاورة كان وليد قد وضع باقة رائعة من الورود الخلابة التي تبهج النفوس...
    وعلبة كبيرة من الشوكولا الفاخرة التي وزع شيئا من محتواها على الأطباء والممرضات الذين يرعونني...
    وألاحظ أن الرعاية في هذه المستشفى دقيقة جدا! الأطباء والممرضات يأتون لتفقدي بتكرار... حتى في أوقات الزيارة!
    ها هو وليد يتثاءب من جديد! بين الفنية وأختها أراه يتثاءب أو يفرك عينيه... لاشك أنه لم ينم جيدا... وربما هو متعب ويريد أن يقيل... لكنه لم يعد للبيت بل أتى ليبقى معي... هذا يشعرني بالذنب!
    إنه حنون جدا... أغدق علي عطفه وعاملني بمنتهى اللطف والاهتمام ورحابة الصدر في أزمتي هذه... حتى أنه... يساعدني في تناول الطعام!
    بين لحظة وأخرى... أجر نظراتي وأحبسها بعيدا عنه, فتغافلني وتسلل خلسة إليه... مخترقة أسوار اللياقة والخجل!
    إنهيتدي زي العمل... بذلة زرقاء اللون... أنيقة جدا... أراها للمرة الأولى... وقد صفف شعره بمستحضر يظهر الشعر وكأنه مبلل وتدلت خصلة طويلة لحد ما على جبينه العريض... فوق أنفه المعقوف مباشرة!
    أرجو أن يكون منهمكا في القراءة وألا يلاحظ نظراتي الحمقاء!
    طرق الباب...
    "لا بد أنها مرح".
    قلت وأنا أنظر إلى الباب ثم إلى وليد, فوضع وليد الصحيفة جانبا وقام إلى الباب وفتحه وخرج...
    وسمعت صوت رجل يحييه... ثم رأيت صديقتي مرح تطل من الباب, وتحمل باقة مذهلة من الزهور البديعة...
    أخذتني بالأحضان وأمطرتني بالقبل وكلمات المواساة والتشجيع... ولا أخفي عليكم أنها رفعت من معنوياتي بقر كبير...
    وبدأت بعد ذلك تتحدث وبشكل مستمر...
    نسيت أن أخبركم أن مرح ثرثارة ومرحة جدا كاسمها...
    حلوة المعشر وطيبة القلب... تحب الحياة وتنفق على متعتها بسخاء! إنها موهوبة في الرسم مثلي وأخوتها الرسامون يقيمون معارض فنية دورية... وقد أخبرتني بأن معرضهم التالي عما قريب وأنها ستشارك فيه ودعتني أيضا للمشاركة...
    الفكرة أبهرتني...! مرح فتاة رائعة... وأفكارها رائعة أيضا...
    وجود مرح معي في الجامعة في الواقع أبهج حياتي كثيرا... وساعدني على تطوير علاقاتي بالزميلات... وزيارتها هذه لي فجرت ينبوعا من الأمل والتفاؤل في صدري وأزاحت جزءا كثيرا من حزني وكآبتي... الحمدلله
    فيما نحن نتجاذب أطراف الحديث حول المعرض الفني المرتقب طرق الباب ثم فتح ببطء وسمعت صوت وليد يتنحنح مستأذنا الدخول...
    قلت:
    "تفضل وليد".
    ولما أذنت له بالدخول دخل وقال:
    " المعذره... سآخذ هذه".
    وتوجه نحو الصحيفة التي كان يطالعها قبل قليل فأخذها ثم قال موجها الكلام إلي وعيناه مركزتان على الصحيفة:
    "أبو عارف يبلغك السلام ويحمد الله على سلامتك يا رغد".
    قلت:
    "سلمه الله. اشكره نيابة عني".
    وهم وليد بالمغادره فقلت:
    "وعلى الورد كذلك وليد"
    قال:
    "بالطبع".
    ثم غادر...
    كنت لا أزال أنظر إلى الباب حين سمعت مرح تقول:
    "أوه! أهذا السيد وليد شاكر؟؟!!"
    تعجبت والتفت إليها فوجدت الدهشه تعلو وجهها فسألت مستغربة:
    "نعم,ولكن كيف تعرفينه؟"
    ابتسمت مرح وقالت وهي لاتزال ترفع حاجبيها من الدهشة:
    "الجميع يتحدث عنه! والدي وعمي وأخوتي! كلهم يتحدثون عنه! هذا هو إذن!!"
    سألتها متعجبة:
    "يتحدثون عنه؟"
    ردت:
    "نعم! كمدير لمصنع البناء! السيد وليد شاكر قال, والسيد وليد شاكر فعل, والسيد وليد شاكر ذهب, والسيد وليد شاكر عاد!! هذا هو السيد وليد شاكر!!"
    وكان التعجب طاغ على تعبيرات وجهها!
    قلت:
    " ولم أنت مستغربه هكذا؟؟"
    مرح أطلقت ضحكة خفيفة وقالت:
    "لم أتوقعه أبدا شابا صغيرا! أوه إنه في مقتبل العمر ! أهلي دائما يصفونه بالسيد النبيل! يقولون أنه ذكي وجدي ومهذب, ومهاب... ولايضحك أبدا! تخيلته رجلا صارما منغلقا في منتصف العمر أو حتى بعمر والدي!"
    ثم أشارت إلي وأضافت:
    "وأنت أخبرتني أنه أبوك بالوصاية! حسبته أكبر بكثير !"
    قلت وأنا ابتسم عفويا:
    "إنه يكبرني بنحو 10 سنين فقط!"
    قالت والضحك يمتزج بكلامها:
    "وكيف تنادينه في البيت؟ أبي؟؟ أو ابن عمي؟ أو السيد وليد شاكر؟؟"
    ضحكت بخفة لتعليق مرح... وعلقت:
    "وليد فقط! كما اعتدت أن أناديهمنذ الطفولة... لقد ربيت معه في بيت واحد... بعد فقد والدي... وكثيرا ما كنا نلعب سويا... وقد كنت أعتبره مثل أمي وأنا صغيره! والآن صار مثل أبي!"
    ويا للأيام...!
    سرحت برهة لألقي نظرة استرجاعية على الماضي البعيد... حيث ككنت طفلة صغيرة غضة... عَنى لها وليد الدنيا بأسرها!
    وحقيقة لا يزال!
    انتبهت على صوت مرح تتابع حديثها وقد لمعت نظرة ماكرة في عينيها:
    "أب شاب... ثري وقوي وذكي... ومهذب... و..."
    وهنا طرق البااب ثانية... وسمعت وليد ينادي باسمي فأذنت له بالدخول...
    "أرجو المعذرة... الحلوى للزوار".
    قال وهو يسير نحو المنضدة المجاور لسريري حيث علبة الشوكولا...
    قلت:
    "ولصديقتي أيضا من فضلك".
    إذ إنه يشق علي تحريكها من موضعي, خصوصا مع إصابة يمناي.
    فحمل وليد العلبة واقترب منا ومدها إلى مرح:
    "تفضلي أنستي".
    مرح أخذت تقلب عينيهابين أنواع الشوكولا في حيرة أيها تختار! وأخيرا اختارت
    إحدى القطع وهي تقول:
    "شكرا... سننتظر حلوى خروجك من المستشفى بالسلامة يا رغد".
    ابتسمت, أما وليد فعقب:
    "قريبا عاجلا بحول الله... الحلوى والعشاء أيضا".
    واستأذن وانصرف حاملا العلبة إلى والد مرح...
    هذه المرة كانت أعيننا نحن الاثنتان تنظر إلى الباب, ثم إلى بعضها البعض في الوقت ذاته.
    ثم إذا بي اسمع مرح تقول:
    "إنه عطر (عمق المحيط) الرجالي!"
    نظرت إليها باستغراب وقلت:
    "عفوا!؟"
    ابتسمت وقالت:
    "أهديت زجاجة مماثلة لشقيقي عارف قبل أيام! شذى قوي وراق... وباهظ الثمن!"
    يا لـهذه الــــ مرح!
    عقدت حاجبي وضيقت عيني ونظرت إليها باستنكار... ثم قلت:
    "ماذا كنا نقول؟"
    قبل أن يقطع حديثنا وليد.
    أجابت مرح:
    "شاب... ثري... وقوي... وذكي... وراق..."
    وتوقفت برهة ثم برقت عيناها وأضافت:
    "وجذاب!"
    أوه يا إلهي!
    وقبل أن أنطق بأي تعليق طرق الباب مجددا والتفت رأسانا بسرعة نحوه... لكن الطارق هذه المرة كان السية أم فادي... زوجة السيد سيف صديق وليد المقرب...


    *******



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:02

    تتمه

    عد أن رحل الزوار عدت إلى غرفة رغد فوجدتها بوجه مبتسم...
    تهللت أسارير وجهي... لا بد أن زيارة صديقتها والسيدة أم فادي لها قد رفعت معنوياتها... ورغم أنهما لم تبقيا غير دقائق, إلا أنها كانت كافية لتشجيع رغد وتحسين مزاجها...
    ولاحظت بعد ذلك أنها أيضا تناولت وجبة العشاء بشهية جيدة...
    الحمدلله
    كان الطبيب قد أخبرني بأنه باستطاعت رغد مغادرت المستشفى بعد بضعة أيام, كي تشعر بارتياح أكثر في بيتها وبين أهلها ويزول عنها الإحباط... ولعلمي بأنه لا أهل لها ولا عائلة تنتظرها... غير أروى التي لاتطيقها رغد...
    طلبت منه إبقاءها في المستشفى لفترة أطول ريثما تسترد عافيتها وأتدبر أمرها مع أروى بشكل أو بأخر...
    وبعد العشاء شكرتني رغد على المساعدة وابتسمت ابتسامت خجلة...
    إنها ليست ابتسامة عادية... وتوقيتها غريب جدا...
    فما معناها يا ترى؟؟!
    تأملتها منتظرا التفسير... ثم سمعتها تسألني:
    "وليد... هل تعرف ماذا يقول عنك آل منذر؟"
    السؤال كان غريبا! لكن الأغرب هي هذه الابتسامة الحمراء المتفتحة على وجهها...
    كأنها وردة بين الثلوج...
    ولكن ما بال آل منذر هم الآخرين؟؟
    قلت:
    "ماذا؟"
    رغد بعثرت نظرها عني وأجابت:
    ""أنك... المدير الجدي... الذي لا يضحك أبدا!"
    ارتفع حاجباي تعجبا وقلت:
    "أنا؟"
    "نعم".
    قلت مستغربا:
    "من يقول ذلك؟"
    رغد وهي لاتزال مبتسمة أجابت:
    "جميعهم... ربما يهابونك! إنهم يعتقدون بإنك صارم جدا ولا تعرف المزاح ولا الضحك..."
    وحدقت بي في ابتسام...
    عفويا ضحكت ضحكة خفيفة وقلت:
    "وهل تصدقين؟؟"
    رغد ألقت علي نظرة متأملة وخجلة ثم قالت:
    "لايبدو!"
    الذي يبدو هو أن صديقة رغد قد نقلت إليها انطباع والدها وشقيقها وعمها عني.
    لدي ثلاثة موظفين من آل منذر يعملون معي...يونس وأسامة وابنه زياد...
    صحيح أنني جاد ودقيق في العمل, ولكنني لست ثقيل الظل... هل أنا كذلك؟؟
    رغد نقلت نظرها إلى الورود التي إلى جوارها وتابعت:
    "عندما يعرفونك عن قرب...سيكتشفون كم أنت طيب... وحنون".
    لحظتها... شعرت بروحي تحلق في السماء...
    تأملت رغد فوجدتها تحدق في الورود وهي شبه مبتسمة...
    آه يا رغد...
    هل احتجت لكل ذلك الزمن... لتصفينني ولو بكلمة واحدة تشعرنني بأنني...
    شيء في حياتك يستحق الوصف؟؟
    وليلتها تجاذبنا أطراف حديث ممتع... أخبرتني رغد فيه عن معرض فني للرسامين
    سيقام قريب وأن صديقتها وشقيقها الفنان عارف سيشاركان فيه...
    وأنها تتمنى لو تعرض إحدى لوحاتها فيه أيضا...
    قالت ذلك ثم نظرت إلى يدها المجبرة وعلاها بعض الحزن الذي سرعان ما تبدد حين قلت مشجعا:
    "سنرى ما يمكن فعله".
    ابتسمت رغد ابتسامة رضا وامتنان...
    وفارقتها تلك الليلة والبسمة ملتصقة بوجهها...
    ذهبت إلى البيت ليلا... وكان أمامي فتاة أخرى أنتظر أن تلتصق ابتسامة ما بوجهها هي الأخرى!
    بعد أن أوصلت الخالة إلى المستشفى دخلت إلى مكتبي, فإذا بأروى توافيني بعد دقيقة...
    كان جليا على وجهها أنها ترغب في الحديث معي... طلبت منها أن تجلس...
    وجلست على المقعد المجاور لها... انتظرت حديثها... ومرت بضع ثوان وبعض التردد مسيطر عليها ثم نطقت أخيرا:
    "هل اشتريت التذاكر؟"
    تنهدت باستياء... فقد كانت فكرة السفر هي آخر ما أنتظر الحديث عنه...
    ونحن في مثل هذه الظروف... ثم قلت:
    "ليس بعد".
    فقالت أروى متشككة:
    "لكنك لم تنس أمرها أليس كذلك؟"
    نظرت إلي نظرة مركزة فأجبتها:
    "لا لم أنس... ولكن... دعي رغد تخرج من المستشفى أولا على الأقل".
    ومررت أصابعي في شعري وزفرت بضيق...
    إشارة مني إلى أنه ليس بالوقت المناسب لحديث كهذا...
    راقبتني أروى قليلا وربما لم تفهم إشارتي وسألتني:
    "تبدو قلقا جدا... هل ابنة عمك بخير؟"
    انقبضت عضلات فكي لدى سماع سؤالها ثم أرخيتها وأجبت:
    "نعم".
    فإذا بأروى تقول مدافعة:
    "وليد... اسمعني... أنا لم أدفع بها من أعلى السلم".
    حدقت بها مستغربا... ثم أطلقت بصري للفراغ وقلت:
    "أعرف".
    فصمتت أروى ثم قالت:
    "كنت أظن أنك فهمت شيئا خطأ... ماحصل هو أننا تشاجرنا وانثنينا لالتقاط شيء من على العتبات فانزلقت قدم رغد وأمسكت بي فوقعنا سوية".
    أثارت جملتها اهتمامي... فأنا حتى الآن لا أعرف تفاصيل ما حصل وتحاشيت سؤال رغد ومن سؤال أروى...
    التفت إليها وقلت باهتمام:
    "ولأجل ماذا تشاجرتما؟؟"
    التزمت أروى جانب الصمت ثم سألتني:
    "ألم تخبرك؟"
    أجبت:
    "لم أسألها... ولن أفعل على الأقل في الوقت الراهن...
    لا أريد أن تنفعل بشكل أو بآخر... أريد أن تتحسن نفسيتها قبل أي شيء... لكن أخبريني أنتِ؟"
    ترددت أروى ثم عقدت العزم وقالت:
    "إنه هاتفك".
    استغربت:
    "عفواً؟؟!"
    فتابعت أروى:
    "أنت نسيته في مكتبك... وكان يرن... وأرادت هي حمله إليك فطلبت منها إعطائي إياه فرفضت وأصرت على حمله إليك بنفسها...
    كنا على الدرج... وحينما حاولت أخذه منها وقع على العتبات..."
    وتوقفت. صمت لحظة أستوعب فيها ما قيل... ثم سألت:
    "ثم ماذا؟؟"
    فتابعت:
    "أردنا إلتقاطه فوقعنا..."
    قلت:
    "أهذا كل شيء!؟"
    غير مصدق... أن يكون سبب حادث فظيع ومؤلم هو شيء بهذه التفاهة...
    ولما رأيت أروى تومىء برأسها (نعم) تملكني الغضب...
    قلت تلقائيا:
    "هكذا إذن... أردت نزع الهاتف من يدها فكسرتها".
    اندهشت أروى من تعقيبي وقالت:
    "قلت لك إنه وقع للأسفل وأردنا التقاطه".
    وقفت مستاءً وقلت:
    " أنا لم أنسه في المكتب أصلاً... بل أنا من أعطاها إياه تلك الليلة ولم يكن هناك داعٍ لأن تتدخلي لاستعادته".
    عبس وجه أروى وقالت مستنكرة:
    "وليد! لقد كنتَ نائما في غرفتك... أردت إعادته إليك ليوقظك وقت الصلاة كالمعتاد... وهي أرادت أن تفعل هذا بنفسها".
    قلت بشيء من العصبية:
    "ولماذا اعترضتها؟؟ أمن أجل شيء بهذه التفاهة تتسببان بحادث بهذا الحجم؟؟
    لقد تكسرت عظامها وها هي طريحة الفراش كالمعاقة... كنت أعتقد أن شجاركما قام على أمر شأنا...
    تقولين من أجل هاتف؟؟! ألا تخفين عني شيئا أكبر يا أروى؟؟"
    هنا وقفت أروى بانفعال وهتفت بغضب:
    ليس من أجل الهاتف... وأنا ليس لدي ما أخفيه عنك, مثلما تفعل أنت...
    ولا أسمح بأن تتجاوز هي حدودها... كيف كنت تتوقع مني أن أتصرف؟؟ أأتركها تذهب إليك وأنا واقفة أتفرج؟؟
    هل نسيت إنني أنا زوجتك وأقرب الناس إليك وليست هي".
    اندهشت... فتحت فمي لأنطق مستنكرا:
    "أروى"
    غير أنها لم تدعني أتم جملتي بل قاطعتني مباشرة وبانفعال:
    "ماذا يا وليد؟ ماذا؟؟ ما الذي ستجرؤ على قوله الآن؟؟ إنني أنا زوجتك لا هي...
    وأنا من يحق لها الاقتراب منك ومن خصوصياتك... لا هي...
    أنا من يجب أن تضعها في اعتبارك الأول... ومن يجب أن تصرف عليها عواطفك وحبك... لا هي
    وليد... إنني لا أحظى بعلاقة أكثر دفئا وعاطفة منها... وطوال تلك الشهور وأنا أفسر مواقفك بأنها من باب المسؤولية والأمانة...
    وأتقبلها وبسعة صدر بل وبإعجاب... والآن... أكتشف أن الحقيقة قد تخطت ذلك...
    إنك تحبها هي... ألست كذلك يا وليد؟؟"
    حملقت في أروى في دهشة من كلامها... وعجز عن الرد...
    وإذا بها تهتف في وجهي مستمرة بانفعال:
    "لماذا لا ترد؟ أي حقائق تخفي عني بعد يا وليد؟؟ ماذا سأكتشف عنك أيضا؟؟
    لماذا أتيت إلى مزرعتي أصلا؟؟ لماذا ظرت في حياتي؟؟ لماذا تزوجتني؟؟"
    صعقني كلام أروى فانفضت يداي ثم إذا بهما تطبقان على ذراعيها وإذا بي أهتف بعصبية:
    "أروى... هل فقدت صوابك؟؟"
    أروى دفعت بيدي بعيدا عنها وهي تقول:
    "اتركني... لماذا تزوجتني إن كنت تحبها هي؟؟ ماذا تخفي عني بعد؟؟
    ما الذي تخططان له من خلفي؟؟...
    ماذا... ماذا كنتما تفعلان عند النافذة؟؟قل".
    قلت مستاءً:
    "أي نافذة وأي هذيان؟؟"
    قالت مندفعة وهي تشير بيدها إلى نافذة الغرفة:
    "هنا... ضحكاتك كانت تحترق الأبواب... وأراكما واقفين جنبا إلى جنب عند النافذة والأضواء مطفأة...
    هل كنتما تتبادلان كلمات الحب وتضحكان علي؟؟"
    وفهمت أنها تعني يوم الجمعة الماضي... عندما وقفت رغد تستمع للأذان عند النافذة في غرفة مكتبي وقدمت إلى جوارها...
    لم أتحمل جنونها الفظيع هذا... فقبضت على يدها بشدة وهتفت في وجهها:
    "حسبك... تماديت يا أروى؟؟ هل جننت؟؟"
    فصرخت:
    "وكيف تريد مني ألا أجن وأنا أكتشف أن زوجي خائن...؟؟
    يظهر النبالة والشهامة مع ابنة عمه بينما في الخفاء يتبادلان الحب والصور ويستغفلاني؟؟"
    هنا فقدت السيطرة على أعصابي وضغطت على يدها بقوة أوشكت معها على عصرها في قبضتي...
    وصرخت وأنا أعض على أسناني:
    " إياك... إياك أن تكرري الكلمة ثانية... أتسمعين؟؟
    وإياك... ثم إياك... أن تقحمي رغد في هذا... لا علاقة لها بشي... فهمت؟؟
    ولا أسمح بأن تتحدثي عنها هكذا... ولا تجعلي أفكاركِ تقودكِ إلى الجحيم..."
    وتابعت:
    "أكون خائنا لو كنت عرفتها بعد زواجي منك... لكن... لكن حبهها نشأ في صدري منذ طفولتي... ولا أسمح... بأن تصفيه بالخيانة...
    إنه أكبر من أن... تفهميه... أو يفهمه أي أحد... وسواءً عرفت أو لم تعرفي...
    وأعجبك أو لم يعجبك... فإن شيئا لن يتغير... وما في قلبي سأحمله إلى قبري...
    وأنا أتحمل أي شيء في هذه الدنيا... أي شيء... إلا أن يصيب صغيرتي الأذى أو الإساءة...
    بأي شكل... ومن أي شخص... مهما كان... أعرفت هذا الآن؟؟"
    وأطلقت سراح يدها وابتعدت عنها وسددت ركلة عشوائية إلى المقعد...
    أروى بقيت تنظر إلي برهة... ثم تصم أذنيها وكأنها تريد أن تحول دون تكرر
    صدى كلامي بينهما...
    ثم إذا بها تهتف:
    "كيف... أمكنك... فعل هذا بي!؟"
    ثم تهرول بسرعة خارجة من الغرفة...
    بقيت واقفا على النار وجبت في الغرقة بضع خطوات عشوائية حتى استقررت أخيرا
    على مقعدي خلف المكتب...
    ركزت مرفقي على طاولة المكتب وأسندت رأسي على كفي بمرارة...
    ما الذي فعلته؟؟
    ما الذي قلته؟؟
    ما الذي أصابك يا وليد؟؟ وما الذي ينتظرك؟؟
    درت في دوامة الأفكار حتى داهمني الدوار والغثيان وشعرت بألم حاد في معدتي...
    رفعت رأسي عن كفي وهممت بالتفتيش عن أقراص المعدة التي أتناولها عند الحاجة والتي أضع بعضها في أدراج مكتبي...
    لفت انتباهي وجود مجموعة من الأوراق على المكتب, يعلوها قلم رصاص...
    تركت يدي الدرج واتجهت إلى الأوراق عفويا... أزحت القلم ورأيت الورقة الأولى بيضاء خالية إلا من تجعيد خفيف...
    تصفحت ما يليها... ودهشت لما رأيت...!!
    أتعرفون ماذا رأيت؟؟
    شيئا سيدهشكم مثلي ويلقي بكم في بئر الحيرة...
    على تلك الأوراق كانت هناك صور مرسومة بقلم الرصاص...
    لوجه شخص مألوف جدا... كان ينظر إلى إحدى النواحي وقد على وجهه تعبير القلق...
    ملامحه كانت مرسومة بدقة عجيبة وكأنها خرجت من أصل الواقع مباشرة... وأكثر ما يثير الدهشة...
    هو وجود انكسار بسيط على أنفه الطويل... مشابه تماما للانكسار الذي يعلو أنفي أنا!
    قلبت الورقة بعد الأخرى... والدماء تتصاعد إلى وجهي... والدهشة تملأ عيني...
    كان وجهي أنا... مرسوما على أكثر من ورقة... رسما هيكليا بسيطا وغير مكتمل... بقلم الرصاص...
    هذه رسمات رغد...
    تذكرت... إنني في ليلة الحادث, كنت قد تركتها في مكتبي مع هاتفي... لتنقل الصور التي التقطناها في النزهة إلى الحاسوب...
    الصور... الهاتف... الحاسوب...!
    أخذت أفتش في هاتفي وحاسوبي عن تلك الصور... لم أعثر عليها في الهاتف...
    لكنني وجدتها في الحاسوب...
    أتدرون ماذا وجدت بين الصور؟؟
    صورة لي!
    صورة وأنا أنظر إلى البحر... وعلى وجهي أمارات القلق...
    مطابقا تماما لتلك التي وجدتها مرسومة على الورق...
    رغد...
    رغد...
    آه... يا حبيبتي...





    ********************

    اليوم سأجرب السير على عكازي...
    الطبيب والنعالجة الطبيعية والممرضة والسيدة ليندا جميعهم يقفون إلى جانبي وأنا أحاول النهوض مستندة على العكاز...
    أخصائية العلاج الطبيعي أجرت لرجلي تمارين تحريك بسيطة قبل قليل, وشرحت لي وللسيدة لينداكيفيتها... كانت سهلة ولكنها هيجت بعض الألم في قدمي ولذلك أنا متخوفة من استخدام العكاز...
    الطبيب كان يكرر عبارات التشجيع... ويطمئنني بأن رجلي بخير...
    لكنني قلقة وخاشية أن أصيب رجلي بالعرج... وأنتهي عرجاء... تثير شفقة الآخرين...
    ولأن إصابتي شملت يدي اليمنى أيضا فإن استخدام العكاز لم يكن بالأمر السهل...
    ولاقيت صعوبة في تثبيته والارتكاز عليه...
    المحاولات الأولى لم تككن ناجحة ولم تثر في نفسي إلا القلق والكآبة...
    وفيما أنا أخطو خطواتي البطيئة الثقيلة تعثرت بعباءتي وكدت أنزلق لولا أن تداركتني أيدي من حولي.
    "لا أريد أن أستخدم هذا".
    قلت بذلك بغيظ مشيرة إلى العكاز... شاعرة بنفور منه ورفض كلي لاستخدامه...
    اخصائية العلاج الطبيعي حاولت تشجيعي وحثي على إعادة المحاولة...
    كانوا جميعا مسترسلين في تحريضهم لي على السير وتصوير الأمر بالمهمة السهلة فيما هي شاقة بدنيا ونفسيا...
    "لا أستطيع".
    صرحت... فعقبوا جميعا:
    "بلى تستطيعين... هيا حاولي مجددا... ستنجحين هذه المرة".
    أخيرا وافقت كارهة على المحاولة وسرت خطوتين أجر فيهما رجلي من خلفي وأكاد أتعثر بملابسي...
    "هيا... أحسنت... واصلي..."
    يشجعوني وأنا أكاد أنهار من التوتر...
    هنا سمعت طرقا على الباب والذي كان نصف مغلق وجاء صوت وليد يحييّ.
    ثم رأيته يدخل الغرفة وينظر إلينا... كان يحمل حاسوبه المحمول وكيساً ما.
    عندما نظر إلي هتفت مستنجدة:
    "وليد..."
    وألقيت بالعكاز جانبا ومددت يدي إليه... طالبة الدعم...
    وليد وضع ما كان في يده جانبا وأسرع نحوي وما إن بلغني حتى ألقيت بثقل جسدي عليه
    هو بدلا من العكاز وأنا أقول:
    "لا أستطيع... لا أريد أن أمشي بالعكاز.. لا أريد".
    ربت وليد على يدي المجبرة وقال:
    "اهدئي رغد... ماذا حصل؟؟"
    قلت مستغيثة:
    "قل لهم ألا يضغطوا علي... لا أريد هذا العكاز...
    قدمي تؤلمني... لن أستخدمه ثانية... أرجوك أخرجني من هنا".
    تنقل وليد ببصره على الطاقم الطبي وقال مخاطبا الطبيب:
    "ما الأمر يا دكتور؟"
    الطبيب أجاب:
    "لا شيء. إتها خائفة من استخدام العكاز ونحن نحاول تشجيعها".
    أبدى وليد تعبيرات الضيق على وجهه وقال:
    "لكننا لم نتفق على هذا".
    استغرب الطبيب وسأل:
    "على ماذا؟"
    رد وليد:
    "على بدء التمارين... لا أحب أن تقرروا شيئا دون إبلاغي...
    ولا أقبل أن تضغطوا على الفتاة في شيء".
    نظر الطبيب وأخصائية العلاج الطبيعي إلى بعضهما البعض, نظرات ذات مغزى,
    ثم التقطت الأخيرة العكاز الملقي على الأرض وقالت:
    "حسنا... سنحاول مع العكاز لاحقا... لكن يجب الاستمرار على تمارين الرجل".
    التفت وليد إلي وقال:
    "سنعود إلى السرير".
    وسرت متعمدة عليه إلى أن جلست باسترخاء على سريري...
    "كيف تشعرين؟"
    سألني وليد فأجبت منفعلة:
    "أنا لن أمشي بهذا العكاز... إما أن أسير على قدمي كالسابق أو سأبقى في سريري للأبد".
    وليد رد:
    "هوني عليكِ..."
    كتمت خوفي وصمت...
    غادر الطاقم الطبي وتبعهما وليد ثم عاد بعد بضع دقائق... ابتسم وقال:
    "أحضرت لك بعض المجلات لتطلعي عليها".
    وقرب إلي الكيس الذي أحضره معه...
    نظرة إله بامتنان وقلت:
    "ولكن يا وليد أنا أريد الخروج من هنا... دعنا نعود للبيت".
    وليد ارتسم بعض القلق على وجهه ثم قال:
    " من الأفضل أن تبقي لأيام أخرى بعد... ريثما تتحسن إصابتك وتتدربين على السير على العكاز أكثر".
    قلت:
    "لن أحاول ثانية".
    بدأ القلق يتفاقم على وجه وليد فقلت:
    "أرجوك... أنا لا أريد البقاء هنا".
    السيدة ليندا تدخلت قائلة:
    "شرحت لنا أخصائية العلاج الطبيعي كيفية التمارين وسأتولى العناية بها في المنزل...
    فإذا كان الطبيب يوافق فمن الخير لنا المغادرة يا بني".
    وليد لم يظهر تأييدا ولا أعرف لم يريد لي البقاء في المستشفى أكثر...
    رغم الإرباك الذي سببه الأمر في عمله وفي وضعنا بشكل عام...
    إضافة إلى تكاليف المستشفى الباهضة...
    قال:
    "لثلاثة أيام أخرى على الأقل".
    وكان الإصرار مغلفا بالرجاء ينبع من عينيه... فقلت باستلام:
    "ثلاثة فقط".
    ابتسم وليد ثم التفت إلى السيدة ليندا وخاطبها:
    "هيا بنا الآن إلى المنزل ياخالتي... وكان الله في عونك هذه الليلة أيضا".
    وكالعادة بعد اصطحابها للمنزل عاد وليد وبقى برفقتي طوال ساعات الزيارة...
    وكان يشغل نفسه بانجاز أعماله في حاسوبه الخاص, بينما كنت أنا أتصفح المجلات التي جلبها لي وبين لحظة وأخرى ألقي نظرة على الساعة...
    النهار غدا طويلا... وشعرت بالملل... وراودتني فكرة الاتصال بنهلة والتي لم أهاتفها منذ أيام ولم أعلمها عما حصل معي...
    "وليد".
    ناديته وقد كان مركزا في الشاشة فالتفت إلي:
    "نعم؟"
    قلت:
    "من فضلك هلا ناولتني الهاتف؟"
    وأشرت إلى المنضدة المجاورة حيث كان الهاتف موضوعا على الوصول إليه.
    أقبل وليد وناولني الهاتف وسألني عفويا:
    "بمن ستتصلين؟"
    أجبت:
    "ببيت خالتي".
    وليد أمسك بالهاتف وأبعده عني... نظرت إليه باستغراب فرد على استغرابي بسؤال:
    "هل سبق وأن أخبرتيهم؟"
    أجبت:
    "لا".
    وليد أعاد الهاتف إلى المنضدة وقال:
    "جيد. لا داعي لأن تقلقيهم الآن".
    تعجبت وسألت:
    "ألا تريد مني الاتصال بهم؟"
    قال:
    "أرجوك لاتفعلي رغد".
    ازداد عجبي وسألت:
    "لماذا؟؟"
    وليد شد على قبضتيه وعلاه التوتر ثم قال:
    "تعرفين... إن ذلك سيسبب لهم القلق وأنت لا تزالين في المستشفى... الحمدلله أنك بخير ولا داعي لإشغال بالهم عليك".
    إنني أوافي نهلة بتفاصيل سخيفة عن حياتي اليومية فهل يعقل ألا أخبرها عن حادثة كهذه؟
    قلت:
    "سأطمئنهم إلى أنني بخير وسأغادر قريبا".
    وليد حرك رأسه اعتراضا.
    قلت:
    "لكن..."
    وتكلم وليد بنبرة شديدة الرجاء:
    "أرجوك يا رغد... لا تخبريهم بشيء... أرجوك".
    ورغم أنني لم أفهم موقف وليد غير أنني أذعنت لطلبه ولم أتصل بعائلة خالتي ولم أطلعهم على شيء مما حصل إلى أن التقينا فيما بعد...
    ومضت الأيام الأخيرة... وأخيرا غادرت المستشفى...
    كاد وليد قد أعد إحدى غرف الطابق السفلي لأقيم فيها مؤقتا...
    ولأن منزلنا كبير وموحش ومليء بالعتبات والدرجات, فقد اختار لي أقرب غرفة إلى المطبخ وإلى غرفة المعيشة السفلية والتي استقلها هو بدوره للمبيت قريبا مني.
    كنتقد تدربت على السير بالعكاز مضطرة... المهمة شاقة وتحركي بطيء وثقيل... لكنني عدمت حلا آخر...
    أخذت أتنقل بالعكاز في غرفة نومي وفي الجوار بحذر ومشقة وغالبا ما أعتمد على الآخرين لجلب الأشياء إلي.
    وليد والسيدة ليندا والخادمة تناوبوا على رعايتي وملازمتي معظم الأوقات.
    أما الدخيلة الشقراء فلم أر وجهها الملون مُذ زارتني في المستشفى بعد الحادث...
    وليد أصر على إقامة حفلة عشاء صغيرة دعونا إليها المقربين احتفالا بخروجي من المستشفى.
    الفكرة لم تعجبني لأنني بالتأكيد سأضطر لمجالسة الشقراء مع الضيوف. لكنني رضخت للأمر من أجل وليد.
    ما كان أطيبه وأكرمه... طوال فترة بقائي في المستشفى...
    أول ضيفة وصلت كانت صديقتي مرح مع والدتها وشقيقتيها وقد استقبلتهن السيدة ليندا وقادتهن إلى غرفة الضيوف حيث أجلس.
    أمطرتني الثلاث بالتحيات والتهنئات على خروجي من المستشفى وأهدينني سلة حلويات رائعة.
    "ولكن أين هي السيدة أروى؟ نتوق للتعرف إليها".
    قالت ذلك مرح بكل عفوية وهي تجهل أن مجرد ذكر اسم هذه الدخيلة يثير غيضي...
    السيدة ليندا ردت مبتسمة:
    "إنها في الجوار... سوف أستدعيها".
    وذهبت لاستدعائها.
    مرح قالت مازحة:
    "أتحرق شوقا لرؤية مالكة المصنع وصاحبة الملايين! يقول أبي أنها كانت تعيش في مزرعة حياة عادية!"
    أم عارف- والدة مرح- زجرت مرح على تعليقها ولكن مرح ابتسمت وقالت:
    "هيا أمي! هذه رغد صديقتي المقربة وهي تعرف أنني أحب المزاح! ألا تبدو حكاية السيدة أروى أشبه بالأساطير؟؟"
    لحظات وإذا بالشقراء تهل علينا...
    قامت الثلاث وحيينها بحرارة وعبرن عن سرورهن الشديد بالتعرف إليها ولهفتهن المسبقة للقائها...
    وكان جليا عليهن الانبهار بها... نعم فهي جميلة بدرجة آسرة للنظر وقد تزينت هذه الأمسية بشكل متقن جدا...
    إنني أمهر منها في فن المساحيق والألوان... لكني الآن قابعة في مكاني بجبيرتي وعكازي...
    وبدون أي زينة... ولا أثير سوى شفقة الأخرين...
    بمجرد حلولها, سرقت الشقراء كل الأضواء بعيدا عني... أنا من كان يفترض أن تكون هذه الحفلة قد أقيمت من أجلها!
    وعندما أتت أم سيف وأم فادي كذلك انضمتا إليهن.
    وحتى على المائدة, كن يأكلن بسرور وعفوية ويمتدحن الأطباق اللذيذة واليد الماهرة التي أعدتها...
    فيما كنت أنا المعاقة بالكاد ألمس الطعام بيدي اليسرى...
    وعوضا عن أن تبهجني هذه الحفلة كما يفترض زادتني غيضا ونفورا من الدخيلة.
    التزمت جانب الهدوء معظم الوقت لشعوري بأنني لا أملك شيئا أمام ما تملكه الشقراء مما يثير اهتمام وإعجاب الآخرين...
    وعندما قامت الدخيلة برفع الأطباق الرئيسية إذا بمرح والتي كانت جالسة إلى جواري
    تقترب مني وتهمس في أذني:
    "زوجة أبيكِ مذهلة! جذابة مثله! كم هما ثنائي رائع".
    ولو لم أتمالك نفسي لأفرغت ما في معدتي من شدة الغيظ...
    بعد أن خرج الضيوف, أويت مباشرة إلى غرفتي والنار تحرق صدري وتفحمه...
    ولم أجد من حولي ما أفرغ فيه غضبي ولا من أبثه همي أو أعبر له عما يختلج داخلي...
    فأخذت أبكي بحرقة... وأردت أن أكسر الجبيرة وأحطم العكاز اللذين لم يزيداني إلا بؤسا...
    ومن شدة غيظي رميت بالعكاز بعيدا بقوة فارتطم بطاولة على مقربة وأحدث بعض الجلبة...
    طرق الباب وسمعت وليد يخاطبني:
    "هذا أنا يا رغد... هل انت بخير؟؟"
    قلت:
    "نعم. لا تقلق".
    قال:
    "هل تحتاجين إلى شيء؟"
    أجبت:
    "كلا... شكرا".
    فقال:
    "إذن تصبحين على خير".
    وأحسست به يبتعد...
    شعرت برغبة مفاجئة في التحدث معه... أردت النهوض ولكن عكازي كان بعيدا...
    ناديته لكنه لم يسمعني... زحفت على الأرض إلى أن وصلت إلى عكازي...
    ثم ارتديت حجابي على عجل وسرت نحو الباب...
    ذهبت إلى غرفة المعيشة المجاورة حيث يبات هو حاليا... وكان الباب مفتوحا ويكشف ما في الداخل...
    إلى الجدار المقابل لفتحة الباب كانت أروى تسند ظهرها وقد مددت إحدى يديها إلى خصرها بينما يقف وليد أمامها مباشرة وذراعاه ممدودتان إلى الأمام ومسندتان إلى ذات الجدار مشكلتين طوقا حولها...
    حين وقع بصري على منظرهما شعرت بالشلل المفاجىء وترنحت بعكازي...
    بسرعة استدرت للوراء وخطوت خطوتين بالعكاز مبتعدة عن الصدمة... ولأنني شعرت بالشلل فقد رميت ثقلي كاملا على العكاز الذي انزلق فوق الأرضية الملساء وأوقعني فجأة...
    تأوهت ألما... ولم أستطع النهوض ليس من شدة الإصابة بل من العشي الذي أصاب عيني من منظر الاثنين...
    لمحت وليد يقبل نحوي قلقا ويجثو بقربي وهو يقول:
    "أأنت بخير؟"
    بخير...؟ لا! أنا لست بخير... لست بخير... لست بخير...
    هب وليد لمساعدتي على النهوض فقلت زاجرة:
    "دعني من فضلك".
    ومددت يدي إلى العكاز وأقمته عموديا على الأرض وحاولت النهوض...
    غير أنني لم أستطع...
    كانت أطرافي ترتجف وأعصابي منهارة وعجزة عن شد قبضتي على العكاز فانزلق مجددا...
    قال وليد:
    "دعيني أساعدك".
    لكنني رددت باقتضاب:
    "قلت دعني وشأني... سأنهض بمفردي".
    وأعدت الاستناد إلى العكازوانهرت أرضا...
    وليد حينما رأى ذلك مد ذراعيه ورفعني عن الأرض...
    قلت بغضب:
    "ماذا تفعل؟ كلا... أنزلني..."
    قال وليد بانفعال:
    "ستكسرين بقبة أطرافك إن تركتك هكذا".
    وسار بي رغما عني إلى أن أوصلني إلى غرفتي ووضعني على السرير.
    قلت ثائرة:
    "لا أريد مساعدة من أحد... دعوني وشأني".
    وليد نظر إلي باستغراب واستهجان معا وقال:
    "ماذا جرى لك يا رغد؟ ما غيرك هكذا فجأة؟"
    قلت بغضب:
    "ليس من شأنك... إياك أن تكررها ثانية... من تظن نفسكك؟؟"
    وليد حملق بي مندهشا:
    "رغد!! أتهذين؟؟"
    صرخت:
    "نعم أهذي... أنا مجنونة... ماذا يهمك في ذلك؟؟"
    أطرق وليد برأسه ثم قال مستاء:
    "الظاهر أنني تسرعت حين أحضرتك من المستشفى... أنت لاتزالين متعبة".
    استفزتني جملته... فصرخت:
    "متعبة ومجنونة وعرجاء... ثم ماذا؟ هل اكتشفت حقيقة ما أكون الآن؟"
    تنفس وليد نفسا عميقا ثم أولاني ظهره وغادر.
    ناديت بغضب:
    "إلى أين تذهب؟ عد إلى هنان".
    لكنه اختفى... ثم فجأة ظهر يحمل العكاز وأتى به إلى جانبي...
    لما رأيت العكاز قربي مباشرة ثار جنوني... أخذت العكاز ورميت به بقوة بعيدا فارتطم بنفس الطاولة وأحدث ذات الجلبة... وليد وقف بجواري يراقب بصمت...
    قلت بحدة:
    "لا أريد هذا ولن أستخدمه ثانية... هل فهمت؟"
    لم يتحرك ولم يقل شيئا... فاشتططت غضبا من بروده وصرخت:
    "لا تعده إلي ثانية... مفهوم؟؟"
    وليد وقف يسمعني وينظر إلي ولا يرد!
    أردت منه أن يقول شيئا.. أن يغضب... أن يتشاجر معي أو يواسيني... أن يبدي أي ردة فعل تفيد بأنه يسمعني ولكنه لم يحرك ساكنا.
    قلت بتهيج:
    "لماذا لا ترد؟"
    وليد حدق بي لحظة ثم قال:
    "هل انتهيت الآن؟"
    حملقنا ببعضنا لفترة ثم استدار وليد بقصد المغادرة.
    هتفت بسرعة:
    "انتظر".
    استدار إلي بنفاذ صبر وقال بضيق بالغ:
    "ماذا بعد؟"
    ولما أحسست بضيقه هدأت فجأة وشعرت بالذنب...
    صمت برهة متراجعة, وقبضت على ما أفلت من أعصابي... ثم قلت وقد تحول صوتي بغتة إلى السكينة:
    "إلى أين تذهب".
    رد وليد بانفعال:
    "إلى قعر الجحيم.. هل يهمك هذا؟"
    وأراد أن يخرج فناديته مجددا :
    "وليد".
    التفت إلي بطول بال وزفر زفرة قوية من صدره وقال باقتضاب:
    "نعم؟"
    إنه غاضب بالفعل...
    يا أنت!.. يا من تقف هناك تشتعل غضبا.. يا من تدعي أنك ذاهب إلى قعر الجحيم...
    إنك أنت جحيمي! اقترب وابتعد مني في آن واحد... فأنا أفقد توازني في كلا الوضعين...
    ولاشيء يحرقني ويزيدني سعيرا وجنونا أكثر من رؤيتك إلى جانب الشقراء الدخيلة...
    "نعم يا رغد هل هناك شيء آخر؟؟"
    قال وليد ذلك لما استبطأ ردي ورأى ترددي...
    "رغد؟؟!!"
    قال مستغربا ومستاءً... فقلت منكسرة:
    "أنا... آسفة".
    ومن التعبيرات التي تجلت على وجهه أدركت أنه لم يكن يتوقع أسفي أو ينتظره...
    قلت:
    "لا تغضب مني".
    حملق بي وليد في صمت ثم ضغط بإصبعه على المنطقة بين حاجبيه ثم قال:
    "لست غاضبا... لكنني تعب من تقلبات مزاجك هذه يا رغد..."
    ثم تابع بصوت راج:
    "أعطيني فترة نقاهة أرخي فيها أعصابي المشدودة قبل أن تنقطع".
    فسرت الإرخاء الذي يقصده على أنه أروى... فهيجني المعنى وقلت منفلتة من جديد:
    "وأعصابك هذه لا تسترخي إلا مع الشقراء؟"
    نظر إلي بتعجب وتابعت:
    "أما أما.. فأعصابي لن تستريح ومزاجي لن يصفو إلا إذا أرسلتها للمزرعة وأبعدتها عني نهائيا".
    مرر وليد أصابع في شعره كما يفعل عندما يتوتر... ثم زفر:
    "يا صبر أيوب".
    وأحسست بالجملة تطعن قلبي.. فقلت ثائرة:
    "يلزمك صبر بحجم المحيط إن كنت ستبقيها أمام عيني تصول وتجول...
    وأنا معاقة بهذا الشكل.. لتتحمل النتائج.. قلت لك أنني أكرهها ولا أريد رؤية وجهها ثانية...
    إنها حتى لم تفكر في الاعتذار عما سببته لي... بل لا بد أنها فرحة بإصابتي وتشمت بي..
    وأنا أفضل الموت حرقا على أن أراها تجول أمام ناظري بكل حرية".
    ربما بالغت بالتعبير عن غيظي الشديد أمام وليد... هو وضع يديه على صدغيه ثم هتف بقوة:
    "حاضر... حاضر يا رغد... حاضر... سأرسلها إلى المزرعة وأخلصك من كل هذا... أفعل أي شيء لأجلك... ماذا تأمرين بعد؟ فقط أريحيني..."
    وضرب الباب بقبضته بقوة وانصرف...

    *************


    نشر -
    {[ اللهم نسألكـ الهدى والتقوى والعفاف والغنى والحمد لكـ والشكر لكـ ]}75
    04-07-2008, 10:02 PM

    مصيره لاذكر يشتاق
    ©؛°¨غرامي فعال ¨°؛©


    رد : رواية انت لي كامله من البدايه إلى النهايه

    تتمه

    وعدت إلى غرفة المعيشة والمجاورة لغرفة رغد فوجدت أروى لا تزال هناك...
    واقفة عند الباب وتستمع إلى شجارنا...
    لم تتحدث بل ألقت علي نظرة خيبة سريعة ثم غادرت المكان...
    قبل قليل كنت أحاول مصالحتها وتوضيح بعض الأمور العالقة منذ أيام...
    إننا متخاصمان والجو مربوك للغاية وكلما حاولت التقرب منها صدتني بجملة: (أعدني إلى المزرعة).
    أحاول بذل جهودي لإقناعها بالعدول عن الفكرة حاليا ولكن...
    وإن كان هناك شعرة أمل واحدة فإن رغد بكلامها الأخير هذا... قطعتها...
    رغد كانت بصحة مقبولة مُذ غادرت المستشفى وتقبلت بعد جهد فكرة السير على العكاز...
    والأمور سارت على نحو مرضٍ إلى أن انتهت حفلت العشاء الصغيرة التي أقمتها إحتفالا بسلامتها...
    وأعتقد... بل أنا على يقين من أن سبب تدهورها المفاجىء هو مقابلة أروى...
    إن علي ألا أقف مكتوف اليدين وأترك الفتاة تتخبط وتنهار من جديد... في السابق كانت تنشغل في الجامعة وفي الدراسة...
    أما وهي حبيسة الجبيرة والمنزل... فإن اصطدامها بأروى سيسبب كارثة نفسية لها...
    ولأن الوضع لم يكن ليطاق البتة فقد انتهى قراري إلى أن اشتري تذاكر السفر عاجلا...
    "لا بأس.. فنحن أعددنا أمتعتنا منذ أيام يا بني وسنضيف ما يلزم".
    أجابتني الخالة حين أخبرتها بعد أن عدت من شركة الطيران في اليوم التالي...
    قلت:
    "جيد. وهلا ساعدت رغد في تجهيز أمتعتها؟"
    "بكل تأكيد".
    سألت:
    "بالمناسبة هل هي مستيقضة؟"
    فأننا لم أرها أو أعرف عنها شيئا منذ البارحة... ولا أعرف بأي مزاج استيقضت هذا الصباح!
    ردت الخالة:
    "نعم. انهت حمامها وطعامها قبل قليل فقد رأيت الخادمة تخرج بالأطباق من غرفتها".
    قلت:
    "إذن رجاء أعلميها بأنني أود التحدث معها".
    وسبقتني الخالة إلى غرفة رغد لتعلمها بقدومي, ثم رأيتها تخرج وتقول:
    "تفضل".
    البارحة كانت فتاتي غير طبيعية وأظنني أنا أيضا لم أسيطر على أعصابي كما ينبغي...
    لكن أنا حتى لو غضبت من رغد وتقلبات مزاجها يتغلب خوفي عليها وحبي لها على أي شعور آخر ويعيدني إليها ملهوفا...
    أشتاق وأعود إليها حتى لو لم أكن أجد لديها ما يغذي شوقي...
    إنها المحور التي تدور حوله أحاسيسي ومشاعري واهتماماتي... وأمور حياتي كلها...
    وقفت عن الباب وطرقته... وسمعتها تأذن لي بالدخول...
    لا أعرف لماذا هذه المره تسارعت نبضات قلبي وساورني التوتر... أكثر من المعتاد...
    رغد كانت جالسة على المقعد أمام المرآة... ونظرت إلي من خلال المرآة فازداد توتري ثم حييتها بصوت خافت, وهي ردت بهدوء.
    سألتها:
    "كيف أنت هذا الصباح؟"
    متمنيا أن تكون إجابتها مطمئنة شكلا ومضمونا.
    فردت:
    "الحمدلله".
    وهي لا تزال تخاطبني عبر المرآة...
    عقبت:
    "الحمدلله".
    ولمحت العكاز إلى جوارها فسألت:
    "هل قمت بالتمارين؟"
    فردت:
    "نعم".
    "وكيف تشعرين؟"
    "بتحسن خفيف".
    ابتهجت وقلت:
    "عظيم... ستتحسنين بسرعة إن شاء الله وتستغنين عن هذا قريبا".
    وأشرت إلى العكاز...
    رغد نظرت إلى العكاز ثم إلي عبر المرآة نظرة تشكك وقلقوسألت:
    "أحقا؟ أخشى أنني لا أستطيع الاستغناء عنه أبدا".
    قلت بسرعة:
    "ما هذا الكلام؟ غير صحيح".
    وبدا على وجهها قلق أكبر وقالت:
    "أو ربما يظل في قدمي شيء من العرج الأبدي".
    قلت معترضا:
    "كلا".
    لكنها كانت شديدة القلق... بل إن أكبر مخاوفها كما استنتجت هو أن تنتهي إصابتها بالعرج لا سمح الله...
    قلت مشجعا:
    "لقد أكد الطبيب أنه أمر مؤقت إلى أن يشفى التمزق ويزول الورم وينجبر الكسر... لا تخافي صغيرتي".
    تعلقت عينا رغد بسراب كلماتي الأخيرة... ثم إذا بها تستدير نحوي لتواجه نظراتي مباشرة...
    وتقول:
    "وليد... فيما لو... لو لا قدر الله أصبحت عرجاء أو معاقة...فــ.. هل... ستظل تهتم بي؟"
    فوجئت من سؤالها الغريب... والذي أجهل المغزى الحقيقي من ورائه... وكانت تنتظر مني الإجابة من لهفة نظراتها إلي...
    أي سؤال هذا يا رغد...!؟
    قلت:
    "لا تفكري هكذا يا رغد بالله عليك... أنا متفائل جدا وبإذن الله سيعود كل شي على ما كان".
    لكنها عادت تسأل:
    "لكن لو لا قدر الله لم أشف تماما... هل ستظل تعتني بي؟"
    ومن الرجاء الذي قرأته في عينيها فهمت مقدار تشوقها لسماع إجابة مطمئنة...
    آه يا رغد! أوتسألين؟؟ أيساورك أي شك تجاهي أهميتك وأولويتك أنت في حياتي..؟
    قلت:
    "وحتى لو بلغت المائتين من العمر وأصبحت عاجزة عن كل شيء... سأظل أعتني بك دوما يا صغيرتي".
    رأيت الابتسامة تشق طريقها إلى وجهها... كأنها شمس أشرقت في سماء نقية... ثم قالت:
    "شكرا لك".
    ابتسمت بسرور وراحة وقلت:
    "على الرحب والسعة".
    رغد كررت:
    "أنا عاجزة عن شكرك على كل ماتفعله من أحلي.."
    قاطعتها مداعبا:
    "وهل ينتظر الآباء شكرا على رعايتة بناتهم؟"
    رغد نظرت إلى الأرض ثم إلي وقالت:
    "ولكنك ستكون في المائتين وعشر سنين من عمرك... أشك في أنك ستكون قادرا على حملي!"
    ضحكت ثم قلت:
    "لاتستهيني بقدراتي".
    ثم أضفت:
    "حسنا! سأريك!"
    وعلى غير توقع منها مددت يدي أسفل الكرسي الذي تجلس هي فوقه ورفعتهما سويا!
    رغد هتفت متعجبة:
    "أوه... ماذا تفعل؟!"
    قلت:
    "سأحملك إلى الطابق العلوي لتعدي حقيبة سفرك... ستساعدك الخالة".
    ولم أدع لها الفرصة للاعتراض وحملتها إلى غرفتها في الطابق العلوي واستدعيت خالتي والخادمة لمساعدتها... وذهبت لأعد حقيبتي أيضا...

    *************

    موعد سفرنا مساء اليوم... ولأنه سيكون سفر قصيرا فأنا لم أجهز في حقيبتي الكثير من الحاجيات.
    وكنت اتمنى لو أنني لا أضطر للسفر وأنا بهذه الحالة, ولكن وليد لم يجد بدا من أن يسافر بنا نحن الثلاث ثم يعود بي...
    الساعة الآن الثالثة فجرا... تصورا أنني مستيقضة حتى الآن... يحول الأرق الفظيع دون استسلامي لسلطان النوم...!
    وليد أخبرني بأنه سيأخذني إلى بيت خالتي لأقضي عندهم بضعة أيام... وأنا لم أخبر عائلة خالتي عن قدومي إليهم ولا عن إصابتي, بطلب من وليد نفسه.
    سوف نترك الشقراء والسيدة ليندا في المزرعة... ونعود أنا ووليد إلى البيت!
    ألا يكفي هذا سببا لجعلي أتأرق طوال الليل؟؟
    هذا إضافة إلى تفكيري الدائم بإصابتي وخوفي من أنأنتهي عرجاء... أو تفقد يدي مهارتها في الرسم...
    الرسم!
    على ذكر الرسم تذكرت شيئا مهما فهببت جالسة فجأة...
    "لوحاتي!"
    هتفت أخاطب نفسي... كيف يعقل أن تكون رسماتي الأخيرة قد غابت عن ذهني هكذا..؟!
    نهضت عن سريري وأضأت المصابيح وجلت ببصري فيما حولي مفتشة عن الأوراق التي رسمت وجه وليد ليلة النزهة...
    "يا ألهي... أين يمكن أن تكون؟؟"
    فقد كانت في يدي عندما وقعت من أعلى الدرج ولا أعرف ما حل بها بعد ذلك...
    ربما الشقراء أزالتها وتخلصت منها... أو ربما السيدة ليندا جمعتها ووضعتها في مكان ما... أو ربما وليد بالصدفة شاهدها... رباه!!
    ولم أستطع مقاومة رغبتي الملحة في العثور عليها تلك الساعة.
    فتشت تفتيشا سطحيا في الأماكن التي افترضت أن يمكن أن يكون قد نقلها إليها....
    ولم أعثر على شيء للآن... وحان دور غرفة مكتب وليد!
    البيت يخيم عليه السكون والظلام... وحقيقة يبدو مرعبا... وأنا أتحرك ببطء وبحذر وببعض الخوف... إلى أن دخلت غرفة المكتب...
    كانت الغرفة غارقة في الظلام الدامس, أشعلت المصابيح وألقيت نظرة على ما حولي واستقر بي العزم على أن أبدأ بتفتيش مكتب وليد...
    "ربما يكون أحدهم قد جلبها إلى هنا! لكني أخشى أن يكونوا قد ألقوا بها في سلة المهملات".
    قلت مخاطبة نفسي... وتأملت المكتب والأرفف العديدة والأوراق الكثيرة من حولي... وشعرت بالتقاعس... كيف يمكنني البحث بين كل هذه الأشياء؟؟
    اقتربت من المكتب ولم ألحظ ما يسترعي الاهتمام على سطحه, فجلست على الكرسي خلفه وفتحت أول الأدراج وفتشت ما بداخله ثم تنقلت بين البقية واحدا تلو الآخر...
    وفيما أنا أفعل ذلك فجأة سمعت صوتا مقبلا من ناحية الباب فجفلت وتسمرت في مكاني...
    انكتمت أنفاسي من الفزع وتلاحقت نبضات قلبي... وكاد شعر رأسي يقف من الذعر...!
    " رغد"!"
    لقد كان صوت وليد!
    سحبت يدي من الدرج الذي كنت أفتشه ووضعتها تلقائيا على صدري وأطلقت نفسا طويلا...
    وليد تأملني وهو واقف عند فتحة الباب ويده ممسكة بمقبضه ووجهه يكسوه الاستغراب والقلق...
    "ماذا تفعلين هنا وفي هذا الوقت!!؟؟"
    نبعت قطيرات من العرق على جبيني من شدة فزعي وازدردت ريقي وتأتأت ولم أحر جوابا...
    ولما رأى اضطرابي قال:
    "هل أفزعتك؟؟"
    أومأت برأسي (نعم) فأقبل نحوي حتى صار جواري وهو محملق بي باستغراب وحيرة...
    ثم قال:
    "أتبحثين عن شيء؟؟"
    جمعت بعض الكلمات المبعثرة على لساني وقلت:
    "أممم لا... أعني... لا شيء... لقد كنت..."
    ولم أستطع التتمة...
    وليد مد يدم وأمسك بيدي اليمنى المجبرة بلطف وقال:
    "هوني عليك... هذا أنا ليس إلا!"
    وبعد أن هدأت أنفاسي من فزعها وانتظمت خفقات قلبي ولاحظ وليد استرخائي قال:
    "حسنا... عم كنت تبحثين؟؟"
    شعرت بالخجل ولم أجرؤ على إجابته... ماذا أقول له؟!..
    سحب وليد يده عن جبيرتي وانثنى أمامي ومد يده إلى أحد الأدراج واستخرج منه شيئا وضعه على المكتب مباشرة أمامي قائلا:
    "عن هذه؟؟"
    وإذا بها الأوراق التي كنت أفتش عنها ومعها قلمي الرصاصي...
    تسلقت الدماء الحمراء أوداجي ورشت على وجهي صبغا شديد الاحمرار...
    وسكنت عن أي كلام وأي حركة..
    وليد بقي واقفا يراقب تقلبات لوني ولا أعرف ماذا كان يقول في نفسه...
    وأخيرا قال:
    "لم لم تنتظري حتى الصباح أو تطلبيها مني؟"
    حينهها نطقت بارتباك:
    "أأأ... طرأت... في بالي الآن".
    وليد عاد ومد يده وأخذ الأوراق من جديد وقال:
    "هلمي بنا إلى النوم... ينتظرنا سفر ومشقة".
    وسار مبتعدا... والأوراق في يده!
    هتفت:
    "لوحاتي!"
    فالتفت إلي وليد... ثم أمال إحدى زاويتي فمه للأعلى وهو ينظر إلي نظرة قوية ويقول:
    "سآخذها إلى غرفتك! لا تخافي".
    وسبقني إلى غرفتي... تنفست الصعداء... ثم سرت خلفه بعكازي ببطء... وعند الباب تقابلنا وجها لوجه... هو يهم بالخروج وأنا أهم بالدخول...
    بالضبط في طريق خطوات بعضنا البعض لكن أيا منا لم يتنحى عن طريق الآخر...
    رفعت نظري إليه فإذا به ينظر إلي...بعمق وغموض... وجسده يحجب النور عني وظله يغطي جسدي... كالشجرة الخرافية الممتدة إلى السماء...
    حاولت أن أهرب من نظراته... وأن أبتعد عن طريقه... ولم أفلح...
    كنت كالأسيرة المقيدة المربوطة بإحكام إلى جذع الشجرة... ونظراته كانت قوية وثافبة...كتلك النظرات التي كانت معلقة في سقف غرفتي... في بيتنا المحروق... تراقبني وتخترقني كل حين...
    رأيت على طرف لسانه كلاما يوشك أن يقوله... أكاد أجزم بأن بعض الحروف قد تساقطت منه...
    لكن وليد زم شفتيه وعض على أسنانه وتنهد ثم قال أخيرا:
    "تصبحين على خير".
    وغادر الغرفة...



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:02


    الحلقة الرابعة والأربعون

    الخيار المستحيل
    استقبلنان العم إلياس استقبالا حميما جدا... مليئا بالعناق والقبل... فقد كان غيابنا طويلا وبقي العجوز وحيدا بعيدا عن أخته وابنتها اللتين لم يسبق له فراقهما...
    كانت خطتي المبدئية هي أن نأتي جميعا إلى المزرعة فقد تساعد الأجواء هناك على تحسين الأوضاع النفسية لنا...
    وإن رفضت رغد البقاء هناك, وهذا ما أتوقعه, كنت سأخذها إلى بيت خالتها وأقضي في المزرعة بضعة أيام...
    مخاوفي الأولى كانت في ردود فعل عائلة أم حسام تجاه إصابة رغد, والتي لم تذكر لهم شيئا حتى الآن...
    بضع أيام في المزرعة هي كافية لتجديد نشاطي وطرد هموم صدري...
    أزور أثناءها شقيقي سامر وأقنعه بالمجيء للعمل معي في المصنع, ونعود نحن الثلاثة إلى منزلنا الكبير...
    كان هذا ما أتمنى حصوله وأجهل ما الذي ستؤدي إليه الأقدار مستقبلا...
    أروى غاية في البهجة وتكاد تقّبل حتى الأشجار من شدة الشوق والحنين, والخالة لا تقل عنها فرحا...
    أما الفتاة الواقفة خلفي فهي تسير بعكازها خطوة للأمام وخطوة للخلف, رافضة دخول المزرعة...
    انطلقت أروى تعدو بين الأشجار كالفراشة... ونشرت الخالة بساطا قماشيا على العشب بجانب مدخل المنزل... وجلست عليه ومددت رجليها باسترخاء...
    وذهب العم إلياس يقطف بعض ثمار العنب ثم غسلها وجلبها إلى البساط وأشار إلينا:
    "تعالوا... تذوقوا".
    الوقت كان ليلا... والنسيم كان عليل جدا والهواء غني بالأوكسجين النقي الذي يبث الحيوية والانتعاش في البدن... وكم نحن بحاجة إليها...
    "تعال يا وليد... إنه لذيذ جدا... تفضلي يا آنسة رغد".
    دعانا العم إلياس بسرور إلى وجبة العنب الطازجة...
    التفت إلى رغد التي تقف خلفي مترددة وقلت:
    "تعالي رغد".
    الإنارة كانت خفيفة منبعثة رئسيا من المصباح المعلق عند مدخل باب المنزل...
    لكنها سمحت لي برؤية الاعتراض على وجه رغد.
    خاطبتها:
    "رغد... ما الأمر؟"
    أفصحت:
    "
    تعرف... لا أريد المبيت هنا".
    اقتربت منها أكثر حتى أخفض صوتي وأضمن عدم وصوله لمسامع الآخرين...
    "أرجوك يا رغد... لا تحرجيني مع العائلة... تحملي قليلا من أجلي".
    قالت:
    "لكن..."
    ولم تتم فقلت:
    "بالله عليك... على الأقل لهذه الليلة... نرتاح من عناء السفر ونقابل كرم المضيفين بحسن الذوق...
    لا يمكننا أن نخرج هكذا فجأة دون اعتبار للأدب واللياقة... أنا أرجوك بشدة يا رغد".
    واستجابت رغد لرجائي الملح... وسارت معي حتى حتى جلست على طرف البساط ببعض المشقة... وأقتربت أنا من سلة العنب وأخذت لي ولها شيئا منه...
    وكان بالفعل لذيذ جدا...
    تبادلت والعم إلياس أحاديث خفيفة متنوعة وشعرت بارتياح شديد قلما أشعر به مع شخص غيره...
    والعم كان من الأدب بحيث إنه لم يسأل عن تفاصيل ما أصاب رغد حين رآها بالعكاز بل اكتفى بحمد الله على سلامتها...
    قضينا نحو الساعة جالسين على البساط نتناول العنب حتى أتينا على آخره...
    سمعت بعد ذلك رغد تهمس لي:
    "لا أستطيع الجلوس هكذا طويلا... أصاب الإعياء رجلي".
    قلت:
    "حسنا... هل تودين الذهاب إلى الداخل؟"
    سألتني:
    "ماذا عنك؟"
    أجبت:
    "أود البقاء هنا فالجو رائع جدا... وقد أبيت الليلة على هذا البساط!"
    وابتسمت للتعجب الذي ظهر على وجه الصغيرة ثم نهضت ونهضت هي معي, واستأذنا للدخول إلى المنزل...
    ساعدت رغد على صعود العتبات ورافقتها إلى غرفتها ثم توليت حمل الحقائب إلى الداخل وتأكدت من أن كل شيءمهيأ لها, وتركتها لتسترخي...
    عدت إلى الخارج واستلقيت على البساط وبدأت أملأ رئتي من الهواء النقي...
    أغمضت عيني في استرخاء تام... وكنت أسمع أحاديث العم والخالة المرحة...
    وربما من شدة استرخائي غفوة لفترة من الزمن...
    صحوت بعد ذلك على أصوات أشخاص يتحدثون,وحين فتحت عيني رأيت العم والخالة وأروى جالسين على مقربة مني وملتفين حول صينية الشواء... ورائحة المشويات تملأ المكان.
    قال العم:
    "ها قد نهض وليد... نوم العافية... تعال وشاركنا".
    جلست ونظرت إلى الجمر المتقد وقلت:
    "آه... أما زال لديكم طاقة بعد السفر!"
    رد العم:
    "وهل ستنامون دون عشاء؟ اقترب بني".
    وجلست معهم أملأ أنفي بالرائحة الطيبة...
    أروى كانت تتولى تقليب المشاوي بهمة... وكانت قد أطلقت شعرها الطويل لنسمات الهواء...
    وعندما هب نسيم قوي حمل خصلة منه نحو الجمر فحركت يدي بسرعة لإبعاده وأنا أقول:
    "انتبهي".
    لا أعرف إن كان العم لا حظ وجود شحنة بيني وبينها أم لا...
    والخالة سرعان ماتدخلت وأعدت الطبق المنشود وبنفسها حملته إلى غرفة رغد, غير أنها عادت به بعد قليل وأخبرتنا أن الفتاة نائمة.

    بعد وجبة غنية كهذه قمت أتمشى في المزرعة وأحرك عضلاتي... غبت طويلا ولما عدت صوب المنزل لم أر غير أروى مضطجعة على ذات البساط الذي كنت نائما فوقه... تراقب النجوم...
    حينما أحست باقترابي جلست وأخذت تلملم شعرها الذي تعبث به الريح...
    اقتربت منها ثم ناديتها وقلت:
    "أروى...يجب أن نضع حدا لكل هذا".
    وقفت أروى وهمت بالمغادرة وهي تقول:
    "نعم... سنضع حدا".

    *****************

    نهضت باكرة جدا... على زقزقة العصافير القوية المتسللة عبر النافذة إلى الغرفة.
    فيما بعد فتحت النافذة فتدفقت تيارات باردة من الهواء النقي إلى الداخل... وأطللت من النافذة فرأيت الخضرة تغطي المنظر وتأسر الأعين...
    لم أستطع مقاومة هذه الجاذبية... ارتديت عباءتي وسرت بعكازي بحذر... وخرجت من المنزل.
    كان صباح رائعا... والشمس بالكاد أرسلت الجيش الأول من أشعتها الذهبية لتغزو السماء.
    على مقربة من المنزل وجدت السيدة ليندا تحمل سلة كبيرة وتجمع فيها ما تقطفه من العنب.
    حييتها فردت مبتسمة وسألتني عن أحوال فطمأنتها إلى أنني بخير...
    ووجدتها فرصة عفوية لأشكرها على وقوفها معي وعنايتها بي أيام أصابتي.
    " لا داعي للشكر يابنيتي... نحن عائلة واحدة وجميعنا في خدمة بعضنا البعض".
    كان ردها كريما مثل طبعها... وأشعرني بالخجل من مواقفي السابقة منها بالرغم من أن ندي الحقيقي هو أروى...
    " إنك طيبة القلب جدا وأنا لا أعرف كيف أشكرك أو أعتذر منكِ على أي إزعاج تسببت به لك".
    قلت بصدق وعرفان فكررت:
    "لا ننتظر الشكر من أبنائنا على رعايتهم".
    عجيب! إنها نفس الجملة التي قالها وليد لي مؤخرا!
    ولدى تذكري الجملة تذكرت كيف حملني وليد بالكرسي وصعد بي الدرج ثم نزل دون أن تظهر عليه أي إمارة تعب!
    وكذلك تذكرت (لوحاتي) والموقف الأخير بيننا...
    آه أنتم تعرفون مسبقا... كم هو طويل وعريض وضخم وقوي ابن عمي الحبيب هذا!
    الشيء الذي لا تعرفونه والذي اكتشفته مؤخرا.. هو أن صدره واسع جدا جدا...
    يكفي لأن أغوص فيه وأسبح دون أن أصل إلى بر أرسي عنده!
    ابتسمت ابتسامة عريضة وأنا أتخيل وليد... ربما اعتقدت السيدة ليندا أنني ابتسم لها مسرورة بجملتها الأخيرة...!
    خطوة مبتعدة عنها ومتغلغلة في عمق المزرعة بسرور...
    ملأت صدري من الهواء المنعش الذي شعرت به يسري حتى في أطرافي... وكان عابقا بمزيج من رائحة الخضرة والزهور... كم كان هذا رائعا خلابا...
    بعد فترة من الزمن.. ظهرت الشقراء أمامي فجأة..
    كانت ترتدي ملابس بيتية وتطلق شعرها الطويل للهواء الطلق.. وتسير على العشب حافية القدمين..
    اصطدمت نظراتنا ببعضها وتنافرت بسرعة! هممت بالانسحاب بعيدا عنها لكنها فجأة نادتني:
    "انتظري".
    ماذا؟! أنا أنتظر؟ ومعكِ أنتِ؟
    ألقيت عليها نظرة لا مبالية وهممت بالمغادرة غير أنها اعترضت طريقي...
    "ماذا تريدين؟"
    سألتها بحنق فأجابت:
    "ألا يمكننا التحدث ولو للمرة الأخيرة... كشخصين ناضجين؟"
    لم أستسغ مقدمتها هذه وفي الواقع أنا لا أستسيغ منها أي شيء...
    قلت بحدة:
    "أي حديث بعد؟! بعد الذي فعلته!"
    أروى قالت مدافعة:
    "أنا لم أفعل شيئا يا رغد... وكلانا يدرك أنه كان حادثا عفويا... ولو كنت أعلم مسبقا بأنك ستتضررين هكذا ما كنت اعترضت طريقك".
    عقبت باستهجان:
    "وها أنتِ تعترضين طريقي ثانية...وقد ينزلق العكاز مني وأقع وأصاب من جديد... فهل ستقولين عنه إنه حادث عفوي؟"
    ابتعدت أروى عن طريقي فحثثت الخطى قدر الإمكان... مولية عنها...
    سمعتها تقول من خلفي:
    "لكننا سنضع حدا لكل هذا يا رغد... والحال لن تستمر على هذا النحو".
    لم ألتفت إليها.. فتابعت:
    "من الأفضل أن نناقش الأمر بيننا نحن قبل أن نضعه على عاتق وليد".
    توقفت... فاسم وليد هز وجداني.. لكنني لم أستدر إليها.. وسمعتها تتابع:
    "وليد لن يتحمل وجودنا معا... ولا يستحق هذا العناء... المكان لا يتسع لكلينا...
    وعلى واحدة منا الانسحاب طوعا".
    أثارتني عبارتها الأخيرة أيمّا إثارة... وأرغمتني على الالتفات إليها وأنا أحبس أنفاسي من الذهول...
    تابعت هي:
    "أجل يا رغد... على إحدانا الانسحاب من دائرة وليد... وتركه يعيش بسلام مع الأخرى".
    ازداد اتساع حدقتي عيني وتجمع الهواء الفاسد في رئتي فاضطررت إلى زفره بقوة...
    أروى سارت مقتربة مني... حتى صارت أمامي وهي محملقة في وجهي...
    قالت:
    "إحدانا يجب أن تضحي من أجل راحة وليد..."
    لازلت متسمرة على وضعي... لا أكاد أصدق ما أسمع...
    تغيرت نبرة أروى إلى الحزن.. وتابعت:
    "رغد.. هل تفهمين ما أعنيه؟"
    أطرقت برأسي كلا... كلا لا أريد ان أفهم.. كلا لا أريد أن أسمع المزيد.. لكن أروى قالت:
    "بل تفهمين... البارحة وليد لم ينم مطلقا... راقبته قبل نومي ورأيته يحوم في المزرعة بتشتت... وعندما نهضت فجرا وجدته لا يزال في الخارج شاردا لحد الغيبوبة...
    إنه لا ينام منذ أيام... أوضاعنا تشغل باله لأبعد الحدود... إنه مهموم جدا ويعاني الأمرين بسببنا...
    وأنا أريد أن نضع نهاية لهذا... هل فهمت؟"
    كان صوت أروى يخترق أذني بعنف... وقلبي يتقطع وأنا أسمع منها كلاما كهذا لأول مرة...
    قالت:
    "أعتقد... أن أمر وليد يهمك كما يهمني.. أليس كذلك؟"
    لم أجب فكررت السؤال:
    "أليس كذلك يا رغد؟"
    قلت أخيرا:
    "بلى.. قطعا".
    أروى قالت بنبرة أشد حزنا:
    "يجب أن تضحي إحدانا من أجل راحته... إنه يستحق التضحية".
    نظرت إليها بعمق لم يسبق لي أن نظرت إليها بمثله... بجدية لم يسبق أن علت نظراتي إليها... وباهتمام لم يسبق أن أوليتها لها من قبل...
    وكانت تبادلني النظرات...
    ولم أشعر إلا بدمعة تتجمع في مقلتي ثم تسيل حارقة على خدي...
    خرجت الجملة من حنجرتي واهية مذعورة:
    "تقصدينني أنا؟؟"
    لم تتكلم أروى.. فقلت وأنا أحرك رأسي رفضا:
    "مستحيل..."
    فإذا بها تقول:
    "صدقيني... لقد وصلنا إلى مرحلة لا يمكن أن نستمر نحن الثلاثة معا.. مطلقا"
    أخذت شهيقا باكية وقلت:
    "لكن... لكنه الوصي علي... لا يمكنني الاستغناء عنه.. إنه كافلي".
    قالت:
    "وهو زوجي أيضا".
    وخزتني جملتها وقرصت قلبي... فقلت رافضة:
    "أنت تعبثين بي... تتلاعبين بمشاعري".
    أروى قالت:
    "إنها الحقيقة يا رغد وأنت تدركينها.. لكنك تخدعين نفسك... انظري إلى حال وليد بيننا ... هل يعجبك؟ هل يرضيك أن يعاني كل هذا التشتت؟ هل ترضين له.. هذه المرارة".
    وتخيلت صورة وليد وهو يتشاجر معي ليلة حفلة العشاء... ويقول لي إنه تعب من تقلبات مزاجي.. ويطلب مني تركه يستريح قليلا... وشعرت بسكين قوية تمزق قلبي...
    طأطأت رأسي إلى الأرض فهوت دموعي مبللة العشب...
    آه يا وليد... هل أنت تعاني بسببي أنا؟ هل أنا سبب تعكير مزاجك؟؟ هل وجودي معك هو خطأ كبير علي تصحيحه؟
    لكن.. ماذا عني أنا؟؟
    أنا لا أستطيع العيش بدونك.. إنك الهواء الذي أتنفسه وإن انقطعت عني.. فسأموت فورا..
    "رغد".
    خاطبتني الشقراء فرفعت بصري إليها ولم أرها من غزارة الدموع...
    "رغد.. يجب أن نناقش الأمر.. يجب ألا نستمر في هذه الدوامة التي ستقضي على وليد أولا.. إن كنا نكترث لأمره بالفعل..فيجب أن نتصرف بإثار.. لا بأنانية.. على إحدانا أن تخلي الساحة.."
    عصرت عيني لأزيح الدموع عنها ثم قلت بصوت حزين:
    "لماذا لا تكون ...أنت؟"
    أروى تنهدت ثم قالت:
    "أنا.. مستعدة لأن أفعل ذلك من أجل وليد.. أحبه كثيرا وسأضحي بمشاعري لإراحته.. صدقيني أنا أعني ما أقول.. لكن.."
    قلت:
    "لكن ماذا؟"
    أروى نظرت إلى الأشجار من حولها.. ثم إلى السماء.. ثم عادت إلي..
    "وليد.. متعلق جدا بعمله.. لقد.. كان حلم حياته أن يدير شركة أو مصنعا, كما كان والده رحمه الله..
    تعرفين أن وليد متخرج من السجن.. ولا يحمل شهادة دراسية غير الثانوية...
    لم يرحب أحد به للعمل عنده.. وبالكاد وجد عملا كفلاح بسيط في مزرعتنا لقاء المأوى والطعام.. وليد عانى كثيرا وعاش فترة بائسة جدا العام الماضي..
    ربما لم تشعروا بها كما شعرت بها أنا... وأنا, وأنت كذلك.. كلانا لانريد له أن يعود لذلك البؤس من جديد.. أليس كذلك؟؟"
    هززت رأسي ثم هتفت:
    "كفى"
    واستدرت أريد الهروب بعيدا عن صورة أوروى وكلامها... لكنها تابعت وهي تعلي صوتها:
    "إذا كنت تحبين وليد فعلا فابتعدي عنه... لا تعيديه إلى البؤس يا رغد".
    تابعت طريقي بأسرع ما أمكنني... ولحقتني عبارتها:
    "فكري في الأمر مليا... من أجل وليد".
    كفى... كفى... كفى...
    كنت أسير وأحرك رأسي محاولة نفضه عن كل ما علق به من كلام أروى...
    عندما وصلت إلى غرفتي اندفعت بسرعة أكبر نحو سريري فتعثرت ووقعت قبل أن أصله...
    وعلى الأرض رميت برأسي ونثرت دموعي وأنا أكرر:
    "كلا... كلا... كلا..."
    وعبثا حاولت طرد كلامها من رأسي... غدا كالسم... يسري في عروقي كلها ويشل تفكيري وحركتي ويعميني عن رؤية غير السواد...

    **********************
    لم أكن نشيطا هذا اليوم... فقد استيقضت عند الظهيرة بعد نوم سطحي ساعات النهار...
    تفقدت الآخرين فوجدت العم إلياس في الساحة الأمامية للمنزل مشغولا بتنظيف الصناديق الخشبية المستخدمة في جمع الثمار مما علق بها من بقايا ثمار وأتربة.
    هذا الرجل لا يكف عن العمل! ورغم أننا وظفنا مجموعة من العمال للعناية بالمزرعة لساعات معينة من النهار, غير أنه ما فتىء يستخدم ساعديه وبهمة كما في السابق.
    بعد حوار بسيط ساعدته على تنظيف الصناديق ثم ترتيبها فوق بعضها البعض, لعل النشاط يدب في بدني النهك..
    وحالما فرغنا من الأمر فاجأني العم بهذه الجملة...
    "بني... أريد أن نتحدث بشأنك أنت وأروى".
    أدركت من خلال النظر إلى عينيه أنه صار على علم بما حصل مؤخرا... التزمت جانب الصمت
    فقال مستدرجا:
    "أريد أن أسمع منك ما حكاية عمار عاطف؟"
    شعرت باستياء.. فقد وصل الموضوع الآن إلى العم.. وصار موقفي محرجا جدا..
    تبا لك يا عمار.. قتلتك منذ 9 سنين وحتى الآن لم أتخلص منكَ؟؟
    أجبت أخيرا:
    "هل أخبرتك أروى؟"
    قال:
    "إنهما لا تخفيان عني شيئا يا وليد".
    وظهر شيء من القلق على ملامح العجوز.. مم أنت قلق يا عمّي؟؟ وهل اهتزت ثقتك بي أنت أيضا؟؟ أنا لا أتحمل خسارة الإنسان الأول الذي قدم لي الاحترام والثقة والمعوتة وفتح لي باب قلبه وبيته بينما كل الأبواب موصدة في وجهي.. بعد خروجي من السجن..
    قلت مدافعا:
    "عمّاه.. أرجوك صدقني.. أنا لم أقصد أن أخفي عليكم حقيقة أنني قاتل ابن أخ نديم رحمه الله".
    وبدا الاهتمام الشديد على وجه العم, وأصغى بكل جوارحه...
    فتابعت:
    "حتى نديم ذاته لم يعرف هذه الحقيقة. لقد كان صديقا وأبا لي في السجن وأحببته كثيرا...
    وحضوري إليكم وارتباطي بكم كان بدافع الوفاء له.. لم أجد منلسبة لكشف هذا ولم أعتقد أن الأمر سيسبب كل هذا التعقيد"؟
    العم أظهر تعبيرات التفهم التي أراحتني بعض الشيء ثم قال:
    "حسنا.. ربما لم تكن هناك مناسبة لذكره مسبقا, أما الآن وقد ذكر.. فاعذر فضولنا لنعرف لماذا قتلته أو على الأقل.. لماذا لا تريد أن تفصح عن السبب".
    رمقت العم بنظرة رجاء... اعفني يا عم من من هذا... أتوسل إليك... لكن نظراته كانت تنم عن الإصرار.. أشحت بوجهي بعيدا عن عينيه.. وقلت:
    "لا أسطيع".
    العم رفع يديه إلى كتفي وقال:
    "وليد.. انظر إلي".
    بتردد أعددت عيني إلى عينيه.. وحملقنا في بعضنا البعض لفترة..
    بعدها أبعد العم يديه وقال:
    "كما تشاء".
    ثم ابتعد عني... ناديته برجاء:
    "عمّاه.."
    وحين نظر إلي قلت:
    "أرجوك.. لاتتخذ مني موقفا بسبب هذا.."
    العم ابتسم وقال:
    "لا عليك يا بني".
    جملته طمأنتني فقلت:
    "أسبابى قهرية".
    قال:
    "عرفت ذلك. إنك أنبل من أن تقتل شخصا لأسباب أصغر".
    تنهدت باطمئنان وقلت:
    "آه.. أشكرك ياعمي... أرحتني".
    العم إلياس ابتسم وقال:
    "الأهم أن نريح الفتاة التي تراقبك من النافذة خلسة!"
    وعندما التفت إلى ناحية المنزل لمحت أروى تقف عند النافذة وتنظر إلي...
    ذهبنا بعد ذلك أنا والعم لتأدية الصلاة وعندما عدنا كانت مائدة الطعام معدة لي وللعم في غرفة الطعام, وللسيدات في المطبخ كما جرت العادة. أطللت على المطبخ برهة وكما هو متوقع لم أجد رغد. سألت عنها فأخبرتني الخالة أنها دعتها للمائدة غير أنها اعتذرت عن المشاركة.
    أردت أن أتفقد الصغيرة بنفسي.. ولم أكن قد رأيتها منذ البارحة.. وأنا أعرف أنها منزعجة من النزول في المزرعة...
    طرقت باب غرفتها فأذنت لي بالدخول.. سألتها عن أحوالها فطمأنتني إلى أنها بخير.. ولكنني أنا وليد أعرف متى تكون صغيرتي بخير!
    "ما بك يا رغد؟"
    سألتها بقلق فردت مباشرة:
    "لا شيء"
    قلت مشككا:
    "متأكدة؟"
    أجابت:
    "طبعا!"
    نظرت إلى عينيها غير مقتنع وقلت:
    "لا تخفي عني شيئا يا رغد".
    وما كدت أنهي جملتي حتى فاضت دموع حارة كانت مختبئة في عينيها...
    "رغد!"
    بسرعة مسحت رغد دموعها وتظاهرت بالتماسك وادعت:
    "أنا بخير".
    قلت محتجا:
    " وهذه الدموع؟"
    قالت زاعمة:
    "فقط.. مشتاقة إلى خالتي".
    لا يمكنك خداعي يا رغد... هناك ما تخفينه ولا ترغبين بالبوح به...
    اقتربت منها وقلت:
    "تعرفين أنني سآخذك إليها اليوم.. فلماذا الدموع؟"
    رغد غيرت تعبيرات وجهها محاولة إظهار المرح وابتسمت وقالت:
    " متى نذهب؟"
    أجبت مجاريا:
    "الخامسة ننطلق بعون الله".
    فقالت:
    "بعون الله".
    ثم ابعدت عينيها عني لئلا أقرأ المزيد... لم أشأ إزعاجها فتجاهلت دموعها وقلت:
    "حسنا.. سأطلب من الخالة جلب وجبتك".
    وهممت بالانصراف غير أنها قالت:
    "كلا شكرا. لا أشعر بالجوع الآن".
    قلت:
    "هل تناولت شيئا في الصباح".
    ولم ترد.
    قلت مستاءً:
    "لم تأكلي شيئا مذ غادرنا المنزل؟"
    قالت:
    "بلى.. عنقود العنب".
    قلت مستاءً:
    "كلا... رجاء لاتتهاوني في ذلك.. أم أنك لم تتعظي مما حصل تلك الجمعة؟ لا يتحمل جسمك النحيل الجوع".
    فرددت رغد مبررة:
    "لكني لا أحس بالجوع الآن".
    قلت مقاطعا:
    "حتى وإن.. لن أثق بإحساسك بعد الذي حصل. سأجلب غذاءك بنفسي".
    قالت معترضة:
    قلت لك لا أشتهي شيئا وليد أرجوك! أنا لست طفلة".
    أحقا!
    أتظنين نفسك لست طفلة؟؟
    أو تعتقدين أن الأعوام التسعة التي أضيفت إلى عمر طفولتك التي فارقتك عليها... زادتك في نظري كبرا ونضوجا؟؟
    بل أنتِ طفلتي التي مهما دارت بها رحى السنين ستظل في عيني صغيرة لا بد لي من العناية بها..
    لم أشأ وقتها أن أضغط عليها أو أحرجها.. خصوصا وأنا أشعر بأن هناك ما يضايقها..
    فقلت:
    "حسنا.. لكن يجب أن تأكلي شيئا قبل موعد المغادرة..اتفقنا؟"
    فأجابت بملل:
    "حاضر".
    أخفضت صوتي وجعلته أقرب إلى الهمس العطوف وأضفت:
    "وإذا كان هناك أي شي يضايقك.. وأحسست بالحاجة لإخباري.. فلا تترددي.."
    نظرت إلي رغد نظرة مطولة ثم قالت:
    "بالتأكيد".
    وبالتأكيد هذه خرجت من صدرها متشحة بحزن عميق ضاعف مخاوفي..
    استأذنتها بالانصراف.. وحالما بلغت الباب سمعتها تقول فجأة:
    "وليد.. سامحني!"
    أي تأثير تتوقعون أن جملتها هذه أوقعت على نفسي؟؟
    ماذا جد عليك اليوم يا رغد؟؟
    صحيح أنني اعتدت على تقلباتها... وانفعالاتها المتفاوتة... كونها تغضب وترضى وتفرح وتحزن بسرعة... ولا يتوقع المرء موقفها التالي, غير أن حالتها هذه الساعة جعلت قلبي ينقبض ويتوقع أزمة مقبلة..
    لطفك يا رب..

    ****************
    كل الساعات الماضية وأنا أفكر فيما قالته الشقراء... وأشعر بقلبي ينعصر.
    لا شك أنها محقة فيما قالت وأن وليد بسبب وجودي في حياته وتوليه مسؤوليتي العظمى.. مع وجود الخلافات المستمرة بيني وبين الشقراء... لا شك أنه يضغط على نفسه كثيرا ويعاني..
    طوال الوقت وأنا أتصرف بأنانية ولم أفكر به.. بما يشعر وبما يثقل صدره ويرهق كاهله.. جعلته يغير ظروف حياته لتناسبني أنا.. وحملته الكثير.. الكثير..
    هذه الساعة أنا أشعر بالذنب وبالخجل من نفسي.. والغضب عليها.. آه يا وليد قلبي... هل ستسامحني؟؟
    فكرت في أنني يجب أن أختفي من حياته وأخلي طرفه من المسؤولية علي.. حتى يرتاح.. ويهنأ بحياته.. لكن الفكرة ما أن ولدت في رأسي حتى وأدها قلبي بقسوة.. وأرسل رفاتها إلى الجحيم..
    أنا أبتعد عن وليد؟؟
    مستحيل! مستحيل... لا أستطيع.. إنه الروح التي تحركني والأرض التي تحملني والدنيا التي تحويني..
    أحبه وأريد أن أبقى ولو اسما منقوشا على جدار يمر به كل يوم..
    أحبه أكثر من أن أستطيع التخلي عنه.. أو حتى تخيل العيش بدونه..
    عند الخامسة أتى وليد لحمل حقيبة سفري.. وتبعته إلى الخارج.. كان يسير وأسير على ظله الطويل.. شاعرة برغبة مجنونة بأن أرتمي عليه..
    وصلنا إلى السيارة وأدخل وليد الحقيبة فيها.. وفتحت أنا الباب الخلفي لكي أجلس وأسلمه العكاز ليضعه مع الحقيبة..
    وليد قال وهو يفتح باب المقعد الأمامي المجاور لمقعد السائق:
    "اركبي هنا يا رغد".
    نظرت إليه مستغربة.. فقد اعتدت أن أجلس خلفه... وهذا الموضع صار من نصيب الشقراء الدخيلة...
    قال وليد معللا:
    " فالمكان أوسع وأكثر إراحة لرجلك".
    وكانت هذه السيارة أهداها سامر لوليد قبل أشهر والتي اصطدمنا فيها بعمود الإنارة في ذلك اليوم الممطر.. وهي أصغر حجما من سيارة وليد الجديدة التي يستخدمها في المدينة الساحلية..
    أذعنت للأمر ولما جلست تناول هو عكازي ووضعه على القاعد الخلفية, ثم أقبل وجلس خلف المقود وأدخل يده في جيبه وأخرج هاتفه ووضعه على المسند, وتفقد جيبه الآخر ثم التفت إلي وقال:
    "انتظريني رغد... نسيت شيئا.. سأعود حالا".
    وغادر السيارة عائدا أدراجه إلى المنزل...

    *****************

    انتبهت إلى أنني لم أحمل محفظتي معي.. وكنت قد تركتها على المنضدة في غرفتي منذ البارحة.. وقد حملت فيه مبلغا ماليا لأعطيه لرغد لتنفق منه أثناء إقامتها في بيت خالتها...
    تركت رغد في السيارة وذهبت لإحضار المحفظة.. وفيما أنا في الغرفة أتتني أروى..
    كانت تتحاشاني نهائيا منذ قدومنا.. عدا عن خصامها لي منذ أيام..
    وكانت أخر مرة تحدثنا فيها ولو قليلا هي ليلة حفلة عشاء رغد.. والتي لم تدع لي المجال لأي حديث معها بعدها... وبدوري لم أتعمد ملاحقتها أو الضغط عليها.. أردت أن نأخذ هدنة ليومين أو ثلاثة.. نتنفس الصعداء ونسترخي في المزرعة.. ثم نعود لمناقشة أمورنا من جديد...
    عندما رأيتها وقفت برهة ولم أتكلم..
    "إذن.. ذاهبان الآن؟"
    بادرت هي بالسؤال فأجبت:
    "نعم".
    ظهر عليها التوتر ثم قالت:
    "وهل ستمكث هناك؟"
    أجبت:
    "سأبقى لبعض الوقت, ثم أذهب إلى شقيقي.."
    سألت:
    "ومتى ستعود؟"
    أجبت:
    "غدا مساء على الأرجح.. أريد قضاء بعض الوقت مع شقيقي فنحن لم نلتق منذ فترة".
    ظهر مزيد من التوتر على وجه أروى..
    سألتها:
    "أهناك شيء؟"
    سارت أروى نحوي حتى صارت أمامي..
    قالت:
    "وليد أنا... أنا..."
    ولم تتم إنها مترددة.
    "ما الأمر؟"
    تشجعت قليلا وقالت:
    "أنا.. أعتقد أنك لا يمكن أن تقتل شخصا دون سبب قوي جدا.."
    وصمتت..
    أدهشني كلامها بادئ ذي بدء... فأنا لم أتوقع أن يبدأ الحديث بيننا بهذا الموضوع بالذات بين كل المواضيع العالقة, والأكثر أهمية.. لكن الواضح أنه أول ما يشغل تفكير أروى..
    تابعت:
    "أخبرني خالي.. بأن أبي رحمه الله.. كان يقول عن عمار إنه شخصا سيئا..
    وأن عمي عاطف رحمه الله قد أخفق في تربيته.. وأنه أي أبي.. كان يشعر بالعر منه".
    حبست نفسي لئلا أتفوه بسيل منجرف من الشتائم..سئ فقط؟ أنت لا تعرفين من كان ابن عمك الذي تتحرقين شوقا لمعرفة سبب قتلي إياه.. وكأنه ضحية بريئة..
    تابعت:
    "حسنا.. أنا لن أسألك عن السبب ثانية.. واخف عني ما تريد إخفاءه بالنسبة لموضوع عمار... لكننا يجب أن نتناقش بموضوع رغد".
    أثارني ذكر رغد.. فقلت بلهفة:
    "رغد؟"
    أروى أكدت:
    "نعم رغد... الوقت غير مناسب الآن.."
    أقلقتني جملتها في وقت كنت أنا فيه قلق ما يكفي ويزيد... خصوصا مع حالة رغد الجديدة اليوم.. وخطر ببالي أنهما - أي رغد وأروى- ربما تشاجرتا معا من جديد..
    فعدت أسأل:
    "ماذا عن رغد؟"
    ألقت علي أروى نظرة قوية التعبير ثم أجابت:
    "الحديث يطول.. وأنت على وشك المغادرة".
    فنظرت إلى ساعة يدي ثم قلت مستسلما:
    "حسنا.. عندما أعود غدا.. نتحدث".
    وفي رأسي فكرة تقليص فترة الهدنة, بما أن أروى قد بادرت بالحديث معي..
    أروى أخذت تحرك رأسها اعتراضا ثم إذا بها تقول:
    "أرجوك أن.. تبقى مع شقيقك بضعة أيام".
    فوجئت بطلبها.. الذي جاء عكس استنتاجاتي.. ولما رأت تعبيرات الدهشة على وجهي قالت مبررة:
    "أريد ألا نتقابل لبعض الوقت.. لا تسئ فهمي.. من الأفضل أن نرخي أعصابنا حتى نفكر بهدوء.."
    أصابني طلبها بجرح.. ولكني تظاهرت بعدم التأثر وقلت:
    "فهمت.."
    وتذكرت آنذاك أنني كنت قد وعدت عمي بمرافقته في مشوار مهم يوم الغد بشأن المزرعة..
    "إذن سأعتذر لخالك عن العودة.. وأحمل بعض الحاجيات".
    وذهبت للبحث عنه ووجدته في المطبخ يساعد الخالة ليندا في تنظيف السمك..
    أخبرته بأنني سأقضي بضعة أيام مع شقيقي واعتذرت عن مرافقته.. وودعته هو والخالة بوجه مبتسم..
    عدت بعدها إلى غرفتي وحملت حقيبتي الصغيرة التي أتيت بها إلى الجنوب وفيها بعض ملابسي وحاجياتي... وأعدت الأشياء التي كنت قد استخرجتها منها.. وبينما أنا مشغول بها سمعت صوت أروى تناديني..
    "وليد".
    عندما التفت إليها رأيتها واقفة عند الباب ووجهها يبدو حزينا وممتقعا.. ولمحت دمعة تنساب من عينها..
    سألت بقلق:
    "ما بك الآن؟؟"
    وكان جوابها بأن أقبلت نحوي.. ووضعت رأسها في حضني وطوقتني بذراعيها بحرارة..

    **********************

    تأخر وليد!
    قال إنه نسي شيئا وسيعود في الحال.. وتركني جالسة في السيارة والتي لم يشغل محركها ولا مكيفها!
    شعرت بالحر والاختناق ففتحت باب السيارة أتنفس الهواء الطلق.. وبعد دقائق داهمني الشعور بالقلق.. لماذا تأخر وليد؟؟
    خرجت من السيارة واستخرجت عكازي منها وذهبت كي أتفقده..
    ذهبت مباشرة نحو غرفته ورأيت الباب مفتوحا.. ولم يكن علي إلا أن ألقي نظرة عن بعد عبر فتحه حتى أرى حبيب قلبي يعانق أكثر فتاة كرهتها في حياتي.. على الإطلاق..
    الصورة أعشت عيني.. وخدرت أصابعي.. ومزقت بقية أربطة مفاصلي فتفككت وانفصمت مفصلا مفصلا..
    انسحبت أجر أطرافي جرا وأتخبط في سيري حتى بلغت الباب الرئيسي وخرجت إلى الشمس دون أن أرى شيئا..
    شعرت بالعتمة تلون كل ما حولي.. وبمفاصلي المنفصمة تخر هاوية..
    أمسكت بالباب أنشد دعمه لكنه أرجحني معه.. وحتى عكازي.. خانني في آخر لحظة وسلمني أسيرة الوقوع أرضا..
    ربما رق الحجر لحالي؟ لم أشعر بأي ألم.. أو ربما البنج الذي سببته الصدمة لي أتلفت أعصابي الحسية.. فما عدت أشعر بأي شيء.. أي شيء..
    ثوان وإذا بالباب يتحرك ومن خلفه يطل الرجل الطويل.. العملاق الذي أحبه..
    والذي رغم كل السواد.. والظلام والعتمة.. استطعت رؤيته.. والذي فور رؤيتي له تدفق النزيف من قلبي مجتاحا كل المشاعر..
    كان يتكلم.. لكنني لم أسمعه.. ثم رأيته يجلس على العتبة قربي ويمد يده إلى عكازي.. ويقربه مني..
    ماذا يقول هذا الرجل؟؟ ماذا يطلب مني؟؟ هل يريد أن أقف؟ ألا يرى مفاصلي مفككة؟؟ ألا يرى عضلاتي مشلولة؟؟ ألا يرى الدماء تغرق جسدي؟؟ ألا ترى كل ذلك يا وليد؟؟ ألا ترى كل ذلك؟؟
    أسنتدت رأسي إلى الجدار.. وأغمضت عيني.. وتمنيت ألا أفتحهما بعد الآن أبدا..

    *****************************




    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:03

    تتمه
    ********************


    "رغد ماذا جرى لك؟"
    قلت ذلك ومددت يدي تلقائيا إلى وجه رغد وضربته بخفة... فقد كانت نغمضة العينين وكأنها ستفقد وعيها.. ولي معها سابق مواقف..
    فتحت رغد عينيها ونظرت إلي مباشرة.
    قلت مفزوعا:
    "أأنت بخير؟؟"
    نظرت رغد من حولها أولا وكأنها تستفيق من نوم أو إغماءة.. بدا على وجهها التيه والضيعان..ثم نظرت إلي وكأنها ليست واثقة ممن أكون.. ثم وضعت يدها على جبينها كأنها تسترجع الذاكرة..
    وأخيرا قالت:
    "تعثرت بالعتبة".
    قلت بلهفة:
    "سلامتك.. هل أصبت؟"
    فحركت رأسها نفيا..
    مددت يدي لأساعدها على النهوض:
    "قومي بنا إلى السيارة".
    لكن رغد لم تقم بل أسنتدت مرفقها إلى رجلها ورست برأسها على كفها اليسرى وقالت:
    "انتظر قليلا.."
    وظهر عليها الإعياء.. ما فجر سيول قلقي المتكدسة منذ الظهيرة.. قلت:
    "رغد.. يبدو عليك الإعياء.. أخبريني بصدق.. هل أنت بخير؟ هل تشعرين بدوار؟"

    أومأت رغد بنعم, لكنني لم أطمئن.. قلت:
    "لا تبيدين كذلك.. أراهن أنك لم تسمعي كلامي, ولم تأكلي شيئا.. أليس كذلك؟"
    ولم ترد.. فتأكدت من شكوكي وقلت بغضب ممززوج بالقلق:
    "متى تتوقفين عن هذا العناد...؟ هل يجب أن تكرري ما حصل وتجففي دمائي من القلق عليك؟ جسمك أضعف من أن يتحمل عنادك.. رأفة بنفسك وبي.. لقد أهلكتني".
    ولم أنتبه لقسوة كلماتي إلا حين رأيت وجه رغد يلتفت إلي ويكفهر ويصفر.. بعدها قلت بنبرة ألطف:
    "سوف لن نغادر وأنت بهذه الحالة".
    هنا اعترضت رغد وقالت"
    "كلا أرجوك.. أنا بخير الآن".
    قلت مناقضا ادعائها:
    "لا لست بخير.. أرى هذا بوضوح".
    قالت مصرة:
    "أنا بخير.. صدقني.. تعثرت بهذه العتبة لا أكثر.. دعنا نذهب الآن".
    ثم أمسكت بالعكازونهضت واقفة لتثبت لي أنها على ما يرام.. لكني أعرف أنها ليست كذلك.. إنها تلتهم أنفاسها النهاما وتتحرك ببطء.. ويطغى الشحوب على وجهها..
    قلت:
    "دعينا ندخل إلى الداخل.. ستتناولين وجبة كبيرة وتنالين قسطا من الراحة قبل أن نغادر".
    رغد استماتت معترضة:
    "رجاء وليد... دعنا ننصرف الآن".
    لم أصدقها وبقيت مصرا على موقفي, وهي مصرة على عنادها...
    "لن نتحرك خطوة واحدة وأنت بهذا الشكل.. ماذا إن انهرت علي في الطريق؟؟ واضح من لونك أنك مرهقة. ستدخلين الآن إلى المنزل وتأكلين بعض الطعام ماذا وإلا فأنني سأؤجل الرحلة إلى الغد".
    وأمسكت بيدها بلطف أحثها على السير نحو الداخل غير أنها سحبتها وقالت ببعض العصبية:
    "قلت لك لا أريد شيئا من هذا المكان.. ألا تفهم؟؟"
    حينها أدركت موقفها.. فقلت:
    "في هذه الحالة... إذن.. سنمر بأحد المطاعم قبل المغادرة".
    ولم تملك رغد إلا أن تنصاع للأمر.. سرنا عائدين إلى السيارة ببطء وحذر.. وهي بعكازها.. وأنا بحقيبة سفري.. جنبا إلى جنب.. وخطوة بخطوة.. كنت خاش عليها أن يداهمها الدوار كما في المرة السابقة, لا قدر الله...
    فتحت الباب الأمامي وطلبت منها الجلوس.. على المقعد المجاور لمقعدي... لتبقى على مقربة مني.. وتحت ناظري مباشرة..
    وانطلقنا بعون الله...
    توقفت عند أحد المطاعم واشتريت لها وجبة كبيرة أجبرتها على تناولها عن آخرها..
    وأعترف بأنني كنت صارما معها.. فأعرف أن جسدها النحيل لا يحتمل الجوع الطويل..
    وبعد تجربتي الأخيرة معها في منزلنا الكبير... لن أسمح لها التهاون بشأن الطعام...
    طوال المشوار.. رغد كانت صامتة صمتا مغلقا.. أنا غير مرتاح من حالها اليوم ولكنها لم تشأ إخباري بشيء... والله الأعلم.. بم تفكر الآن...
    أما أنا, فإلى جانب تفكيري بها كنت أفكر بقلق في عائلة خالتها وما سيقولونه عن إصابتها... وسرعان ما ثبت لي أن مخاوفي في محلها...
    أم حسام, وبمجرد أن رأت الصغيرة تدخل المنزل بالعكاز.. لطمت على وجهها وصرخت:
    "ابنتي.. ويلاه".
    وأقبلت مسرعة مولولة.. وضمت الفتاة إلى حضنها وبدأت بالنواح..
    ورغد سرعان ما انفجرت بكاء عميقا على صدر خالتها مما زاد الأمر دراما واشتعالا...
    أردت أن أتكلم.. أن أسلم.. وأوضح الأمرفقلت:
    "خالتي".
    ولم أكد أتم الكلمة حتى رأيت أم حسام ترفع رأسها وتنظر إلي وقد توهج وجهها احمرارا وفاضت الدموع من عينيها وتطاير الغضب من بؤبؤيها وإذا بها تصرخ:
    "ماذا فعلت بالفتاة أيها المتوحش؟ لا بارك الله فيك ولا في اللحظة التي تركت ابنتي فيها تحت رحمتك أيها المجرم القاتل".
    ذهلت... صعقت.. ووقف شعر رأسي من كلامها الجنوني... ألجم لساني من الهول... حاولت النطق بأي شيء.. فإذا بها تمطرني بدعوات شريرة مزلزلة...
    "لا بارك الله فيك... لا وفقك الله في شي... حطم الله قلبك كما حطمت قلبي على ابنة أختي".
    صرخت:
    "رغد".
    مستنجدا.. قولي شيئا! تظن خالتك أنني كسرت عظامك وعن عمد... قولي شيئا يا رغد.. أوضحي لهم... لكن رغد لم تتكلم.. حتى أنها لم تنظر إلي..
    التفت من حولي فرأيت أعين بقية أفراد العائلة تحملق بي والشرر يتطاير منها.. ما هذا؟؟ أكلكم تظنون أنني كسرت عظامها؟؟ هل تعنون هذا؟؟
    فجأة سمعت صوت حسام يقول بحدة:
    "ماذا فعلت بها؟".
    أجابت أم حسام منفعلة:
    "ألا ترى؟ كسر عظامها كسر الله عظامه ودكها دكا".
    أبو حسام تدخل ها هنا وقال:
    "رويدك يا أم حسام هداك الله... دعينا نسمع منه ما حصل".
    والتفت إلي وقال:
    "هيا بنا إلى الداخل".
    ووقفت مكاني مذهولا من موقف أم حسام المهاجم بعنف دون استيضاح الأمور... ومن موقف رغد الصامتة وكأنها تؤيد خالتها في هجومها اللاذع ضدي...
    نظرت إلى رغد شاعرا بالخذلان.. كيف تدعيهم يظنون بي هكذا ثم لا تدافعين عني ولا بكلمة ولا إيماءة واحدة؟؟
    أم حسام سارت مسندة لرغد التي خطت بعكازها مبتعدة عني... دون أن تلقي علي أي نظرة...
    قال أبو حسام:
    "تفضلوا جميعا".
    بقيت واقفا متسمرا في مكاني يحول ذهولي من كلام أم حسام دون حراكي, فالتفت أبو حسام إلي ومد يده نحوي وقال:
    "تفضل وليد".
    وسرنا جميعا نحو المدخل... يسبقنا نواح أم حسام...
    الطريق بين بوابة السور الخارجي للمنزل والباب الداخلي له طويل لحد ما.. يتخلل حديقة المنزل الأمامية...
    قطعنا المسافة صامتين إلا عن ولولة أم حسام التي أحدثت في قلبي صدعا بالغا...
    عندما وصلنا إلى باب المنزل قلت قاصدا تنبيهها:
    "انتبهوا... إنها لا تستطيع صعود الدرجات".
    وتقدمت بقصد مد يد العون إلا أن أم حسام زجرتني بقسوة:
    "دع الفتاة لي".
    فابتعدت والعرق يتصبب مني حرجا..
    واقتربت ابنتة خالة رغد الكبرى ومع والدتها ساعدت رغد على الصعود...
    قادني أبو حسام إلى غرفة الضيوف وأحسن ضيافتي.. أما حسام فقد كنت أشعر بألسنة النار تندلع من عينيه وهو يراقبني بتربص...
    أخيرا شرحت لهما ما حصل وبينت أنه كان حادثا عرصيا.. غير أن ذلك لم يخفف وطء المصيبة على حسام الذي قال معقبا:
    "ولماذا لم تبلغنا عن الحادث منذ البداية؟ إلا إذا كان هناك ما تريد إخفاءه أو تحريفه".
    أبو حسام زجر ابنه..والأخير رمقني بنظرة ملؤها الشك والنقمة..
    قلت:
    " أحرف ماذا؟؟"
    رد وهو يقوم واقفا:
    "سأعرف هذا من رغد".
    وغادر الغرفة...

    ************************

    الانهيار الذي ألم بي لدى رؤية خالتي لم يكن بسبب رجلي ويدي.. بل بسبب الصورة الأخيرة التي لا تزال مبثوثة أما عيني.. للخطيبين المتعانقين بكل حمية وانسجام.. والتي لم تفلح رؤية خالتي وعائلتها في محوها عن بصري ذلك اليوم..
    أجرى معي أقاربي تحقيقا مطولا عن إصابتي وشرحت لهم تفاصيلها وأوضحت لهم أنه لا علاقة لوليد بالحادث وأن اللوم كله يقع على الشقراء..
    لم أكن أرى غيرها في عيني.. وأردت أن أحرق صورتها بأي شكل.. وبالغت في التعبير عن غضبي منها ومما حل بي بسببها..
    أما خالتي فقد كانت تضع باللوم على نفسها لأنها سمحت لي بالذهاب إلى المدينة الساحلية بعيدا عن عنايتها...
    وبعد أن استوعب أهلي الأمر وهدأت مشاعر غضبهم الأولية أخذت أسرد لهم بعض أخباري وأخبار الجامعة وحياتي اليومية في المنزل الكبير..
    وأخبرتهم كيف كان وليد يعتني بي... ويعاملني بكل لطف ومودة.. وكيف بقي مرابطا إلى جانبي فترة مكوثي في المستشفى.. وأشياء كثيرة كان وليد يقدمها لي بكل سخاء.. لم أشعر بافتقادها إلا الآن..
    والحديث عن وليد لم يعجب حسام الذي قال منفعلا:
    "أنت طيبة يا رغد... ولن تحكمي على ذلك المتوحش إلا بالطيب!"
    قلت مدافعة:
    "لماذا تنعته بالمتوحش يا حسام؟؟"
    قال:
    "هل نسيت كيف هاجمني ذلك اليوم؟ وكيف لطم شقيقه بقسوة أمام عيني يوم كنا في بيتكم يا رغد؟ وكيف جرك من يدك رغما عنك وأجبرك على السفر معه إلى الجنوب. إنه متوحش وهمجي كسائر المجرمين الــ.."
    غضبت كثيرا وقلت مندفعة مقاطعة:
    "لا تنعته بهذا.. لا أقبل منك... كيف تجرؤ؟؟"
    والجملة ضايقت حسام فانسحب من الغرفة التي كنا نجلس فيها..
    حل الصمت على الأجواء.. ثم تكلمت نهلة قائلة:
    "لا تكوني قاسية عليه يا رغد! إنه غاضب لأجلك".
    وأضافت سارة:
    ""يحبك كثيرا".
    التفت إلى هذه الأخيرة فرأيتها تبتسم ابتسامة شديدة الغباء.. كعادتها.. تجاهلتها وجملتها كما تجاهلتها خالتي ونهلة..
    خالتي قالت بعد ذلك:
    "على كل يا رغد.. ها قد عدت ولن أدعك تغادرين ثانية".
    ألتفت إلى خالتي نظرة متوجسة فقابلتني بنظرة شديدة الإصرار وقالت:
    "إلى هنا ويكفي..سنحل هذه المسألة جذريا اليوم قبل الغد".
    ورأيتها تضبط حجابها وتتجه نحو الباب فقلت بقلق:
    "إلى أين خالتي؟"
    قالت بحزم:
    "سأذهب لأتحدث مع وليد.."
    وخرجت مباشرة وتبعتها سارة دون ترك فرصة لي لأي ردة فعل...
    نظرت إلى نهلة في توتر وقلت:
    "ماذا ستفعل؟؟"
    أجابت نهلة:
    "لا أعرف!ربما ستتشاجر مع ابن عمك!"
    قلت مستهجنة:
    "لماذا كلكم متحاملون على وليد؟ قلت لكم إنه ليس مذنبا في شي".
    قالت نهلة:
    "تدافعين عنه لأنك تحبينه يا رغد..لكنه في الواقع رجل متسلط وقاسٍ ومكابر.. إننا جميعا في هذا المنزل لا نرتاح له..."
    قلت بعصبية:
    "إنكم جميعا لا تعرفون شيئا..تصدرون حكما ظالما على شخص لم تعاشروه... أرجوك يا نهلة الحفي بخالتي واطلبي منها الحضور إلى هنا فورا".
    لم تتحرك نهلة فقلت:
    "هيا يجب أن أعرف أولا ما الذي تخطط له"ز
    ولم تتحرك نهلة بالسرعة المطلوبة.. غادرت الغرفة, وعادت بعد دقيقتين.. وما إن رأيتها بادرتها بالسؤال:
    "هل لحقت بها؟"
    قالت:
    "نعم, وهي الآن في غرفة الضيوف".
    صحت بعصبية:
    "تبا! ولماذا لم توقفيها؟ لا بد أنها الآن تتشاجر مع وليد".
    نظرت إلي نهلة نظرة استنكار ثم قالت:
    "لا تخافي على مشاعر ابن عمك!... إنه ليس هنا".
    قلت مستغربة:
    "ليس هنا؟؟"
    قالت:
    "غادر منذ زمن.. يبدو أنه قد رحل فور إنهاء فنجان قهوته!"

    *************************

    إنني تجرعته جرعة كدت أغص بها.. بسبب النظرات التي تقدح شررا من حولي... مصوبا نحوي..
    صحيح أن أبا حسام قدم الاعتذار عما قالته زوجته لي.. لكن ذلك لم يخفف عني شيئا.. وبحياتي لم أقف أمام شخص يدعو علي علنا وبهذا الشكل.. وأكثر ما خيبني هو موقف رغد البارد..
    نعم كنت أتوقع أن يثور أقاربها علي ولكن ليس بهذا الشكل..
    سامحهم الله...
    وصلت إلى شقة شقيقي سامر أخيرا.. ولم أكن قد اتصلت به.. وأردت أن أفاجئه بحضوري...
    قرعت الجرس وغطيت بإصبعي عدسة الباب لئلا يراني..
    قرعت ثانية وثالثة وما من مجيب! لكنني كنت قد رأيت سيارته في المواقف.. ولا شك أنه في الشقة..
    أخيرا سمعت صوتا منخفضا يسأل:
    "من هناك؟"
    لم أتبين ماهية الصوت.. فطرقت الباب لعله يعاود الحديث.. فكرر الصوت بنبرة حذرة:
    "من الطارق؟"
    نعم إنه صوت شقيقي.
    قلت:
    "شخص يريد معانقتك فورا.. افتح الباب".
    وبدا كأن أخي لم يميز صوتي.. ثم رأيت الباب ينفتح بحذر.. ورأيت رأس أخي يطل منه أخيرا..
    اندهشت ملامحه كثيرا وانفغر فاهه.. لكن دهشتي أنا كانت أكبر!
    "وليد!"
    قال والعجب يعلوه..
    قلت:
    "بشحمه ولحمه!"
    لم يفتح سامر الباب وظل محملقا بي لثوان...
    قلت:
    "هل أبدو شبحا؟"
    هنا بدأ سامر يبتسم وفتح الباب ومد ذراعيه لمعانقتي..
    "إنني أكاد لا أصدق عيني! فاجأتني يا رجل".
    ابتسمت وقلت:
    "بل أنا المندهش يا أخي.."
    وأشرت بإصبعي إلى عينه اليمنى وقلت:
    "اختفت الندبة تماما! تبدو وسيما للغاية".
    سامر ضحك وهو يمسك بيدي ويقودني إلى الداخل..
    تذكرون أن جفني عين سامر اليمنى قد أصيبا بحرق بالجمر عندما كان طفلا صغيرا.. وأن عينه تشوهت وأصبحت نصف مغلقه وقبيحة المنظر.. وكان أبي رحمه الله يود إخضاعه لجراحة تجميلية غير أن أوضاعنا المادية في تلك الفترة كانت سيئة..
    في لقائنا الأخير كان سامر قد بدأ علاج الندبة والآن عالج حركة الجفن وما لم يقق الناظر إليها جيدا فإنه لن يكتشف وجود أي أثر أو فرق بين عينيه..
    الحمد لله..
    في داخل الشقة وجدت ضيوفا لأخي.. عرفنا سامر إلى بعضنا البعض, وبعد حديث قصير استأذن الضيوف وغادروا...
    قلت:
    "أرجو ألا تكون زيارتي قد أتت في وقت غير ملائم".
    قال سامر:
    "ماذا تقول يا أخي! إنهم رفقائي في العمل.. نلتقي في كل وقت.. لا تأبه لهم".
    ابتسمت فقال سامر:
    "لكنك فاجأتني! ما سر هذه الزيارة غير المتوقعة؟"
    قلت مداعبا:
    "اشتقت لعينك اليمنى فجئت أتفقدها".
    ضحك سامر ثم قال:
    "بجد وليد.. لِمَ لم تبلغني لأستقبلك في المطار؟"
    أجبت:
    "أردت أن أقتحم عليك الشقة!"
    وضحكت ثم أضفت:
    "في الحقيقة كنا قادمين إلى المزرعة.. فأتيت لأزورك".
    سامر ابتسم ابتسامة خفيفة ثم سأل:
    "و... ورغد؟"
    قلت بعفوية:
    "تركتها في بيت خالتها".
    شيء من التردد ظهر عليه ثم قال:
    "لِمَ لم تحضرها معك؟ أعني أننا لم نسمع من بعضنا منذ شهور".
    آه يا سامر... أتريد القول إنك اشتقت إليها؟؟
    إنني أسوأ شخص لتبدي لهفتك عليها أمامه!
    وربما أحس سامر ببعض الأفكار تدور في رأسي فقال مغيرا الدفة:
    "كيف سارت أموركم المدينة الساحلية؟ وما أحبار نسبائك؟"
    أجبت:
    "الحمد لله.. وهم يبلغونك السلام".
    "سلمهم الله.. ماذا عن أقارب رغد؟"
    قلت:
    "أتيت من منزلهم.. الجميع بخير".
    قال:
    "لم أتصل بهم منذ فترة! ما أخبار حسام؟ هل التحق بالمعهد كما كان يخطط؟"
    أجبت:
    "لا أعرف فأنا لم أطل البقاء لديهم ولم أسمع آخر أخبارهم".
    ثم أضفت:
    "مررت لدقائق مصطحبا رغد".
    عاد ذلك التوتر الخفي إلى وجه أخي وتجرأ وسأل:
    "وكيف هي؟ وكيف تعايشت مع خطيبتك في المنزل؟؟"
    استغربت السؤال كثيرا.. ولماذا تسأل عن تعايشها مع خطيبتي؟؟ وهل تعلم بأن بينهما شيئا؟؟
    قلت:
    "مع خطيبتي؟"
    رفع سامر كتفيه وحاجبيه وقال:
    "آه نعم.. فهي كانت.. أعني أنها لم تكن.. منسجمة معها في السابق... آمل أن يكون الوضع قد تغير!!"
    رباه!
    هل تعرف أنت يا سامر عن توتر العلاقة بين الفتاتين؟ لا بد أن رغد كانت توافيك بالأخبار..!
    قلت راغبا في التأكد:
    "هل.. تتصل بك رغد؟؟"
    بهت سامر واندهش من سؤال ورد مباشرة:
    لا لا!... لم أتحدث معها منذ كنتما معي في الشقة".
    كان ذلك قبل شهور.. عندما مرضت ولازمت فراش شقيقي ليوم وليلة.. هنا في الشقة.. بعد حادث السيارة.. ولكنني لم أعرف أن رغد كانت قد أبلغته آنذاك عن علاقتها المتوترة مع أروى.. حتى أنني لم أكن أعير ذلك التوتر اهتماما حقيقيا آنذاك..
    قلت:
    "حسنا.. يبدو أنك تعرف أن العلاقة بينهما مضطربة".
    ظهر الاهتمام على وجه أخي.. وتابعت:
    "لا تزال كذلك".
    سأل أخي بقلق:
    "إذن كيف كانتا تتعملان مها هناك؟"
    قلت:
    "بتنافر متبادل... خصوصا في الآونة الأخيرة".
    ثم أضفت:
    "والآن هما متخاصمتان تماما".
    قال سامر:
    "توقعت هذا".
    أثار حيرتي وفضولي.. فسألت:
    "عفوا؟؟"
    ارتبك سامر ثم أوضح:
    "أعني.. أن رغد لا تتكيف بسهولة مع أحد.. من الصعب جدا أن تكسب صداقتها.."
    لم أعلق فتابع سامر:
    "إنها حذرة جدا في اختيار من ترغب في منحهم صداقتها.. ولا تتأقلم مع من هم خارج إطار سنها أو اهتماماتها أو مجالها الفكري.."
    سامر!
    هل تريد أن تفهمني أنك تعرف رغد خير مني؟؟
    بالطبع تعرف.. فأنت بقيت قريبا منها طوال السنين التي حرمت أنا فيها منها.. وكبرت وتطورت شخصيتها أمام عينيك...
    وأصبحت أقرب الناس إليك ألصقهم بك..!
    أما أنا فلم أصل للدائرةالتي بارتباطك الشرعي أنت بها..أمكنك تخطيها...
    تأملت شقيقي.. في أعماق عينيه كانت المرارة تتكلم.. إنه يتحدث عن الفتاة التي كانت خطيبته لما يقرب من أربع سنين... والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من الزواج به..
    تأملت لأجله.. لكن..
    يا سامر.. ألم تجد في هذه الدنيا غير حبيبتي أنا.. كي تعلق قلبك بها؟؟
    إن رغد.. منذ أن حلت بعائلتنا قبل 15 عاما وأكثر.. أصبحت لي..
    قلت:
    "على كل.. ستظل في بيت خالتها لعدة أيام.. يمكنك زيارتهم وتفقد أحوالها وقت تشاء".
    استغرب سامر وقال:
    "عدة أيام؟؟ غريب! ماذا عن الجامعة. أهي مجازة؟؟"
    صمت قليلا ثم قلت:
    "إنها... في إجازة مرضية طويلة.. فهي.. مصابة بكسور في قدمها ويدها".

    ***************************

    مر يوم وأنا أقيم باسترخاء في بيت خالتي.. وفر لي أفراد العائلة سبل الراحة وتفانوا في رعايتي والاهتمام بي..
    غير أن ذلك لم يخلصني من التفكير المستمر في وليد... خصوصا وأنه لم يتصل للسؤال عني حتى الآن..
    تراقبني نهلة وأنا ممسكة بهاتفي المحمول في تردد... أأتصل أم لا؟
    "هل يصعب عليك الاتصال بيدك اليسرى؟ دعيني أساعدك".
    قالت ذلك نهلة بخبث.. فهي تدرك ما الذي يدور برأسي..
    قلت مستسلمة:
    "الغريب أنه لم يخبرني قبل مغادرته ولم يتصل ليتفقد أحوالي.. في المنزل كان يتفقدني ألف مرة في اليوم والآن نسيني!؟ لا سلام ولا كلام ولا خبر... لا أعرف إن كان قد ذهب إلى سامر أم عاد إلى الشقراء".
    وتذكرت صورتها الأخيرة فامتقع وجهي... ثم تذكرت حديثها الأخير معي صباح الأمس.. فأبعدت الهاتف عني..
    لاحظت نهلة حركتي الأخيرة فقالت:
    "جيد! لا تتصلي.. واختبري مدى قدرتك على تحمل بعده".
    قلت:
    "لا أتحمل.. لا يمكنني تخيل حياتي بدونه! سأموت إذا ابتعد عني".
    رفعت نهلة حاجبيها ونظرت إلى السقف استنكارا..
    قلت مدافعة عن كلامي ومؤكدة له:
    "إذا تخلى عني فسوف أموت فورا.. صدقيني... لا أستغني عنه يوما ولا ساعة... والدخيلة البغيضة.. اللصة.. تطلب مني الخروج من حياته.. تريد الاستحواذ عليه لوحدها.. تظن أنها أقرب وأحق به مني".
    هبطت نهلة ببصرها من السقف علي وعلقت:
    "وهي على صواب يا رغد!"
    توترت وكدت أصرخ.. حتى أنت يا نهلة؟؟ حتى أنت؟؟
    قلت بعصبية:
    "كلا.."
    ردت نهلة مباشرة وبشيء من القسوة:
    "يا رغد... لمَ لا تستفيقين من أحلامك الخرافية؟؟ ما الجدوى من حب رجل متزوج؟ إنك تهدرين عواطفك سدى".
    أحست نهلة بأنها قست علي.. فأقبلت نحوي وأمسكت بيدي اليسرى وقالت مواسية:
    "أنا قلقة عليك.. وأفكر بعقلانية.. لقد مضت فترة طويلة.. وأنت لا تزالين تحلمين بالمستحيل.. تعذبين نفسك.. انظري إلى أين وصلت؟"
    وهي تشير إلى عكازي..
    ثم تابعت:
    "آن الآوان لتستفيقي.. اتركي الرجل وخطيبته يواصلان مشوارهما.. بسلام.. وانتبهي أنت لنفسك.. والتفتي للشخص الذي ينتظر منك الإشارة ليغمرك بكل الحب والحنان اللذين تحتاجينهما".
    نظرنا أنا ونهلة لبعضنا نظرة طويلة... عميقة... وأنا أشعر بأن الدنيا كلها تتخلى عني وتقف في صف أروى..
    فجأة رن هاتفي المحمول فسحبت يدي بسرعة من بين يديها وأخذت الهاتف وأجبت حتى قبل أن ألقي نظرة على اسم المتصل..
    سمعت نهلة تقول باستنكار:
    "أنت حالة ميؤوس منها!"
    لم أعرها امتماما وتحدثت عبر الهاتف بلهفة:
    "نعم مرحبا".
    متوقعة أن يكون وليد..
    لكنه لم يكن!
    لقد كان.. سامر!
    سألني عن أحوالي.. وعن إصابتي وحمد الله على سلامتي.. ودار بيننا حديث قصير علمت من خلاله أن وليد سيظل معه بضعة أيام..
    ثم قال فجأة:
    "هل يمكنني أن أزوركم الليلة؟"
    اشتعل وجهي احمرار من الحرج.. تعثرت في كلامي ولكنني أوصلت إليه:
    "بالطبع.. أهلا بك.. سأخبر خالتي بهذا".
    وبعد أن أنهينا المكالمة نظرة إلى نهلة فرأيتها تحملق بي بخبث!
    قلت:
    "إنه ليس وليد بل سامر".
    عادت تنظر إلى السقف...
    قلت:
    "ويريد أن يحضر لزيارتنا الليلة".
    نظرت إلي بخبث وقالت:
    "تعنين لزيارتك".
    تنهدت وقلت وبريق الأمل يشع في عيني:
    "وبالطبع سيأتي وليد معه.. سأطلب من خالتي أن تعتذر إليه".
    وفيما بعد تحدثت مع خالتي ووعدتني بأن تتحدث مع وليد بهدوء وتعتذر عما قالته يوم أمس...
    وعندما حل المساء.. وعند الثامنة والنصف قرع جرس المنزل..
    انتظرت إلى أن جاء حسام ليخبرني:
    "يرغب ابن عمك في إلقاء التحية عليك".
    قلت بشوق يكاد يفضحني:
    "هل حضر وليد؟"
    نظر حسام إلى نهلة الجالسة بقربي.. ثم إلي وقال:
    "لم أعن هذا الـــ.."
    وانتبه لنفسه ولم يتم.. ثم قال:
    "أعني سامر".
    قلت بخيبة أمل:
    "وحده؟"
    أجاب:
    "والاي معه الآن.. تعالي لتحييه".
    نظرت إلى نهلة ففهمتني..
    قمت ورافقت حسام إلى غرفة الضيوف.. حيث كان سامر يجالس خالتي وزوجها..
    ما أن رآني حتى وقف ونظر إلى العكاز وعلت تعبيرات وجهه علامات المفاجأة والألم..
    أما أنا فقد دهشت للتغير الجديد في مظهر عينه...
    "مرحبا سامر.. كيف حالك".
    بادرت في تحيته فرد والقلق يغلف نظراته وصوته:
    "مرحبا رغد.. كيف حالك أنت؟ سلامتك ألف سلامة".
    قلت:
    "سلمك الله. الحمد لله إصابتي في تحسن.. تفضل بالجلوس".
    وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث نحن الخمسة ساعة من الزمن ثم استأذن سامر للمغادرة..
    قبل انصرافه أعطاني ظرفا قال لي أنه من وليد... وسألني عما إذا كنت بحاجة لشيء فشكرته وودعته على أن نبقى على اتصال...
    أما الظرف فقد كان كما توقعت يحوي مبلغا من النقود...

    ********************************
    إنها النقود التي كانت في محفظتي ونسيت تسليمها لرغد بعد أن أصابني الإرباك وأنا أراها جالسة على عتبة المنزل في المزرعة...
    لم أرغب في الذهاب.. لذا تركت شقيقي يخرج لزيارتها وتسليمها النقود بنفسه.. وبقيت وحيدا في شقته..
    كما أنني أيضا لم أرغب في الاتصال لا بها ولا بأروى.. وآثرت البقاء بعيدا عن كليهما لبعض الوقت..
    باشرت بتنظيم الحاجيات القليلة التي حملتها معي.. وعندما فتحت خزانة الملابس الخاصة بشقيقي فوجئت برؤية فساتين نسائية معلقة آخر الصف...
    أصابتني الدهشة والحيرة.. وتملكني الفضول لإلقاء نظرة على بقية الخزانة والأدراج.
    لن تصدقوا أنني وجدت خاتم خطوبة سامر الفضي موضوعا في أحد الأدراج مع مجموعة من علب الهدايا والمجوهرات...
    وكان أحد الأدرلج مقفلا والله الأعلم.. ما الذي يخبئه شقيقي فيه...
    أخذت أعبث بالخاتم في يدي وأنا شارد التفكير.. وشاعر بقلق شديد على سامر..
    وفكرت في الألم الذي يعانيه وفي الصدمة التي ستصيبه إن أنا تزوجت رغد..
    إنها نفس المشاعر التي عانيت مرارتها حين اكتشفت ارتباطه هو بها..تجربة قاسية جدا لا أريد لشقيقي الوحيد أن يخوضها..
    وأضافة إلى عشرات المشاغل والهموم التي تثقل صدري وتزدحم في رأسي, أضفت اليوم هما جديدا... اسمه سامر..
    ولم أدر يومها.. أنه الهم الذي سيحتل المركز الأول في قائمة المصاعب التي لا يزال القدر يخبئها لي في المستقبل القريب..

    *****************************

    مرت أيام وأنا في بيت خالتي لا هم لي سوى التفكير الملي بما قالته الشقراء لي آخر مرة... حالتي النفسية لم تكن جيدة وقد لاحظ ذلك أفراد العائلة.
    "والآن يا رغد.. ما الذي يشغل بالك لهذا الحد؟ إننا جميعا قلقون عليك".
    كان هذا سؤال خالتي والتي كانت تلحظ شرودي... أجبت:
    "لا شيء خالتي.."
    قالت غير مصدقة:
    "لا شيء؟"
    أجبت مدعية:
    "إنني.. قلقة بشأن.. أعني بشأن الجامعة وغيابي عنها".
    ولا أدري إن بدا كلامي مقنعا أم لا, غير أنه لم يقنع نهلة الجالسة معنا... بطبيعة الحال.
    قالت خالتي:
    "الجامعة والجامعة! دعك منها يا رغد.. وانسي أمرها".
    حدقت في خالتي بتعجب! فقالت:
    "لست بحاجة إليها ولا أرى داع لها أصلا".
    قلت مندهشة:
    "خالتي! كيف تقولين هذا؟"
    قالت:
    "لو لا إلحاحك ما كنت وافقت على الذهاب مع ابن عمك للجنوب من أجل الدراسة.. اصرفي نظرا عنها أو التحقي بالمعهد مثل حسام".
    قلت محتجة:
    "ولماذا أفعل ذلك؟ أنا مسرورة بدراستي وناجحة بل ومتفوقة فيها".
    وأضفت:
    "ثم أن وليد قد دفع تكاليف الدراسة لهذا العام كاملة... وهو مبلغ طائل لن نضيعه هباء".
    قالت:
    "وماذا عن السنوات التالية؟"
    قلت:
    "سيدفعها أيضا".
    قالت معترضة:
    "ولماذا يكبل نفسه كل هذا العناء؟ الجامعات الأهلية مكلفة جدا".
    قلت:
    "لكن وليد ثري جدا.. ومصاريف دراستي لا تساوي شيئا أمام كل ما يحصل عليه".
    قالت خالتي:
    "لا نريد أن نكلف الرجل فوق هذا.."
    قلت متعجبة:
    "ماذا تعنين؟ إنه الوصي علي!"
    قالت خالتي:
    "هنا مربط الفرس..."
    ولم أفهم ما تعنيه.. ثم قلت:
    "على كل نحن ننتظر حضوره حتى نضع النقاط على الحروف".
    وحالما انصرفت خالتي سألت نهلة:
    "ما الذي تعنيه خالتي وماذا تقصد؟؟"
    نهلة ردت:
    "هذه المرة.. أمي جادة جدا بشأن إقامتك معنا بشكل دائم يا رغد!"
    قلت مندهشة:
    "والجامعة؟؟ ووليد؟؟"
    قالت:
    "آن الآوان... للتحرر منهما!"
    في ذلك اليوم لم أطق صبرا... واتصلت بوليد... أخيرا...
    وكأنني أكلمه للمرة الأولى في حياتي... لا أعرف لماذا ارتبكت وتسارعت نبضات قلبي..
    وفور سماعي لصوته.. انصهرت كما تنصهر الشمعة... دمعة دمعة!
    "كيف أنت؟ ولماذا لا تتصل بي؟"
    تجرأت وسألته بعتاب.. إذ إنه لم يهاتفني ولا مرة مذ أحضرني إلى هنا.. وكأنني عبء ما كاد أنه تخلص منه!
    وليد قال:
    "لم أشأ إزعاجك.. وأعلم أن أقاربك يعتنون بك جيدا".
    حتى وإن! أنت أبي بالوصاية.. أليس من واجبك السؤال عني كل يوم؟
    قلت:
    "ومتى ستحضر؟"
    قال:
    "هل هناك شيء؟؟"
    قلت:
    "لا لا... لا تقلق.. إنما قصدت.. متى سيتعين علينا العودة؟"
    لم يجبني مباشرة ثم قال:
    "لا يزال أمامنا بعض الوقت.. موعدك في المستشفى لم يحن".
    هكذا إذن! لن تأتي لرؤيتي إلا يوم السفر أم ماذا؟؟
    قلت:
    "إن خالتي ترغب في الحديث معك".
    قال:
    "حسنا..."
    قلت:
    "لا أعني على الهاتف.. تود أن تأتي للعشاء عندنا.. والتحدث".
    قال:
    "لا بأس.. لنقل بعد يومين؟ فأنا في الطريق إلى المزرعة الآن".
    فوجئت.. وخذلتني جملته الأخيرة.. ذاهب إلى المزرعة ولم تفكر بالمرور بي؟؟
    قلت:
    "هكذا إذن؟ حسنا لن أشغلك وأنت تقود السيارة.. رافقتك السلامة".

    ****************************



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:03


    تتمه
    ************

    كنت أنتظر إشارة من أروى لأعود للمزرعة ونعود لمناقشة الخلافات الأخيرة الحاصلة بيننا..
    والأيام التي قضيتها مع شقيقي بعيدا عن أي مشاكل كانت كافية لإرخاء الشد الحاصل في أعصابي. فكرتك كانت نافعة يا أروى.. أعترف بهذا.
    اتصلت بي البارحة وأخبرتني أنها ترغب في مقابلتي..
    منذ ارتباطنا وأروى أمامي يوميا لم يفصلها عني غير الشهر الأسود الذي تلا مقتل واليّ رحمهما الله والذي قضيته مع سامر ورغد بعيدا عنها..
    أما رغد فمنذ أن التحقت برعايتي لم أفترق عنا غير الأيام التي سبقت رحيلنا الأخير إلى الجنوب.
    والحديث القصير معها عبر الهاتف جعلني أشتعل شوقا لرؤيتها والاطمئنان على وضعها وصحتها.. ولو لم ابتعدت كثيرا.. لربما سلك بي شوقي الطريق إليها..
    الاستقبال الذي استقبلتني به أروى كان باردا.. على عكس الطريقة التي ودعتني بها.. واخترنا الغرفة الخارجية الملاصقة للمنزل, والتي كنت أقيم فيها فيما مضى.. مكانا لحديثنا المطول..
    أروى ظهرت أكثر هدوءا وتماسكا مما كانت عليه خلال الآونة الأخيرة.. ولم تتعمد الإطالة في المقدمات بل قالت مباشرة:
    "كما قلنا.. يجب أن نضع نهاية لكل المشاكل والخلافات الحاصلة بيننا نحن الثلاثة".
    تعنيني أنا وهي ورغد..
    قلت:
    "وهل وجدت حلا مناسبا؟"
    بدا الجد يعلو قسمات وجهها وأخذت نفسا عميقا ثم قالت:
    "نعم.. وهو.. بيدك أنت يا وليد".
    شعرت بالفضول والحيرة.. لم أفهم ما الذي عنته فسألتها:
    "بيدي أنا؟ ما هو؟"
    قالت:
    "يجب أن تكون مستعدا له".
    ازدادت حيرتي وقلت:
    "بالطبع فأنا أريد بالفعل أن نتجنب التصادم مستقبلا وإلى الأبد... إذا كان الحل بيدي فأنا لن أتردد.. لكن ماذا تقصدين؟"
    هنا توقفت أروى عن الكلام وكأنها تستجنع قواها لتنطق بالجملة التالية.. تلك الجملة التي من قوتها.. كاد سقف الغرفة أن ينهار على رأسي..
    "وليد.. عليك أن تختار.. مع أينا تريد العيش... إما أنا.. أو رغد".
    وقوع سقف بهذا الحجم على رأس موقوت مسبقا.. لا يسبب التكسر والتهشم فقط.. بل ويفجره إلى شظايا تنطلق مخترقة الفضاء إلى ما لانهاية..
    تسمرت على وضعي مذهولا.. أشد ذهولا من الذهول ذاته.. أحاول أن أترجم اللغة العجيبة التي التقطتها أذناي منطلقة من لسان أروى..
    لم أتحدث فأنا لم أعد أملك رأسا يدير حركة لساني..
    أرووى بعد الجمود الذي رأته علي قالت:
    "وليد.. صدقني.. الحياة بوجودنا معا نحن الثلاثة مستحيلة.. لقد فكرت مليا طوال الأيام الماضية.. مرارا وتكرارا.. ولم أجد لمشكلتنا مخرجا غير هذا.. لن نستمر واقفين على فوهة البركان.. أنا ورغد لا يمكن أن نجتمع تحت سقف واحد بعد الآن.. أبدا يا وليد".
    أي سقف؟ وهل أبقيت في المنزل أية أسقف؟ لقد أوقعتها كلها على رأسي يا أروى...
    فعن أي سقف تتحدثين؟؟
    أخيرا استطعت النطق:
    "ما الذي تهذين به؟"
    توترت أروى.. وقالت:
    "هذا هو الواقع... أنا وابنة عمك يستحيل عيشنا سوية في سلام.. لا تتحمل إحدانا وجود الثانية أبدا.. إما أن تعيش معي.. أو تعيش معها.. يجب أن تختار".
    صرخت:
    "أروى... هل جننت؟"
    صاحت أروى:
    "بل هذا هو عين الصواب.. إنني سأجن فعلا إن بقيت مع ابنة عمك في بيت واحد".
    انفعلت وثرت فجأة.. وهببت واقفا أضرب كفي الأيسر بقبضتي اليمنى...
    وقفت أروى وقالت:
    "أرجوك أن تحافظ على هدوئك لنتابع النقاش".
    صرخت بعصبية:
    "أحافظ على هدوئي؟ كيف تريدين مني البقاء هادئا بعد هذا الجنون الذي تفوهت به؟ إنني لم أتوقع أن تكوني أنت كارهة لرغد لهذا الحد أبدا".
    قالت منفعلة:
    "وأما لم أقل إنني أكرهها".
    قاطعتها:
    "وبم تترجمين موقفك هذا؟"
    أجابت:
    "إنه حل وليس موقف.. واحدة منا فقط ستعود وتبقى معك.. وعلى الأخرى أن تظل هنا... هذا من أجل راحتنا جميعا".
    قلت غاضبا:
    "من أجل راحة من؟؟ تريدين مني أن أتخلى عن رعاية ابنة عمي وتقولين راحتنا جميعا؟؟"
    هتفت أروى:
    "أنا لم أقل تخل عنها".
    قلت ثائرا:
    "وما تفسيرك إذن لتركي لها هنا؟"
    قالت:
    "ولم أقل اتركها هي... قلت إنك من يجب عليه أن يختار.. إما أنا أو هي".
    وقفت مأخوذا بأعماق أكبر وأغزر.. لكلام أروى..
    قلت:
    "أروى... بربك... ماذا تعنين؟؟"
    رمقتني بنظرات ملؤها المعاني...
    سألت:
    "تعنين.. أن أعود معها هي.. وأتركك هنا؟"
    رفعت أروى رأسها بشموخ وقالت:
    "إن قررت اختيارها هي".
    اندهشت وقلت:
    "لا بد أن شيئا ما قد ألم بعقلك يا أروى".
    لم تعلق فتابعت:
    "إلا إذا كنت... تعنين لفترة محددة.. ريثما تهدأ الأوضاع".
    قالت بثقة:
    "لا... بل أعني للأبد.."
    صعقت وسألت غير مصدق:
    "وأنت؟"
    قالت وعضلات وجهها قد خذلتها وبدأت بالنهيار:
    "لن أعيش معك ما دامت رغد تحت ولايتك.."
    من ذهولي لم أعرف كيف أرد.. رفعت يدي وأمسكت بعضديها ونظرت إلى عينيها بجدية ثم قلت:
    " هل تعنين ما تتفوهين به يا أروى؟؟"
    أجابت وأول دمعة تنزلق بين رموشها:
    "أعيه وأعنيه تماما يا وليد.. لن لأستمر معك.. ما بقيت ابنة عمك تحت رعايتك.. إن أردت لحياتنا أن تستمر معا.. تنازل عن وصايتها.. وأبعدها عنا".
    أطرقت برأسي رفضا لتصديق ما أسمع.. وضغطت على عضدي أروى وقلت:
    "كلا.. أنت لا تعنين ما تقولين يا أروى.. لا شك أنني أحلم".
    أروى عصرت عينيها وتدفقت الدموع بغزارة منهمرة منهما.
    هززتها وقلت:
    "كلميني يا أروى.. أخبريني بأنك تهذين.."
    أروى فجأة رمت برأسها على صدري وانفجرت باكية وهي تزفر:
    "لا أتحمل هذا... ارحمني وليد.. لا يمكن لقلبي أن يتحمل العيش مع فتاة أعرف أنك تحبها.. ما الذي تخطط له بشأنها؟؟ كم أنت قاس علي..."
    وانهارت أروى في بكاء طويل حارق..
    لم أحرك ساكنا.. وانتظرت حتى أفرغت دموعها في ملابسي.. وبكاءها بين ضلوعي..
    بعدها أبعدت رأسها عن صدري ونظرت إلي..
    "ماذا قررت؟"
    سألتني ونظرتها متعلقة بعيني...
    فلم أرد.. فنادتني:
    "وليد... أنا.. أم هي؟"
    عضضت على أسناني توترا ثم قلت:
    "سأعتبر نفسي لم أسمع شيئا اليوم".
    قالت بحنق:
    "وليد.. لا تهرب من سؤالي".
    رددت بحدة:
    "إنه ليس سؤالا يا أروى... إنه الجنون.. يبدو أنك لم تسترخي بما فيه الكفاية بعد..
    سأتركك لتراجعي حساباتك الحمقاء هذه ثانية".
    وتركتها وغادرت الغرفة..
    في المزرعة وجدت العم إلياس والخالة ليندا يعملان مع بقية العمال في حرث بقعة من الأرض..
    قلت مخاطبا الخالة:
    "خالتي.. دعي عنك هذا أرجوك".
    فقالت بسرور:
    "إنني أستمتع بحرث الأرض يا بني.. ثم إنه تمرين جيد لتنشيط القلب".
    قلت:
    "بل هو شاق على مرضى القلب.. أرجوك توقفي".
    واقتربت منها وانتزعت الأداة من بين يديها وطلبت منها الذهاب للراحة..
    كانت أشعة الشمس لا تزال ساطعة بقوة والجو اليوم أكثر حرارة مما كان عليه الأسبوع الماضي..
    شمرت عن ساعدي وأمسكت بالمعول وجعلت أضرب الأرض بقوة.. وكلما تذكرت كلام أروى ضربتها بقوة أكبر وأكبر.. وكأنها السؤولة عن دوامة المشاكل التي أعيشها.. كأن بيني وبينها ثأر كبير...
    عملت بهمة لا تتناسب والحالة المزاجية المتعكرة التي تسيطر علي.. ومرت الساعات واختفى قرص الشمس خلف ستار الأفق.. الذي خبأ بحرص شديد.. ما ستشرق به شمس الصباح التالة..
    كان الإعياء قد نال من عضلاتي والعرق قد أغرق جسدي حينما ألقيت بالمعول جانبا واستلقيت على الرمال ألتقط أنفاسي..
    تنفست بعمق شديد وأنا شارد التفكير.. أنظر إلى السماء وقد بدأ الظلام يلونها بلون الحداد الكئيب...
    أمام عيني كنت أرى كلمات أروى تتراقص مع أوراق الشجر.. ذات اليمين وذات الشمال.. وتسبب لي دوارا..
    أغمضت عيني لأحول دون رؤية أي شبء.. فأنا هذه اللحظة لا أريد لأي مؤثر خارجي أن يغزو تفكيري..
    شعرت بشيء يسري على ذراعي.. حركت يدي فأحسست بحبات الرمل تعلق بي..جذبت نفسا فخيل إلي أنني أشم رائحة دخان السجائر.. وسمعت أصوات أشخاص كثر ينمنمون..
    فتحت عيني بسرعة.. وهببت جالسا..لمحت حشرة تسير على ذراعي فأبعدتها ونفضت التراب عن يدي.. وتلفت يمنة ويسرة أبحث عن مصدر الرائحة والصوت..
    لقد كنت واهما.. إنني في المزرعة الآن.. ولست في السجن..
    لا اعرف لماذا عادت بي الذكريات إلى الزنزانة.. وتوهمت أنني أنام على الفراش الخشبي القذر.. تعلق بي حبات الرمل والغبار.. وتسير الحشرات على جسدي.. وتحشو رائحة السجائر والعرق تجويف أنفي..
    كلا كلا!...
    وقفت منتفضا وأنا أطرد الذكرى البشعة من مخيلتي... مددت أطرافي الأربعة إلى أقصاها.. وتنفست نفسا عميقا وزفرت باسترخاء... ثم أجريت تمارين إرخاء سريعة.. دخلت بعدها إلى المنزل..
    تحاشيت الالتقاء بأروى وتعمدت عدم الظهور في أماكن تواجدها.. وأبقيت موضوعنا معلقا لحين إشعار آخر..

    ********************************



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:04


    الحلقة الخامسة والأربعون

    الجفـــاء القــاتـــل


    طرت من الفرح.. عندما أخبلاني وليد بأنه قادم لزيارتنا هذه الليلة... فأنا لم أره منذ أسبوع.. وأشعر بحنين شديد إليه.
    وشعرت بالحسرة لأنني لم أستطع المشاركة في إعداد طعام العشاء مع خالتي وابنتيها...
    قلت مخاطبة نهلة:
    "يحب عصير البرتقال الطازج.. أرجوك حضري كمية كبيرة منه".
    فتحت نهلة درج الثلاجة المليء بثمار البرتقال وأشارت إليها وقالت ساخرة:
    "كل هذا؟"
    سارة انفجرت ضاحكة فوبختها خالتي.. أما أنا فرمقت نهلة بنظرة غضب فابتسمت وقالت:
    "حاضر سيدتي.. وماذا أحضر بعد؟"
    وكنت قد أخبرت خالتي عن الأطباق التي يفضلها وليد وطلبت منها أن تحضرها بسخاء!
    سمعت خالتي تسأل:
    "ماذا عن سامر؟ هل تأكدت من أنه لن يحضر؟"
    أجبت:
    "نعم. هكذا أجاب وليد عندما سألته.. لكن اعملي حسابه.. ربما يتغير رأيه ويأتي".
    قالت سارة مفاجأة:
    "أصبح وجه سامر وسيما الآن. هل ستتزوجين منه ثانية يا رغد؟"
    هذه المرة خالتي زجرت ابنتها بعنف بل وطردتها من المطبخ... سارة غبية لدرجة ملحوظة.. وتفكيرها سخيف جدا...
    الصمت حل على المطبخ بعد مغادرتها وأرادت نهلة أن تلطف الأجواء فسألتني:
    "وخطيبته وأمها؟؟ أمتأكدة من أنهما لن تحضرا؟"
    كانت تعرف هي الأجابة ولكنني جاريتها:
    "لن تحضر.. سيأتي وليد فقط".
    قالت ماهو الخطأ الذي قلته؟"
    أوه.. إنها حتى لا تدرك خطأها! إنها طفلة بريئة ولا تستحق العقاب..
    قلت:
    "عندما قلت عن سامر إنه أصبح وسيما وسألتني إن كنت سأتزوج منه".
    قالت ببلادة:
    "نا الخطأ في ذلك؟ لقد أصبح وسيما بالفعل عندما عالج عينه البشعة".
    قلت مجارية:
    "نعم أعرف".
    وانتظرت هي مني أيضاح الخطأ.. فقلت:
    "لكن لا يليق أن تسأليني إن كنت سأتزوجه أم لا.. أولا لأنك صغيرة السن ولا يستساغ منك كلام كبير كهذا.. وثانيا لأنني وسامر قد انفصلنا عن بعضنا البعض نهائيا ولن نتزوج ثانية.."
    ونظرت إلى عينها أستشف منهما الفهم, لكن.. لا يبدو أنها استوعبت تماما ما عنيت!
    قالت:
    "إذن ستتزوجين بحسام؟"
    أوه... ألهمني الصبر يا رب!
    أجبت:
    "كلا".
    قالت:
    "إذن بمن؟"
    قلت مظهرة الغضب لأفهمها أن عليها التوقف عن هذا:
    "لا أعرف يا سارة ولا تكرري الحديث عن أمور كهذه ثانية.. مفهوم..؟؟"
    واستدرت راغبة في الانصراف عنها.. فسمعتها تقول:
    "أنا أعرف بمن".
    استدرت إلى سارة مجددا فوجدتها تبتسم ولكن هذه المرة بمكر!
    قلت مجارية لها:
    "بمن في اعتقادك؟"
    قالت:
    "بابن عمك الطويل.. فأنا سمعتك تخبرين أختي بهذا".

    *****************

    بعد العشاء.. جلست مع أبي حسام والخالة وحسام ورغد نتجاذب أطراف الحديث..
    أحاديثنا منذ البداية كانت عادية وغير هادفة.. باستثناء اعتذار أم حسام الذي أزاح عني حملا... لم أهنأ بزواله... أما الصغيرة كانت صامتة إلا عن نظرات تلقيها علي من حين لآخر!
    ولكن هل يبدو في مظهري شيء غريب؟؟
    سألت أم حسام:
    "كم ستمكث في البلدة؟"
    أجبت:
    "أسبوع كحد أقصى.. بعض شئون العمل متوقفة على حضوري.."
    قالت:
    "وماذا عن رغد؟"
    بسرعة التفت إلى الصغيرة واشتبكت نظراتنا.. ثم عدت إلى أم حسام:
    "ستأتي معي قطعا".
    وهل هناك شك في الأمر؟؟
    أم حسام قالت:
    "أليست إجازتها المرضية ممتدة لعدة أسابيع.. لن تكون هناك دراسة ولا جامعة وبالتالي لا داعي لسفرها".
    عدت ونظرت إلى رغد.. متوقعا أن تكون هذه فكرتها.. ثم قالت:
    "نعم ولكن..لديها موعد الطبيب في الأسبوع المقبل.. كما وأنها يجب أن تبقى قريبة من المستشفى لمتابعة العلاج.. هذا إلى أنه... بإمكانها الدراسة في المنزل والاستعانة بصديقاتها خلال فترة الاجازة".
    أليس كلامي منطقيا؟؟
    أم حسام قالت وقد طغت الجدية على نبرة صوتها:
    "في الحقيقة يا وليد.. وباختصار وبلا مقدمات.. أريد أن تبقى ابنة أختي تحت رعايتي من الآن فصاعدا".
    أصبت بالدهشة.. وقلت مستغربا:
    "ما الذي تقصدينه؟؟"
    أجابت بكل ثقة:
    "أقصد أن تبقى هنا في بيتي وتحت ناظري وبين أبنائي.. وهو المكان الطبيعي لها أساسا".
    درت بعيني بعشوائية ثم ألقيت نظرة على رغد أستشف منها موقفها.. لكني لم أفهم المعاني المرتسمة على وجهها..
    قلت:
    "خالتي.. ألم يسبق وأن أغلقنا هذا الموضوع بعد أن أشبعناه حوارا وختمنا القرارات؟
    بقاء رغد تحت وصايتي أمر مفروغ منه البتة ولا مجال للحديث فيه أصلا".
    تدخل حسام وقال:
    "هذا ما تفرضه أنت".
    لم أعره اهتماما وركزت أسماعي على الخالة التي تابعت:
    "لم ننهه لكنك أصررت على موقفك واستغللت شغف الفتاة بالراسة كيف تكسبها إلى جانبك".
    استغلال؟؟ عندما أفكر في مسقبل رغد.. وأخطط له.. تسمونه استغلال؟؟
    حسام قال:
    "إنهم يعيدون ترميم المبنى المدمر من الجامعة هنا وستفتح العام المقبل وتستطيع رغد العودة إليها مجددا".
    قلت:
    "ولماذا عليها أن تفل ذلك؟ الجامعة الأهلية في الجنوب أفضل مستوى وقد قطعت شوطا مهما وبنجاح فلم تفكر أصلا في تغيير الجامعة؟"
    كنت سأوجه سؤالا إلى رغد غير أن أم حسام سبقتني بالحديث:
    "لتبقى معي.. وإن كانت حجتك الدراسة فها هو الحل أمامك".
    استفزتني الجملة وقلت:
    "ليست مسألة الجامعة فقط... رغد تحت وصايتي أنا وأريد أن آخذها معي".
    قالت أم حسام وبصوت حاد:
    "في هذه المرة أعدتها إلينا بالجبائر... في المرة القادمة كيف ستعيدها إلينا؟؟"
    أبو حسام تدخل ليخفف الشد الحاصل فقال:
    "نحن نعرف أنك تعتني بها جيدا ولكن إنه قلب الأم.. لا تتصور كم كانت خالتها مشغولة البال والقلب عليها".
    قال حسام:
    "جميعنا كنا قلقون عليها وهي بعيدة كل ذلك البعد. يجب أن تقدر مشاعرنا".
    كأنك تماديت يا حسام؟ مشاعر ماذا تقصد؟ يجب أن تتوقف عند هذا قبل أن تشعل غضبي..
    قلت معارضا وبكل إصرار:
    "الأمر مفروغ منه ولسنا هنا لنناقشه من جديد.. وأرجوكم لا داعي لهدر المزيد من الوقت في جدال عقيم لقضية محسومة مسبقا".
    قال حسام فجأة:
    "أنت متسلط جدا".
    صمت الجميع من المفاجأة.. وأنا نظرت إليه بتعجب.. حسبت أنها زلة لسان سيعتذر عليها لكنه أضاف وللعجب:
    "نحن أفرب إلى رغد منك وأحق بكفالتها.."
    أبو حسام ردع حسام بنظرة غاضبة.. والأخير سكت ثوان ثم وجه خطابه إلى رغد:
    "ما رأيك أنت يا رغد؟ ألست تفضلين البقاء مع والدتي؟؟"
    نظرنا جميعا نحو رغد التي أجابت بإخضاع نظرها نحو الأرض.. كأنها تؤيد هذا..
    ماذا يا رغد؟ أتريدين إحراجي أكثر مع أقاربك؟ ألم ننته كليا من موضوع إقامتك معي؟
    هل غيت رأيك الآن؟
    خاطبتها سائلا وشاعرا بالخذلان منها:
    "ماذا يا رغد؟"
    فنظرت إلي وأجابت مضطربة:
    "كما ترى أنت.. وليد".
    الجميع نقلو بصرها عنها وصبوا أنظارا حارة علي..
    ويحكم! هل تعتقدون أنني أهدد الفتاة أو أجبرها على شيء؟
    قلت طالبا منها التأكيد:
    "ألست ترغبين في متابعة الدراسة في الجامعة الأهلية؟"
    قالت مؤكدة:
    "بلى".
    اطمأن قلبي لردها لكن أم حسام قالت معترضة:
    "كلا... ستبقين معي.. أريد أن أرعاك بنفسي من الآن فصاعدا.. ولن يطمءن قلبي لسفرك على الإطلاق".
    وإذا بحسام يخاطبني قائلا فجأة:
    "لماذا لا تتنازل عن الوصاية؟"
    نظرت إليه نظرة مندهشا ثم رمقته بحدة وقلت:
    "أتنازل عنها لمن مثلا؟ لك أنت!؟"
    حسام غضب من تعقيبي الساخر ورد منفعلا:
    "تعرف أنني دون السن القانوني ولا يمكنني أن أكفل أحدا.. أنا أعني لوالدي فهو بمقام والدها وهو ابن عم والدتها وأمي خالتها ونحن أقرب إليها منك".
    عند هذا لم أتحمل.. اشتعلت نفسي غضبا وتصبب العرق من جبيني ورفعت يدي أمسحه فلمست جبينا ساخنا يكاد يتقد نارا..
    نظرت نحو رغد وأظن نظرتي كانت قوية للدرجة التي اهتز فيها جسدها وتراجع للوراء..
    زفرت زفرة قوية أخيرا كانت ساخنة ما يكفي لحرق أثاث الغرفة..
    قلت أخيرا:
    "يمكنكم مناقشة أمر الوصاية هذا بعد موتي, ولكن طالما أنا حي فابنة عمي ستبقى تحت مسئوليتي أنا ما امتدت بي الحياة".
    ووقفت وتابعت:
    "علي الذهاب الآن.. شكرا على حسن الضيافة".
    والتفت إلى رغد وقلت:
    "رغد.. هلا رافقتني إلى البوابة؟"
    سرنا جنبا إلى جنب بخطى بطيئة إلى أن ابتعدنا عن مدخل المنزل وانتصف بنا الطريق إلى البوابة الخارجية لسور المنزل...
    حينها أذنت للساني بالنطق:
    "رغد".
    وتوقف صوت خطوات العكاز.. التفت إلى رغد فرأيتها وقد توقفت عن المشي وكأنها في انتظار شيء مهم...
    قلت:
    "هل كانت هذه فكرتك؟"
    رغد قالت بسرعة:
    "لا.. لا.. إنها خالتي, هي التي تريد مني البقاء... على الأقل فترة نقاهتي".
    قلت:
    "والوصاية؟"
    أجابت:
    "حسام يتحدث بسخافة أحيانا".
    كنت أنظر إليها بتشكك.. فهي لطالما طلبت مني تركها مع أقاربها, وخشيت أن تكون هي وراء كل هذا...
    لما قرأت الشك في عيني قالت مدافعة:
    "صدقني لست أنا".
    قلت:
    "اسمعي يا رغد.. عليك أن تفهمي أقاربك أن موضوع الوصاية هذا مفروغ منه تماما ولا أقبل منهم أن يفتحوه أمامي مجددا أبدا.. يجب أن تخبريهم أن يتوقفوا عن محاولاتهم المزعجة وإلا فأنني سوف لن آتي بك لزيارتهم مجددا".
    بدا التوتر على وجه رغد فقلت:
    "أنا أعني ما أقول.."
    ثم استدرت لأتابع طريقي إلى البوابة..
    بعد ثوان لحقت رغد بي وسمعتها تناديني وتقول:
    "وليد... لا تغضب...!"
    التفت إليها فوجدت عينيها متعلقتين بي...
    كررت:
    "أرجوك.. لا تغضب منهم".
    وأضافت:
    "أنا اعتذر لك عن أي كلمة مزعجة وجهت إليك هذه الليلة... سامحهم أرجوك".
    أراحني الشعور بأن رغد... تكن لي التقدير وتكترث لمشاعري... وتود تطييب خاطري بعد الكلام الذي تلقيته من أهلها...
    قلت:
    "هذه المرة سأبتلع كل شيء.. لكن عليك أن تفهميهم جيدا بأنني فيما لو تكرر هذا مرة أخرى, سأتخذ موقفا مختلفا".
    أطرقت رغد برأسها إذعانا.
    أخيرا قلت:
    "والآن.. هل تأمرين بشء قبل ذهابي؟"
    رأيت وجه رغد يبتسم فيما قسمات القلق مرسومة على جبينها وهي تقول:
    "انتبه لنفسك".
    أنتبه لنفسي؟!
    إنها أول مرة تقولها لي وبهذه الطريقة ومعالم القلق والاهتمام ناطقة على وجهها!
    شعرت بدغدغة لطيفة تسري في جسدي لم تكن لتتناسب مع الغضب الذي أضمره!..
    ابتسمت لها وفارقتها بارتياح..
    ذهبت إلى شقة سامر والذي كان قد أعطاني مفتاحا احتياطيا لشقته بطلب مني.. حتى يتسنى لي الدخول والخروج بحرية, خصوصا وأنه كان يقضي ساعات طويلة في العمل..
    دخلت الشقة واتجهت إلى غرفة النوم.. وهناك... رأيت شقيقي يجلس على السرير وفي يده علبة ما..ووجهه متجهم.. ويظهر عليه الشرود... حتى أنه لم ينتبه لدخولي..
    "سامر"
    بمجرد أن ناديته ارتبك وأغلق العلبة بسرعة وهب واقفا وهو يقول:
    "وليد.. أأأأهلا".
    وسار نحو الخزانة وأدخل العلبة في أحد الأدراج, الدرج الذي وجدته مقفلا ذلك اليوم, وأقفل الدرج بالمفتاح وهو يقول:
    "لم أنتبه لقدومك".
    دققت النظر في وجهه فوجدت آثار الدموع تبلل رموشه.. شعرت بانقباض في قلبي وسألت بقلق:
    "أهناك شيء؟؟"
    سامر تظاهر بالعفوية وابتسم وقال:
    "لا. لا شيء".
    لكنني لم أشتت نظري عنه فقال:
    "تذكرت والدينا".
    وظهر الخشوع والحزن على وجهه.. لم أصدق ما ادّعاه ولكنني لم أشأ إحراج الموقف فقلت:
    "رحمهما الله".
    وتصرفت بشكل طبيعي رغم القلق الذي يعتصر أحشائي..
    لا أعرف ما الشيء الذي كان سامر يخفيه في الدرج ويحذر أن أراه.. لكني أتوقع وتقريبا شبه متأكد من أنه ذو علاقة برغد...
    والفضول تملكني بشدة... وانتهزت الفترة التي ذهب أخي فيها للاستحمام بعد ذلك وتسللت يدي نحو الدرج..
    كان المفتاح في ثقب الدرج... فتحته بحذر واستخرجت العلبة الكبيرة الثقيلة التي كانت تحتل معظم الدرج...
    وضعت العلبة على السرير وهممت بفتحها, غير أن ضميري تغلب على فضولي في آخر لحظة... وإذا بي أعيد العلبة إلى الدرج وأقفله بالمفتاح وأغلق باب الخزانة كما كان...
    لحظتها أثنيت على نفسي أمانتي.. وشكرت ضميري على تأنيبه... وبت راضيا عن نفسي ومسرورا بها...
    لكنني فيما بعد.. ندمت أشد الندم.. على أنني لم أكتشف وقتها السر الذي كان شقيقي يخبئه.. رغم أنه كان طائعا بين يدي...

    ************************
    بالأمس أبلغني وليد عن موعد سفرنا وهو مساء اليوم, واتصل بي قبل ساعة ليتأكد من استعدادي. وقد أبلغني أنه في طريقه للمزرعة وسوف يكون هنا عصرا.
    وفيما أنا مع ابنتي خالتي نجمع حاجياتي في حقيبتي رن هاتفي مرة أخرى... نهلة ونظرت بمكر وقالت:
    "الوصي الطويل!"
    وسارة ضحكت -كعادتها- بصوت مرتفع...
    كان هاتفي موضوعا على المنضدة بجوار المرآة. وكنت أجلس على السرير أطوي ملابسي..
    قلت مخاطبة نهلة:
    "ناوليني الهاتف".
    فأسرعت سارة والتقطته من على المنضدة وأقبلت نحوي.. نهلة قالت لإغاضتي:
    "دعيها تسير إليه بنفسها يا سارة!"
    سارة غيرت اتجاه سيرها وعادت أدراجها إلى المنضدة..
    قلت بحنق:
    "هذا ليس وقته... هاتي الهاتف سارة".
    فقالت نهلة وهي تضحك بخبث:
    "تعالي وخذيه بنفسك".
    هتفت:
    "تبا لكما".
    ورميتهما ببعض ملابسي وأمسكت بعكازي وهببت لأقف, حينها أخذت نهلة الهاتف ورمته نحوي على السرير وأطلقت أختها القهقهات وهما تغادران الغرفة... مددت يدي بسرعة والتقطت الهاتف..
    كان رقم هاتف المزرعة, ذلك الذي ظهر على شاشة هاتفي...
    "مرحبا".
    "مرحبا يا رغد.. كيف حالك؟"
    أتدرون من المتصل؟
    إنها الشقراء!
    ماذا تريدين مني؟؟ وكيف تملكين الجرأة على الاتصال بي وكأننا من الأصحاب؟؟
    قلت بجفاء:
    "نعم؟ ماذا تريدين؟"
    قالت:
    "حسنا.. خشيت ألا تجيبي على اتصالي.."
    قلت:
    "ظننته وليد... لكن ماذا هناك؟"
    قالت:
    "إنه لم يصل بعد... هل أخبرك بأنه.. حجز للسفر مساءً؟"
    قلت:
    "نعم".
    الشقراء صمتت قليلا ثم سألت:
    "رغد..هل فكرت في الموضوع الذي حدثتك عنه؟"
    تعني الكلام الذي سممت قلبي بسماعه ذلك الصباح في المزرعة.. والذي بذلت قصاري جهدي للتهرب منه..
    أجبت:
    "لا أريد أن أفكر به".
    قالت:
    "لماذا؟"
    قلت بغضب:
    "لا يعجبني.. ولو سمحت لا تعيدي فتح الموضوع ثانية".
    قالت:
    "يارغد لا بد من فتحه وأخذه بعين الاعتبار.. إنه ليس مجرد موضوع عابر بل فيه مستقبلنا وحياتنا ومصيرنا نحن الثلاثة".
    قلت وقد اشتد غيظي:
    " لا شأن لك بمستقبلي ومصيري أنا".
    قالت:
    "وماذا عن مستقبل وليد؟ وحياته؟ ومصير الدوامة من الشجار التي نحيطها به؟ ألا تفكرين فيه؟"
    قلت باندفاع:
    "وليد لن يتخلى عني تحت أية ظروف.. إنه بمقام أبي.. لن أبتعد عنه وإذا شءت أنت فابتعدي وأريحينا".
    صمتتالشقراء لبرهة ثم قالت:
    "إذن هذا هو قرارك؟؟"
    قلت بتحد:
    "نعم. هذا هو قراري".
    قالت وقد تجلى الألم والحزن في نبرة صوتها:
    "لم أتوقع أن تكوني أنانية لهذا الحد".
    ثم أضافت وقد اشتدت نبرتها:
    "لكن... وليد سيأتي الآن.. وسأخبره بما دار بيننا.. وعن قرارك.. وسأضعه أمام الأمر الواقع وأطلب منه أن يعين من منا سيختار ليصطحبها في السفر".
    وتوقفت برهة ثم أضافة:
    "وفي بقية العمر".
    وأقفلت السماعة فورا..
    تسمرت على وضعي حقبة من الزمن... تدحرج فيها رأسي على محيط الغرفة.. ثم تهالك على السرير دائخا تصارعه كلمات أروى وتستل عقله اتلالا..
    رفعت هاتفي أمام عيني.. أوشكت على الاتصال بوليد.. لكن أصابعي ارتجفت وحالت دون مقدرتي على الضغط على الأزرار..
    حاولت أن أركز على شيء لكنني فشلت... أغمضت عيني ووضعت يدي اليسرى عليهما لأخفف من مقدار النور الذي بدا قويا يخترق جفوني مقبلا من مصباح السقف...
    "رغد!"
    سمعت صوتا يناديني.. أبعدت عيني ونظرت باتجاه مصدر الصوت الذي ولشدة تيهي لم أميزه.. ولولا أنها اقتربت مني كثيرا ربما لم أكن لأميزها.. كانت نهلة..
    "ما بك!؟"
    سألتني بقلق وهي تراني ملقية بثقل رأسي على السرير في ذلك الوضع..
    جلست ومددت يدي نحوها فأقبلت إلي وشملتني في حضنها وهي تقول:
    "ماذا جرى لك بحق السماء؟؟ ماذا قال لك ذلك المتعجرف اللئيم؟"
    هززت رأسي في حضنها وأنا أطلق شهقاتي:
    "ليس هو يا نهلة.. إنها هي.. هي".
    سألت بتوتر وقد فهمت قصدي:
    "ماذا أرادت منك؟"
    انهرت وأنا أقول:
    "تريد أن تحرمني من وليد.. ستأخذه مني يا نهلة... ستأخذه مني".
    أبعدت رأسي عن حضنها وقلت بانهيار:
    "سأموت إن تخلى عني.. لا أستطيع العيش بدونه.. إنه وليد قلبي أنا.. يخصني أنا.. إنه لي أنا... أنا.. أنا..."

    ****************************
    كنت قد حدثت سامر عن أمر عودتي إلى الجنوب مع رغد.. وألححت عليه كي يرافقنا.. وأعدت عرض فرصة العمل الكبيرة في مصنع أروى..
    سامر كان في السابق يرفض الفكرة أما الآن فقد قبل العرض.. وطلب مهلة كي يرتب أموره..
    اتفقنا على أن أمهله بضعة أيام أخرى لينجز مهامه ويستعد للسفر...
    وضع سامر ووحدته في هذه المدينة وبعده عني لم يكن يروق لي منذ البداية.. ولكن الظروف لم تساعد على لم شملنا في بيت واحد كما هم الأخوة الأشقاء..
    ودعته وذهبت إلى المزرعة لأقابل أروى وأهلها, وأقضي معهم بعض الوقت قبل السفر..
    في المزرعة طبعا كانت تنتظرني مشكلتي الكبرى.. مع أروى...
    كنا أنا وهي نجلس بين الأشجار.. بعيدا عن مرأى أو مسمع أي إنسان.. نتحدث بشأن كلامها الجنوني في لقائنا الفائت..
    اعتقدت إنه كان انفعالا مؤقتا, غير أنني وجدتها على نفس الموقف هذا اليوم وقد تجلى الإصرار الشديد عليها..
    أروى كانت على غير سجيتها... غاية في التوتر والعصبية...
    "اسمعني يا وليد.. لا أريد أن نضيع الوقت والجهد في محاولة تغيير المواقف.. كل ما عليك اتخاذه الآن وبشكل حاسم هو القرار المصيري.. إما أن تأخذني أنا معك, وللأبد... أو تأخذها هي معك.. وللأبد".
    كنت قد استنفذت طاقتي في محاولة إقناعها بالتخلي عن حلها الجنوني هذا.. لكن دون جدوى..
    قلت منفعلا:
    "الهراء الذي تتفوهين به لن أحمله محمل الجد.. أجد نفسي مضطرا لأن أتركك هنا مؤقتا وأعود معها هي إلى أن تنتهي موجة الجنون الذي أودت بعقلك... بعدها نناقش بعقل كل أمورنا".
    أروى هتفت:
    "لا تتهرب يا وليد.. أنا أحدثك بكل جدية... إما أنا أو هي, ولا خيار ثالث مطلقا".
    الاصرار كان يندلع كالنار من عينيها.. والنار لم تحرق عيني ورأسي فقط.. بل وأشعلت الآلام التي لم بالكاد هدأت قليلا في معدتي..
    شهقت شهيقا طويلا لأملأ صدري بالهواء وأضغط على معدتي... ثم استدرت للوراء وخطوت مبتعدا عنها..
    "وليد إلى أين؟"
    لم أرد.. وخطوت خطوة أخرى فقالت:
    "هل أفهم من هذا.. أنك قررت اختيارها هي؟"
    توقفت لحظة ولم أستجب.. ثم خطوت خطوتين أخريين فسمعتها تقول بانفعال:
    "إذا قررت الذهاب إليها فلا تفكر بالعودة إلي ثانية".
    عند هذا الحد واستدرت إليها مذهولا وهتفت بغضب:
    "ماذا تعنين؟ أروى... أخرجي من رأسي في هذه الساعة.. أكاد أنفجر.. بالله عليك ماذا تعنين بهذا الجنون؟؟"
    أروى حمبقت برهة بي ثم قالت:
    "ننفصل".
    فجأة... أصيب رأسي بارتجاج حاد إثر هذه الكلمة الفظيعة وانفغر فوهي وانفتحت حدقتاي أوسعهما...
    ذهلت... صعقت... تصلبت في موضعي... غير مصدق!!
    نطقت وأنا لا أجرؤ على التفوه بالكلمة من شدة فظاعتها:
    " ماذا؟؟ تقولين ننـــ...ننـــــ... ماذا؟"
    أجابت أروى بكل ثقة:
    "ننفصل يا وليد".
    ولم يزدني برودها إلا ذهولا فوق ذهول...
    بقيت أحملق فيها لوقت ما كان أطوله.. ثم أخرجت عبارات عشوائية من لساني:
    "كيف تجرأت يا أروى؟ لا بد أنك بالفعل قد جننت...!... ماذا...؟؟ كيف أطاعك لسانك على التفوه بها؟؟ تقولين.. ننفصل؟؟"
    صمتت أروى فسرت حتى صرت أمامها وقلت غير مصدق:
    "ننفصل يا أروى؟؟ هل قلت ننفصل؟"
    أروى قالت وقد تغير صوتها وجاء مبحوحا:
    "نعم.. فنحن.. لن نستطيع العيش.. أنا.. وأنت.. وابنة عمك.. سوية... لقد خيرتك.. وأنت من اختار التخلي عني من أجلها".
    مددت يدي إلى ذراعها وهززتها بقوة وصرخت:
    "أنا؟؟"
    وتابعت:
    "بل أنت يا أروى من قرر كل شيء بجنونك.. أنت من يرفض العودة معي.. تعرفين كم هي ظروفي حرجة هذه الفترة وعوضا عن حمل الهم معي تزيدين عاتقي أثقالا.. تريدين مني ترك رغد في بيت خالتها للأبد؟؟ هذا المستحيل بعينه.. أنا لن أتخلى عن مسؤوليتي عن ابنة عمي هذه تحت أي ظروف ومهما كان".
    قالت أروى بغضب:
    "إذن تخل عني واحتفظ بابنة عمك المدللة الغالية... لأناية.. حبيبة قلبك التي لا تخجل من الاحتفاظ بصورتها تحت وسادتك".
    هنا.. فار التنور..
    رفعت يدي وأوشكت على تسديد لكمة قوية إلى وجهه أروى, غير أنني توقفت عند آخر جزء من الثانية.. وتركت يدي معلقة في الهواء..

    أروى صارت تحملق بي بذهول فائق.. وتحول لونها إلى الأصفر من شدة الفزع.. ولو كنت قد سددت ضربتي إلى وجهها لكنت قد فصلت فكها الأسفل عن رأسها كليا..
    تراجعت بقبضتي الثائرة والتفت يمينا فرأيت الشجرة التي نقف إلى جوارها تراقبنا بسلام..
    وكامجنون ضربت أحد أغصانها بعنف فخر مكسورا على الأرض..
    ابتعدت مسرعا عن أروى لئلا تنالها يدي ببطش شديد.. ذهبت أبحث عن العم إلياس فألفيته والخالة يجلسان عند مدخل المنزل يصنعان السلال السعفية ويتبادلان كرة الحديث..
    حين رأياني رحبا بي ودعياني للجلوس معهما.. ولكنهما سرعان ما رأيا الشرر يتطاير من عيني والعرق يتصبب من جبيني..
    العم إلياس وقف وقال قلقا:
    "ما الخطب يا بني؟؟"
    هتفت بغضب:
    "عمي أريد أن أحدثك عن شيء".
    وقد خرج صوتي مرعبا ما جعل الخالة ترفع يدها إلى صدرها...
    قال العم:
    "اهدأ يا بني.. رجاء".
    قلت منفعلا:
    "يجب أن تتدخل وتفعل شيئا يوقف جنون ابنة أختك هذا".
    الخالة وقفت بدورها هي الأخرى وقالت:
    "ماذا يحصل؟؟"
    العم إلياس خاطبني:
    "اجلس يا بني هداك الله.. تبدو منفعلا جدا".
    والتفت إلى الخالة وطلب منها:
    "احضري بعض الماء يا أم أروى باركك الله".
    الخالة دخلت إلى المنزل على مضض لتحضر الماء, أما العم إلياس فحملق بي متسائلا وأمسك بذراعي محاولا تهدئتي, غير أنني سحبت ذراعي وشددت على قبضتي وقلت:
    "عمي... أروى.. فقدت عقلها.. تهددني.. إما أن أترك ابنة عمي في بيت خالتها للأبد.. أو.."
    ولم أقو على إتمام الجملة.. فسأل العم:
    "أو ماذا؟"
    قلت أخيرا منفعلا:
    "أو ننفصل يا عم".
    العن ذهل ونظر نحوي بدهشة فائقة.. فقلت:
    "يجب أن تكلمها... إنها مجنونة منذ عرفت أنني قتلت من كان ابن عمها..والآن تريد مني إخلاء مسؤوليتي عن مكفولتي اليتيمة.. التي هي أمانة في عنقي إلى يوم الدين.. وإلا سوف لن تستمر معي بعد الأن".
    العم كان ينظر إلي بمنتهى الدهشة التي طغت على أي قدرة اه على التعبير...
    قلت بحدة بالغة:
    "تتعامل مع رباطي بها أو برغد وكأنهما لعبة يمكن تغييرها إن لزم الأمر... أفهمها يا عم.. أنه لا يحق لها وضعي بين خيارين عابثين كهذين.. ولا الاستهانة برباطنا بهذا الشكل المخزي..وإنني لست من الاستهتار لدرجة أن.. أرمي بوصاية ابنة عمي على غيري.. أو أنفصل عن زوجتي.. فقط لأنهما لا تطيقان التعايش مع بعضهما البعض".
    واستدرت منصرفا قبل أن أعطي العم فرصة للاستيعاب...

    ********************************

    مازلت واقفة عند الشجرة... أنظر إلى الغصن المرمي على الأرض... الذي كسره وليد عن جذعها قبل قليل...
    كنت غارقة في الدموع... لا أعرف ما أفعل أو كيف أفكر... وقد انصرف وليد غاضبا جدا مني... وسيسافر وموضوعي معه معلق وشديد الالتهاب...
    أحسست بحركة من حولي فنظرت في الاتجاه الذي سلكه وليد مغادرا وكلي لهفة أن يكون عاد... رأيت أمي وخالي يقبلان نحوي يكسو وجهيهما القلق الشديد...
    كانت أمي تمسك بكأس مليء بالماء في يدها وقطرات منه تنسكب مع خطواتها المضطربة.
    قبل أن تصبح في مواجهتي سبقها سؤالها:
    "ماذا حصل؟؟ أروى ماذا حصل مع وليد؟؟"
    نظرت من بين دموعي إلى عينيها وعيني خالي... وقلت:
    "لق... طلبت منه... أن... ينفصل عني".
    وأجهشت بالبكاء واستدرت إلى الشجرة التي ضربها وليد. لم أكن أسمع غير صوت بكائي إلى أن سمعت صوت خالي يهتف:
    "ليندا... تماسكي".
    استدرت إلى أمي فرأيت الكأس يقع من يدها ورأيتها تضغط على صدرها وتتنفس بصعوبة... ثم تترنح وتخر على الأرض.

    *******************************
    استقبلتني ابنة خالة رغد الصغرى وقادتني إلى مدخل المجلس الجانبي.. لم يكن حسام ولا أبوه موجودين ساعة وصولي.. وعند المدخل وجدت أم حسام تقف في انتظارنا...
    كنت أعرف أنها غير راضية عن سفر رغد وخشيت أن تعود لفتح موضوع اعتراضها في هذه الساعة... والصداع مشتد على رأسي بعد شجاري مع أروى, ولا ينقصني الآن أي جدال... وبعد تبادل التحية دخلنا إلى الداخل واتخذنا مجالسنا وأخبرتني أن أبا حسام في الطريق إلينا.. ثم سألتها:
    "هل رغد مستعدة؟"
    أجابت وفي نبرتها شيء من عدم الرضا:
    "نعم.جمعت أشياءها بمساعدة ابنتيّ.. إنها بالكاد تتحرك.. يشق السفر عليها مع هذه الإصابة".
    أرجوك! لا تفتحي الموضوع ثانية الآن!
    قلت لئلا أدع لها الفرصة للبدء من جديد:
    "إذن هلا أخطرتها بوصولي من فضلك؟ لا يزال أمامنا مشوار طويل".
    الفتاة الصغيرة خرجت من الغرفة فورا... ذاهبة لاستدعاء رغد.. أما أم حسام فسألت:
    "وأين زوجتك ووالدتها؟"
    استغربت السؤال وأجبت:
    "في المزرعة".
    قالت مستغربة:
    "حسبت أنك قادم من هناك".
    قلت:
    "نعم, كنت هناك".
    سألت باستغراب أشد:
    "ولمَ لم تحضرا معك مباشرة؟"
    قلت مستغربا:
    "ولمَ؟؟"
    بدا القلق على وجه أم حسام مع بعض الحيرة ثم قالت:
    "ألن تصطحبوهما معكما؟؟"
    قلت:
    "كلا.. إنهما لن تسافرا معنا الآن".
    اتسعت حدقتا أم حسام واكفهرت ملامحها وقالت:
    "لن تسافرا معكما؟؟ ماذا تقصد يا وليد؟؟"
    قلت موضحا:
    "لن تسافرا حاليا.. لكن.. ستلحقان بنا بعد فترة.. تودان البقاء في المزرعة أياما أخرى".
    تعبيرات وجه أم حسام ازدادت توترا واضطرابا وقالت:
    "و... رغد؟؟"
    فهمت منها إنها قلقة بشأن من سيعتني بالصغيرة وهي مصابة هكذا.. فقلت:
    "لدينا خادمة لتساعدها".
    أم حسام قالت فجأة وبانفعال مهول:
    "أتريد القول.. إنك.. ستسافر مع الفتاة.. بمفردكما؟"
    ألجم السؤال لساني.. وفي ذات اللحظة رأيت أم حسام تهب واقفة وقد تناثر الشرر من حولها وتقول بصوت حاد:
    "هل جننت يا وليد؟؟ تريد أن تأخذ الفتاة بمفردها إلى الجنوب؟"
    وقفت تباعا وقد أصابني الذهول من أمر الخالة وأردت أن أتحدث غير أن كلامها اخترق المسافة الفاصلة بيننا بسرعة البرق وزلزلة الرعد...
    "كنت أظن أن خطيبتك ووالدتها سترافقانكما كما في السابق..."
    تدخلت بسرعة:
    "ستلحقان بنا عما قريب.. وكذلك سامر.. لا يمكنني ترك العمل أكثر من هذا".
    ردت أم حسام:
    "وتريد مني أن أترك ابنتي تسافر وتعيش هناك لوحدها معك؟؟ هل فقدت صوابك يا وليد؟؟"
    ارتبكت واضطربت كل ذرات كياني.. تحول لوني إلى الأحمر وتفجرت قطرات العرق على جسمي كله.. حاولت النطق:
    "خالتي".
    غير أنها قاطعتني بحدة وقالت صارخة في وجهي:
    "كفى.. هذا ما كان ينقصني... لم يبقى إلا أن نترك ابنتنا تقيم بمفردها مع رجل غريب.. من تظن نفسك يا وليد؟؟ كيف تجرؤ؟"
    تسمرت على وضعي مذهولا.. مكتوم النفس طائر الفؤاد محملق العينين... لا أكاد أفهم ما أسمع..
    "خــــالـــ... ما.. ماذا... رجل غريب؟؟ أنا؟"
    صاحت أم حسام بوجهي:
    "نعم رجل غريب.. أتظن أن الوصاية على الفتاة تجعلك أباها حقا؟؟ أفق يا هذا... أم لأنها فتاة يتيمة وحيدة تظن أنه بإمكانك التصرف بشأنها كما يحلو لك وأن أحدا لن يوقفك عند حدودك؟؟ اصح يا وليد... يا محترم".
    تلقيت الكلام كصفعة قوية نارية على وجهي... النار كانت تشتعل في عيني أم حسام وفي صدرها النافث بالصراخ.. حملقت بها مذهولا.. غير مصدق لما أسمع.. ما الذي تقوله هذه المرأة؟؟
    كان صدري لا يزال يحبس النفس الأخير الذي التقطته وسط النار.. أطلقت نفسي باندفاع وقوة وهتفت:
    "ما الذي تقولينه يا خالة؟"
    الغضب كان يتطاير من عينيها ومن عيني أنا تفجر بركان ثائر مدمر...
    "ما الذي تظنينه بي؟؟ إنني أنا وليد.. ابن شاكر وندى... ولست إنتاج وتربية شوارع.. أنا تقولين لي هذا الكلام؟؟ لقد تربيت بين أبناءك وتحت ناظريك.. وكأنك لا تعرفين من أكون؟؟ أم لأنني دخلت السجن بضع سنين تظنين أنني خرجت منه فاسقا قذرا لا يعرف حدوده ويتجرأ على حرمات الغير...؟؟ إنها ابنة عمي.. دمي وحرمتي أنا.. والأمانة العظمى التي في عنقي.. كيف تجرئين على الظن بي هكذا؟؟ لن أغفر لك هذه الإهانة.. أبدا".
    وسرت مبتعدا عنها متجها إلى الباب... وفي طريقي اصطدمت بطارلة فما كان مني إلا أن رفعتها وقلبتها رأسا على عقب ورميت بها بقوة بعيدا...
    فتحت الباب بقوة وصفعته بالجدار حتى كدت أكسرهما سوية.. ثم خرجت بسرعة مغادر المنزل... صادفت حسام عند البوابة... فدفعته بعيدا عن طريقي.. ثم ركبت سيارتي وانطلقت بأقصى سرعة.. نحو المطار..

    ************************




    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:05


    تتمـــــــــــــه
    ******************

    ونحن نسير نحو غرفة المجلس سمعنا صوت انغلاق باب قوي.. اقشعرت له الجدران والثريات!
    ابنتا عمي كانتا تتعاونان في حمل حقيبة سفري وأنا أسير بعكازي حاملة حقيبة يدي على كتفي إلى أن وصلنا إلى الباب.. الاثنتان عانقتاني وودعتاني وابتعدتا..
    طرقت الباب الداخلي لغرفة المجلس بهدوء ثم فتحته وأطللت بعيني في شوق لرؤية وليد قلبي..
    مسحت الغرفة بعيني وطولا وعرضا وارتفاعا.. ولم أعثر على وليد!
    لكني رأيت إحدى الطاولات مقلوبة والتحف الزجاجية مكسورة على الأرض!
    ورأيت خالتي تقف عند الباب الخارجي للمجلس, ثم رأيت حسام يدخل وهو يسأل:
    "ماذا حدث؟؟"
    وسمعت خالتي تسأله:
    "هل خرج؟"
    قال حسام:
    "ضربني بيده وخرج! ماذا حل بهذا الرجل بحق السماء؟"
    قالت خالتي وهي تغلق الباب وتقفله بعد دخول حسام:
    "لا أعرف ممن ورث هذا المتعجرف غلظته! لا ياسر ولا شاكر رحمهما الله ولا سامر يحفظه الله فيهم شيء من الفظاظة.. بل هم في منتهى التهذيب واللطف والهدوء.. أما هذا.. أعوذ بالله! متوحش وأخرق... انظر ماذا فعل؟"
    وهي تشير إلى الأرض...
    فتحت أنا الباب وتقدمت إلى الداخل في قلق وتساؤل... وأخذت أحدق في خالتي وأسأل:
    "ماذا حدث؟"
    وكان وجه خالتي يتقد احمرارا فرمقتني بنظرة صامتة ثم انحنت إلى الأرض ترفع قطع الزهرية المكسورة.
    عدت وسألت:
    "أين وليد؟"
    أجابت وهي لا تنظر إلي:
    "غادر".
    ماذا؟؟ غادر؟؟ ماذا تعنين بغادر؟؟
    سألتها:
    "غادر؟؟"
    قالت بغضب:
    "نعم غادر.. عسى ألا يعود".
    هتفت بقوة:
    "أعوذ بالله... لماذا ياخالتي؟؟.. ماذا حصل؟؟"
    قالت وهي ترفع نظرها إلي وتتكلم بعصبية:
    "إنه مجنون... لا يعرف حدود نفسه.. يظننا سنتركه يتصرف كيفما يريد.. متسلط فظ وعنيف.. من أين أتى بكل هذه العجرفة والوحشية؟"
    حسام عقب مباشرة:
    "من السجن قطعا".
    اشتططت غضبا وانفجرت بشدة:
    "لا تتحدثا عن وليد هكذا... لا أسمح لكما.."
    ثم تقدمت نحوهما وقلت:
    "أخبراني ماذا حصل؟؟"
    قال حسام:
    "ألا ترين؟"
    مشيرا للطاولة المقلوبة على الأرض.. والزجاج المتناثر حولها...
    قلت:
    "وليد فعل هذا؟"
    ووجهت خطابي لخالتي التي لا تزال جاثية على الأرض تلملم ما تبعثر..
    "لكن لماذا؟؟ ماذا حدث؟؟ هل تشاجرت معه؟"
    خالتي وضعت ما بيدها جانبا ووقفت وقالت:
    "نعم تشاجرت معه.. وغضب وصرخ في وجهي وقلب الدنيا رأسا على عقب وخرج ثائرا كالبركان".
    قلت بسرعة:
    "ماذا قلت له؟ هل أهنته ثانية؟؟ خالتي..!! إلى أين ذهب الآن؟"
    ردت بحدة:
    "إلى حيثما ذهب... بلا رجعة".
    هتفت منفعلة:
    "بعد ألف شر... خالتي لا تقولي هذا ثانية يكفي أرجوك".
    وعمدت إلى حقيبة يدي واستخرجت هاتفي واتصلت بهاتف وليد..
    كان الهلع ينخر رأسي بشراسة وما إن رن الهاتف حتى كان قد أتى على قواي الذهنية كاملة...
    الهاتف رن مرة ثم مرة أخرى ثم انقطع الاتصال.. عاودت الاتصال فوجدت الهاتف مغلقا.. كررت الاتصال عدة مرات.. الهاتف ظل مغلقا..
    قلت أخاطب خالتي:
    "أغلق هاتفه".
    ثم سرت نحو هاتف المنزل الموضوع على منضدة في الجوار واتصلت برقم وليد مرات أخرى.. دون جدوى..
    قلت بعصبية:
    "الهاتف مغلق يا خالتي ماذا قلت له؟"
    خالتي تنهدت ثم قالت:
    "اعترضت على سفرك معه".
    صدمت.. حملقت فيها مندهشة وسألت:
    "ماذا؟؟ لكن لماذا؟؟ تعرفين أنه آتٍ لأخذي فماذا تغير؟"
    قالت خالتي وقد عاد الانفعال على وجهها:
    "لن أسمح له بأخذك معه يا رغد... ستبقين معي وتحت عيني.. سأضع حدا لجنون هذا المتسلط".
    تركتني خالتي في إعصار الحيرة والهلع واشتغلت بتنظيف وترتيب الطاولة وما حولها متجاهلة تساؤلاتي... مما زادني يقينا فوق يقين بأن ما حصل كان أمرا خطيرا...
    "خالتي أرجوك أفهميني ماحدث؟؟ ماذا فعل؟ ماذا قلت له؟؟ بالله عليك أخبريني".
    وهذه المرة حسام ساندني وقال:
    "أخبرينا بما حدث يا أمي؟"
    خالتي قالت أخيرا:
    "تصورا.. كان يريد أخذ رغد بمفردها إلى بيته! دون خطيبته ولا والدتها..! يظن أن الوصاية كافية لتجعله مثل أبيها.. يقيم معها بمفرده أينما يريد".
    هتف حسام مستنكرا:
    "ماذا ماذا؟؟ يقيم معها بمفرده هكذا بكل بساطة؟؟ يا سلام! من يظن ذلك المعتوه نفسه ؟؟"
    خالتي قالت:
    "وبكل جرأة يخبرني بأن خطيبته لن تسافر معه.. بلا حياء ولا لياقة.. ولما اعترضت ثارت ثائرته وزلزل المنزل.. وقلب الطاولة بالتحف... المجنون!"
    تسمرت في مكاني مصعوقة بما أسمع.. ثم قلت:
    "لكن.. لكن.. إنه.. إنه الوصي علي".
    قالت خالتي بغضب:
    "الوصي عليك شيء وأن يقيم معك بمفردكما في بيته شيء آخر..."
    قلت مذهولة:
    "خالتي!! إنه ابن عمي".
    ردت مقاطعة:
    "وحتى لو كان ابني... مجنونة أنا كي أدعك تقيمين بمفردك مع رجل غريب؟ حتى لو كان حسام أو أبا حسام.. هذا ما كان ينقصنا.
    قلت وأنا في ذهولي:
    "ألا... تثقين به؟"
    ردت:
    "أثق بمن؟؟ بهذا؟؟"
    وهي تشير إلى موضع الطاولة... ثم أضافت:
    "المتوحش المتعجرف خريج السجون؟؟"
    عندها صرخت من أعماق قلبي:
    "يكفي... يكفي... لا تتحدثي عنه هكذا... لا أسمح لكم بإهانته... لا أقبل أن تصفوه بهذا... أنتم لا تعرفون شيئا..."
    والتقطت السماعة واتصلت من حديد وللأسف كان هاتف وليد مغلقا... أعدت الاتصال مرة ومرتين ومئة.. والهاتف لا يزال مغلقا...
    ياإلهي.. وليد قلبي غاضب ولا يريد التحدث معي؟؟
    نظرت إلى الساعة.. الوقت يمر ومن المفترض أن نكون في الطريق إلى المطار...
    اتصلت بهاتف سامر ولما رد علي قلت باضطراب:
    "هل وليد معك أو اتصل بك؟؟"
    استغرب سامر السؤال فسألني:
    "لا! غادر منذ الظهيرة... أليس في المزرعة؟؟"
    قلت بتوتر:
    "كان هنا في بيت خالتي ليصطحبني إلى المطار, لكنه غادر من دوني.. أتصل به ولكنه مغلق هاتفه.. أرجوك حاول التصال به وبالمزرعة واطلب منه مهاتفتي فورا..."
    سألني وقد تجلى القلق في نبرته:
    "هل حدث شيء يا رغد؟؟"
    نظرت نحو خالتي وأجبت:
    "تشاجر مع خالتي.. لكن أرجوك قل له أن يتصل للضرورة".
    صمت سامر لحظة ثم قال:
    "حسنا".
    وأنهيت المكالمة وبقيت جالسة على الجمر المتقد أنتظر اتصال سامر, وهاتف المنزل وهاتفي المحمول كلاهما في حظني... فيما عيناي محملقتان في ساعة يدي...
    مرت الدقائق تلحق بعضها بعضا... والهاتفان لا يرنان...
    لم أطق صبرا حاولت الاتصال بوليد دون جدوى واتصلت بسامر فقال إنه لم يجده في المزرعة وأن هاتفه المحمول مغلق طوال الوقت...
    في هذه اللحظة حضر زوج خالتي وعلم بما حصل وبدوره صار يحاول الاتصال بوليد عبر هاتفه بلا فائدة...
    مضى الوقت.. ولا من خبر من أو عن وليد..
    نبضات قلبي آخذة في التباطؤ.. أطرافي ترتجف خوفا وقلقا..
    أنظاري متمركزة على الهاتفين وعلى الساعة.. والآن لم تعدعيناي بقادرتين على الرؤية... الضباب كثيف.. لا بل هي قطرات الندى.. لا بل الدموع... تريد الانطلاق من محجري...
    وبعد ما يفوق الساعة... رن هاتفي المحمول... نظرت إلى الشاشة فرأيت اسم سامر...
    أجبت بسرعة:
    "نعم سامر هل كلمته؟؟"
    قال:
    "كلا.. إنني الآن عند باب المنزل".
    "المنزل؟"
    "أعني منزل خالتك... هل حسام هناك؟"
    وطلبت من حسام الذهاب لاستقبال سامر... غادرت خالتي المجلس وعاد حسام مع سامر... والأخير بدأ التحية والسؤال عن الأحوال ثم سألني مباشرة:
    "ماذا حدث؟؟"
    قلت بشكل غير مرتب:
    "خرج غاضبا... إنها خالتي... إنه موعد إقلاع الطائرة... هل سافر بدوني؟؟"
    رآى سامر اضطرابي فحاول تهدئتي ثم قال:
    "لن يفعل ذلك... لكن أخبريني ما الذي حدث بالضبط؟"
    قلت منفعلة:
    "خالتي تشاجرت معه... إنها يقسون عليه ولا يحترمونه ولا يثقون به".
    أبو حسام قال مدافعا:
    "ليس الأمر كذلك لا سمح الله.. أنه ابننا مثل حسام ومثلك يا سامر ولكن أم حسام جن جنونها مذ رأت الفتاة بالعكاز والجبيرة... تعرف كم تحب ابنة أختها وتقلق عليها ولا تريدها أن تبتعد عنها".
    قلت بغضب:
    "لكن لا ذنب لوليد فيما حصل لي... لماذا تنظرون إليه هكذا؟؟ إنه يعتني بي جيدا ويعاملني بكل احترام وحنان وأدب... وأنا لا أسمح...لا أسمح.."
    وأخذت شهيقا باكيا ثم زفرت نفسي مع دموعي:
    "لا أسمح لأحد بأن يهينه... ولا أقبل بأن ينعته أحد بالمجرم... أنتم كلكم قساة... كلكم بلا مشاعر... كلكم ظالمون".
    انخرطت في بكاء لم أبك مثله أمام أحد مسبقا... غير نهلة...
    الثلاثة... سامر وحسام وأبوه التزموا الصمت للدقائق الأولى... ثم تحدث سامر مخاطبا الآخرين:
    "بعد إذنكما... هل لي بحديث خاص مع ابنة عمي؟"
    وشعرت بهما يغادران... ثم شعرت بسامر يقترب مني وسمعته يناديني...
    مسحت دموعي ونظرت إيه فقال:
    "أفهميني يا رغد... ما الذي يدور ها هنا؟؟"
    قلت مقاطعة:
    هل تعتقد أنه سافر؟"
    سامر قال:
    "لا. كيف سيسافر ويتركك؟"
    قلت:
    "إذن لماذا أقفل هاتفه؟؟ انظر إلى الساعة.. لا شك أن الطائرة قد أقلعت منذ فترة..."
    ولمعت في رأسي فكرة فقلت:
    "اتصل بالمطار وأسأل عنه".
    وأنا أراقب سامر وهو مشغول بطلب الرقم تلو الآخر... سمعته أخيرا يتحدث إلى الطرف الآخر باهتمام, ثم شكره وأغلق الهاتف...
    نظر إلي وعيناي متعلقتان به بلهفة... ثم قال:
    "يبدو... أنه سافر بالفعل يا رغد".
    "سافر؟!"
    قال سامر:
    "الموظف أكد لي أن اسم وليد شاكر جليل... أدرج مع قائمة أسماء المسافرين الذين ركبوا الطائرة المتجهة إلى الجنوب".
    نظرت إليه بتشتت... بضياع بعدم تركيز.. بعدم تصديق.. بانهيار..
    "لا!"
    سامر كان ينظر إلي بقلق وخوف...
    قلت:
    "وأنا؟؟"
    لا زال سامر ينظر إلي.. والتعاطف ينبثق من نظراته...
    كررت:
    "وأنا؟؟ ماذا عني أنا؟"
    سامر قال:
    "وليد لن يفعل شيئا كهذا لسبب تافه... أخبريني ماذا حصل بالتفصيل يا رغد".
    قلت وأنا أنهار:
    "لا أعرف.. أخبروني بأنه وصل.. فأتيت إلى هنا ولم أجده.. رحل فجأة.. تشاجر مع خالتي في دقائق معدودة.. وغادر غاضبا.. خالتي أهانته.. لا أعرف ما قالت بالضبط لكنها عارضت سفري معه بدون الشقراء.. لا بد أنها رمته بألفظ قاسية.. إنها تكرهه ولا تثق به.. تعيّره بالمجرم.. وتنعته بالمتوحش وخريج سجون.. وكلمات جارحة ومهينة... آه يا إلهي.. وليد لا يستحق هذا.."
    وأخفيت وجهي خلف يدي اليسرى من مرارة الموقف.. وعصرت عيني دموعا شجية...
    أحسست بشيء يلامس يدي ففتحت عيني ورأيت منديلا تمده يد سامر نحوي..
    "هوني عليك يا رغد".
    قال سامر مواسيا..
    أخذت المنديل ومسحت دموعي ثم قلت:
    "ماذا أفعل الآن؟"
    قال سامر مطمئنا:
    "عندما يصل إلى المنزل سنهاتفه... لا بد أنه كان غاضبا... لكنه سيهدأ".
    قلت بلهفة:
    "هل تظن أنه سيعود؟"
    قال:
    "بل أنا على يقين من ذلك.. اطمئني.."
    ثم أطرق برأسه إلى الأرض وشرد قليلا... ثم قال:
    "لم أكن أعلم بأنهم يسيئون إلى أخي..."
    نظرت إليه فإذا بالاستياء البالغ يعشش على قسمات وجهه وإذا بكفيه ينقبضان بشدة غضبا...
    نظر إلي وألقى علي سؤالا:
    "أأنت من أخبرهم عن سجنه؟؟"
    أطرقت برأسي... وأومأت نفيا... وكانت نظرات الاتهام تشع في عينيه... وقبل أن أتكلم سمعنا صوت خالتي تلقي بالتحية وهي تطل علينا عند الباب... التفتنا إليها فإذا بها تقبل يتبعها حسام يحمل صينية أكواب الشاي...
    وبعد حوار سريع وسطحي سألت:
    "هل رد عليكم؟"
    قال سامر:
    "ليس بعد فهو في الطائرة الآن".
    قالت:
    "إذن فقد سافر".
    ثم أضافت:
    "رافقته السلامة".
    لم أحتمل ذلك.. هببت واقفة هامة بالانصراف... فإذا بسامر يهب واقفا هو الآخر ويستأذن للمغادرة...
    ناداه حسام:
    "والشاي؟؟"
    فرد مقتضبا:
    "في مناسبة أفضل".
    وغادر المكان...
    في الردهة... رأيت حقيبة سفري لا تزال واقفة قرب الباب.. تنتظرني.. أشحت بوجهي بعيدا عنها فاستقبلتني أعين ابنتي خالتي اللتين تقفان على بعد تراقبانني...
    وبعد عناق الأعين جاء دور عناق الأذرع والأحضان...
    وليد قلبي... سافر ليس فقط من دوني.. بل ودون وداعي.. ودون أن يكلمني.. ودون أن تقع عيناي عليه ولو لنظرة أخيرة..

    ***************************

    تسع ساعات وأنا أحاول الاتصال بشقيقي من حين لحين وبجميع الأرقام التي لدي دون نتيجة..أخذ القلق يتفاقم في صدري, خصوصا وأن رغد تتصل بي مرارا وتهول الأمر.. حتى أنها أقترحت علي مهاتفة صديقه سيف غير أنني عارضت الفكرة وطلبت منها الانتظار حتى صباح اليوم التالي.
    وفي الصباح اتصلت بهاتفه فوجدته لا يزال مغلقا, وبالمنزل فلم يجبني أحد, ثم بهواتفه المباشرة في مكتبه في مقر عمله, فأخبرت وبأنه قد اتصل بهم قبل فترة وأبلغهم عن عودته من السفر...
    على الأقل أعرف الآن أنه وصل إلى المدينة الساحلية بسلام..
    اتصلت برغد وأخبرتها بالجديد وكنت أظن أنها سترتاح للخبر غير أنها انزعجت وحزنت كثيرا...
    كان أخي قد قضى في شقتي عدة أيام وقد كانت أياما جميلة أنعشت في صدري الذكريات الماضية التي لن تعود.. الجميلة والمؤلمة معا.. وكان أشدها إيلاما هي ذكريات والدينا رحمهما الله...
    لم تمض سنة بعد على مصرعهما.. والنار لا تزال تتأجج في صدري.. ولن تخمد أبدا..
    وهو السبب الأول الذي كان يمنعني من العودة إلى المدينة الساحلية والعيش في بيتنا القديم المليء بالذكريات.. مع شقيقي الذي ما فتىء يطلب مني هذا..
    أما الثاني فهو بلا شك رغد...
    وفي هذه المرة ألح علي شقيقي للسفر معه وأبلغني بأن خطيبته لن ترافقه وبأنه لا يستطيع ترك رغد في بيت خالتها فهي بحاجة لمتابعة العلاج وكذلك الدراسة..
    وقد خططت جديا للحاق به عما قريب.. خصوصا وأنا أرى أنه من الأفضل لي الابتعاد عن هذه المدينة لبعض الوقت..
    أثناء وجودي في مقر عملي في المدينة التجارية عاودت الاتصال بهاتف شقيقي وللمفاجأة كان مفتوحا.
    رن عدة مرات قبل أن يجيب وليد أخيرا:
    "السلام عليكم".
    "مرحبا سامر... وعليكم السلام ورحمة الله".
    وكان صوته منهكا:
    "كيف حالك؟ وحمدا لله على سلامة الوصول".
    "سلمك الله".
    يرد بجمل قصيرة وعلى عجل.
    سألته:
    "ما هذا يا وليد! ألف مرة أتصل بك وهاتفك مغلق؟"
    "نعم. لقد تركته مغلقا منذ الأمس".
    سألت:
    "أقلقتنا.. ماذا حصل؟ هل أنت بخير؟"
    "نعم.. نعم".
    قلت:
    "تبدو مشغولا".
    أجاب:
    "أجل.."
    قلت:
    "حسنا.. سأتصل لاحقا.. أرجوك لا تغلق الهاتف.."
    "حسنا".
    وانهينا المكالمة ومباشرة هاتفت رغد وأخبرتها فأبلغتني بأنها ستتصل فورا.
    بعد قليل اتصلت بي وأخبرتني بأن وليد لا يجيب. أبلغتها بأنه مشغول واقترحت عليها الاتصال بعد ساعة أة أكثر.. واتصلت بي بعد ساعة ثم بعد ساعة أخرى تخبرني بأنها كلما اتصلت بهاتف وليد وجدته مفتوحا ولكنه لا يجيب.
    على هذا النحو مر ذلك النهار وفي الليل اتصلت به ودار بيننا حديث قصير امتنع فيه وليد عن ذكر ما حصل يوم أمس. أظهر لامبالاة غريبة عندما حدثته عن رغد.
    باختصار.. شقيقي كان غاضبا جدا من عائلة الخالة أم حسام بما فيهم رغد ولا يرغب في الإتيان بذكر أي منهم.. على الاطلاق..
    كان هذا غريبا لكن الأغرب.. أنه وبعد يومين بعث إلي بظرف عبر البريد الجوي الموثق... يحوي وثائق هامة... طلب مني الاحتفاظ بها... وأخبرني بأنه مسافر إلى خارج البلاد للاستجمام.
    الظرف كان يحوي تقريرا طبيا مفصلا عن إصابة رغد.. وصورا لبطاقته العائلية الشاملة لاسم رغد.. وشيكا مصرفيا بمبلغ كبير.. وتوكيلا مؤقتا باسمي لأتولى الوصاية على رغد..خلال الفترة التي سيقضيها في الخارج...
    هكذا سافر وليد قبل أن يترك لنا المجال للاستيعاب...
    ويمكنكم تصور وقع نبأ كهذا على الفتاة التي كانت تحترق رمادا من أجل مهاتفته.. والتي تتلوى شوقا لعودته.. وتتصل بي عشرات المرات من السؤال عنه..
    عندما رأيت ما حل بها.. تقلبت في مخيلتي ذكريات قديمة أخرى.. كانت مركونة بإهمال في إحدى نتوءات دماغي.
    حدث ذلك قبل تسع سنين عندما كنا في المدينة الساحلة في بيتنا القديم.
    بعد أن غادر وليد المنزل, أصيبت رغد بحالة افتقاد مرضية إله.. في تلك الفترة رفضت الذهاب إلى المدرسة وصارت تلازم والدتي كالظل حتى في النوم وتراودها الكوابيس المفزعة وتصحو من النوم مفزوعة وتصرخ (أريد وليد.. أريد وليد)
    كانت أشبه بالمذعورة وقد أدخلناها للمستشفى بسبب رفضها للطعام وزاد الأمر سوءا الحرب والتدمير الذي تعرضت له مدينتنا وجعل الناس جميعا يعيشون حالة ذعر هستيري.
    ومن سيء إلى أسوأ تدهورت حالتها حتى قرر والدي رحمه الله الهجرة إلى الشمال الذي كان ينعم بأمان حتى العام الماضي..
    ومن سيء إلى أسوأ تدهورت نفسية رغد بعد سفر وليد المفاجىء هذا ووجدت نفسي أعاصر إحدى أسوأ الفترات العصبية التي عاشتها من جديد...

    ******************************

    منذ ذلك اليوم المشؤوم... الذي رحل فيه وليد بعد شجاره معي... ووالدتي طريحة الفراش في المستشفى والأطباء قرروا إجراء عملية جراحية لقلبها المريض.. أخيرا...
    كان خالي يواضب على الاتصال بوليد الذي لم يكن يجيب... حتى رد اليوم وأبلغ خالي بأنه مسافر إلى خارج البلدة لبضعة أسابيع.
    تدهورت صحة والدتي لما علمت بالخبر من خالي.. وها نحن نجلس إلى جانبيها في غرفة العناية القلبية المركزة.. والطبيب يبقي كمامة الأوكسجين على وجهها ويمنعها عن بذل أي مجهود يتعب قلبها.
    أنا أمسكبيدها أضمها إلى صدري وأقبلها وأدعو الله أن يشفيها عاجلا...
    التفت والدتي إلي وسألتني:
    "ألم تتصلي بزوجك؟"
    فأجبتها:
    "كلا".
    فقالت:
    "هل يعلم بأنني في المستشفى؟"
    فقلت:
    "نعم. فقد أخبره خالي بذلك".
    ونظرت إلى خالي الذي حرك رأسه مؤيدا. فقالت أمي:
    "إذن لماذا لا يحضر لزيارتي؟ ليس من عادته التخلف في موقف كهذا".
    أجاب خالي:
    "لأنه مسافر حاليا".
    فنظرت إلي وشدت على يدي وقالت:
    "يا ابنتي.. هل تخفين عني شيئا؟"
    فقلت:
    "كلا".
    ولكنها بدت متشككة واستدرت إلى خالي وسألت:
    "هل تخفون عني شيئا يا أخي؟"
    فقال أخي:
    "ربما حصل شيء.. بعد ذلك الشجار... ربما وليد نفذ ما طلبته أروى... لا أريد أن أرحل وأنا غير مطمئنة على ابنتي".
    قربت رأسي من رأس أمي وأخذت أحضنها وأقبلها وأقول:
    "لا تقولي هذا يا أمي أرجوك".
    وهي تتابع:
    "الأعمار بيد الله.. نسأله حسن الخاتمة".
    فلم أتمالك نفسي وفاضت الدموع في عيني.. وقلت:
    "أرجوك يا أمي لا تتحدثي هكذا.. شفاك الله ومد في عمرك.. أنا من لي غيرك في هذه الدنيا؟"
    وأحسست بيدها تمتد وتلامس يدي ثم سمعتها تقول:
    "لا زوجك.. وخالك.. يرعاكم الله".
    ثم التفتت إلى خالي وقالت:
    "أخي يا قرة عيني.. أحضر وليد وصالحهما أصلح الله لك آخرتك.. الشاب جيد ومن خيرة الرجال وأنا ما كدت أصدق أنني وجدت من أستأمنه على ابنتي مهجة قلبي".
    خالي مسح على رأس أمي وقال:
    "لا تشغلي بالك بهذه الأمور يا أم أروى هداك الله.. إنه شجار عابر يحصل بين أي زوجين وينتهي".
    لكن أمي أبدت عدم التصديق مخاطبة خالي:
    "لا تدعه يذهب يا إلياس.. ما كان نديم ليطلب من شخص عادي أن يهتم بعائلته".
    ثم التفتت إلي وقالت:
    "لو لم يكن رجلا بمعنى الكلمة.. لما تمسك بالمسؤولية عن ابنة عمه اليتيمة بهذا القدر".
    وشددت على يدي وقالت:
    "تمسكي به يا أروى.. لا تفرطي به.. يهديك الله".

    ******************************




    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:05

    تتمـــــــــــــه
    *************


    حصلت على أقرب موعد ممكن مع أحد أطباء العظام في إحدى المستشفيات الكبيرة في المدينة الصناعية واليوم سآخذ رغد من أجل المعاينة ومتابعة العلاج.
    استخرجت الظرف الذي أرسله لي شقيقي قبل سفره وقلبت الأوراق لاستخراج التقرير الطبي.
    وأثناء ذلك اطلعت على مجمل الأوراق وبشكل أخص على ورقة التوكيل.
    كانت ورقة رسمية وموثقة من قبل مكتب المحامي يونس المنذر وهو شخص سبق لوليد وأن أخبرني بأنه يعمل معه في المصنع.
    ذكر في هذا التوكيل أمورا كثيرة يفوضني لتوليها وفي الأسفل ذكرت جملة الاستثناءات.. وفي الواقع لم يكن هناك غير استثناءين اثنين...
    الزواج والسفر!
    ويحك يا وليد!
    وهل تظن مثلا بأنني سأستخدم هذا التوكيل وأعيد رغد إلى ذمتي وأهرب بها بعيدا؟؟
    ليتني أستطيع ذلك..
    أخذت أوراق التقرير الطبي وذهبت إلى بيت أبي حسام.
    تمنيت أن أقابل رغد بحالة أفضل ولكنها كانت بحالة يرثى لها..
    "لا أريد أن أذهب إلى أي مكان... ومن فضلك يا سامر لا تضغط علي..."
    هذا ما استقبلتني به فقلت:
    "بربك رغد! لا بد من معاينة إصابتك ومتابعة علاجك. بل إنني أخشى أن نكون قد تأخرنا ويصيب قدمك أو يدك شيء لا قدر الله".
    قالت بلا مبالاة:
    "لا فرق عندي".
    لن أبذل الجهد في محاولة تشجيعها فنبرتها أشد كآبة من أن تتغلب كلماتي عليها...
    لكنني قلت برجاء:
    "يا رغد.. يجب أن نزور الطبيب حتى تتخلصي من هذا العكاز وهذه الجبيرة.. هل يعجبك أن تظلي معاقة عن الحركة الطبيعية وحتاجة لمساعدة الآخرين في أبسط الأشياء؟"
    وكانت الآنسة نهلة تجلس معنا وسترافقنا إلى المستشفى, فقالت مشجعة رغد:
    "على العكس. أنها تريد التخلص من هذين بسرعة. أليس كذلك؟ اشتاقت إلى الرسم ونتوق لفنها الرائع! هيا بنا عزيزتي".
    لكن ردة فعل رغد جاءت عنيفة!
    انفجرت صارخة:
    "قلت لكما اتركاني وشأني... لا أريد الذهاب إلى أي مكان... إلا إذا شئتما حملي إلى المقبرة ودفني تحت الأرض... لأرتاح وأريحكم جميعا..."
    قالت الآنسة نهلة بعد الدهشة:
    "بعد ألف شر! لا تتكلمي هكذا يا رغد".
    فردت رغد بانفعال:
    "ما لم يعجبكم كلامي فحلوا عني... لماذا تضغطون علي؟؟ أتركوني وشأني... أتركوني وشأني.."
    وهمت بمغادرة المجلس حيث كنا هي وأنا والآنسة نهلة جالسين... في ذات الوقت دخلت الخالة أم حسام الغرفة وهي تنظر نحو رغد ويظهر أنها سمعت صوتها الصارخ وكلامها الزاجر...
    لما رأت رغد خالتها تصرفت بعصبية أكبر وغيرت اتجاه سيرها واستدارت نحو الباب الخارجي للمجلس وخرجت إلى الفناء...
    أم حسام لحقتها بسؤال:
    "إلى أين يا رغد؟"
    والأخيرة ردت بحدة:
    "إلى حيث ألقت".
    وهذه إجابة وبأسلوب لم أعهده على رغد. فهي لطالما كانت تحب خالتها وتعاملها بكل احترام ومودة كما وأن رغد فتاة مهذبة وهادئة الطباع وراقية الأسلوب.
    هذا تحول غريب في شخصيتها صبغها به حزنها وغضبها بسبب سفر وليد.
    وبعد أن انصرفت رغد خاطبتني الخالة متسائلة:
    "هل وافقت؟"
    فأجبت إجابة مخيبة:
    أبدا. لم تعرني أذنا صاغية. جل ما أخشاه هو أن تتطور إصابتها للأسوأ لا قدر الله".
    فقالت الخالة آسفة:
    "إنها لا تستمع إلي وترمقني بنظرات الاتهام وتشعرني بأنني ارتكبت جريمة عظمى في حقها. أيرضيك أن ندعها تسافر مع وليد بمفردهما؟؟ هل هذا يليق؟؟"
    ولم أشأ فتح المجال لها لإدارة موضوع هكذا الآن, وفي خاطري نقمة على المعاملة السيئة التي عومل بها شقيقي من قبلها وآثرت أن أصرف الاهتمام إلى إصابة رغد فقلت:
    "سألحق بها وأحاول إقناعها... على الأقل ولو بزيارة واحدة للطبيب الآن".
    ونهضت واستأذنت وخرجت إلى الفناء أتعقب رغد.
    فوجدتها تسير ببطء بعكازها متغلغلة في الحديقة حتى وقفت عند إحدى الأشجار الباسقة فاستندت إليها وأطلقت بصرها نحو الأعلى.
    توقفت على بعد مترين أو أكثر منها ثم سألتها:
    "أيمكننا التحدث؟"
    ردت بضيق:
    "أرجوك لا تتعب نفسك وتتعبني... لن أذهب إلى المستشفى ولا يهمني ما يحل برجلي ولا بيدي... لن أخسر شيئا إن فقدتهما أيضا إزاء كل ما فقدت".
    الحزن بلغ بها لهذا الحد... وحزنها يعصرني... قلت بلطف مشجعا:
    "أنت لم تخسري شيئا يا رغد..."
    فرمتني بنظرة قوية وقالت:
    "ما حجم الخسارة التي تريدون مني فقدها حتى يمكنكم رؤيتها؟؟"
    رددت:
    "لا أحد يريد لك خسارة شيء... رغد لا تنظري للأمر هكذا".
    وضغطت على أعصابي وأضفت:
    "إنه سافر مؤقتا ولم يرحل عن الدنيا لا سمح الله".
    وأخذت تعبيرات وجهها تنهار شيئا فشيئا... وتابعت:
    "وسيعود حتما بإذن الله."
    أطرقت برأسها وقالت نافية:
    "لن يعود... لقد تخلى عني... أخلف بوعده... إنه دائما يخلف بوعوده.... لطالما كان يتركني ويسافر بعيدا... يظن أنني سأبقى حية لحين عودته ذات يوم... لا يعرف أنني سأموت عاجلا بسببه".
    عضضت على أسناني بمرارة وتحملت الألم وقلت:
    "بعد ألف شر وشر... لا تكوني متشائمة هكذا... لقد أخبرني بأنه سيقضي بضعة أسابيع للاستجمام هناك ثم سيعود".
    قالت مصرة:
    "لن يعود إلي... ألم ينقل كفالتي إليك؟ تبرأ من مسؤوليتي... انتهينا".
    وكم ألمت لألمها وتجرعت مرارتها. عقبت:
    "الوصاية التي أسندها إلي جزئية ومؤقتة. لا تخشي... ستعودين إلى كنفه ورعايته فور مجيئه".
    ولكن رغد أومأت برأسها عدم التصديق وبأسى قفلت:
    "بلى... ولكن... هل أنا سيء لهذا الحد؟؟"
    هنا حملقت بي وكأنها للتو تدرك أنني سامر خطيبها السابق والذي يحبها كثيرا...
    تبدلت سحنة وجهها وقالت بصوت كئيب:
    "أنت... أعز إنسان على قلبي... سامحني..."
    وكانت تقول بمرارة وندم... وقد تكون اللحظة الأولى التي تكتشف فيها رغد كم قست علي وجرحتني وإلى أي عمق طعنت قلبي...
    تابعت رغد:
    "ليته لم يظهر في حياتي من جديد... ليتني لم أقترب منه... كم أنا حمقاء... حمقاء وغبية وواهمة... أتعلق بالأوهام... والخيالات المستحيلة... وواقعي... فتاة يتيمة وحيدة بائسة معدمة..."
    وضربت بعكازها جذع الشجرة وتابعت:
    "ومعاقة وعاجزة وعالة على الآخرين".
    قلت معترضا:
    كفى يا رغد... لا تصفي نفسك بهذا وأنت العزيزة الغالية وكلنا رهن إشارتك".
    لكنها واصلت بكآبة:
    "ما الذي كنت أتوقعه لنفسي؟؟ البلهاء... ما الذي كان سيجعله يختارني؟؟ ما الذي لدي ويستحق العودة من أجله؟؟ ماذا أملك أنا ليعجبه؟؟ أنا لم أثر لديه إلا الإزعاج والقلق والمشاكل..."
    وأضافت:
    "وبعد كل هذا... تأتي خالتي وعائلتها ويهينونه في بيتهم وعلى مرأى ومسمع مني... كيف أنتظر منه أن يعود من أجلي؟؟ يا لي من حمقاء... غبية".
    قلت:
    "هوني عليك أرجوك... لم كل هذا؟؟ بالله عليك... إن هي إلا فترة مؤقتة ويعود ونصلح الشروخ الحاصلة بين الجميع.. ليس شقيقي من النوع الذي يهرب من المسؤوليات والشدائد بل هو أهل لها".
    فقالت منفعلة:
    "إذن لماذا لا يرد على اتصالاتي؟؟ لماذا قاطعني؟؟"
    أجبت محاولا تحسين الموقف وتبريره:
    "تعرفين... إنه غاضب ولا يحسن المرء التصرف في ثورة الغضب. عندما يهدأ سيتصل بك".
    فقالت:
    "ما ذنبي أنا؟؟... لماذا يشملني في غضبه ومقاطعته؟"
    قلت:
    "أعذريه يا رغد... ربما كانت خالتك بالغة القسوة عليه".
    قالت:
    "كلهم قساة... وليد أشرف وأرقى منهم جميعا... سوف لن أغفر لهم إهانتهم له... وإذا لم يعد ويأخذني معه فسوف لن أبقى في هذا المنزل... وسأعود إلى بيتي المحروق وأدفن نفسي تحت أنقابه".
    يتضح لكم مدى الاكتئاب الذي ألم برغد جراء سفر وليد... لم أفلح يومها في إقناعها بالذهاب إلى المستشفى وحالما عدت إلى شقتي هاتفت شقيقي وأبلغته عن هذا فوبخني وألقى بالمسؤولية علي وقال لي بالحرف الواحد:
    "أنت المسؤول عنها الآن ويجب أن تتصرف ولا تدع عنادها يتغلب عليك. أرحني من همها بضعة أسابيع لا أكثر فأنا قرحتي تكاد تمزق أحشائي".
    وفهمت من كلامه بأن وضعه الصحي متدهو وقلقت كثيرا... وربما يكون الطبيب هو من نصحه بالسفر والاستجمام بعيدا عن المشاكل والمسؤوليات من أجل صحته...
    خصوصا وأنني لاحظت إكثاره من تناول الأدوية خلال فترة مكوثه في شقتي...
    واهذا تحاشيت في المكالمات التالية وقدر الإمكان إبلاغه بالتفاصيل المزعجة عن وضع رغد وادعيت بأنها في تحسن بينما هي عكس ذلك...
    إلى أن حل يوم احتد الجدال فيه بين رغد وخالتها واتصلت بي هي بنفسها وطلبت مني أخذها إلى المستشفى.
    لم يكن هدفها هو المستشفى بل الابتعاد عن خالتها...
    زرنا الطبيب وعاينها واطلع على تقاريرها وأجرى لها بعض الفحوصات ثم أخبرنا بأنه لا يزال أمامها أسابيع أخرى قبل أن يمكنها الاستغناء عن الجبيرة والعكاز...
    وهذا خبر لم يزد رغد إلا كآبة ما كان أغناها عنها... فانزوت على نفسها في غرفتها بقية اليوم.
    اتصلت بشقيقي مساءً وأعلمته بأننا زرنا الطبيب أخيرا وأخبرته بما قال, كما أوصاني مني مسبقا.. ولكنني أخفيت عنه مسألة الإحباط الشديد الذي ألم برغد وطمأنته على صحتها... وأذكر أنه يومها سألني بتشكك:
    "لأا تخفي عني شيئا؟؟ هل حقا تقبلت النبأ؟"
    فقلت له:
    "أسألها بنفسك لتتأكد!"
    قال:
    "سأفعل, في الوقت المناسب".
    والله الأعلم متى يحين الوقت المناسب حسب معادلة وليد...!
    ومرت أيام أخرى... والحال كما هي.
    وليد غائب ويتابع أخبار رغد عن بعد ويرفض التحدث معها أو أقاربها أو عن شجاره معهم... وهي في كآبة مستمرة لا تعرف حتى البسمة السطحية إلى وجهها طريقا... إلى أن طلبت مني الخالة أن أزورهم ذات مرة...
    "لا أفعل هذا إلا من أجل رغد... الفتاة تذبل يوما بعد يوم وأخشى أن تموت بين يدي... معاملتها ونظراتها لي كلها اتهام ونفور شديدين... وأنا لا أقوى على مواجهتها خشية أن يزداد الموقف حدة ولا أستطيع تحمل وضعها هذا... قلبي منفطر عليها ويكاد الشعور بالذنب يمزقني... أريد أن نتصالح مع وليد لأجلها وأن أفهمه أنني لم أقصد إهانته شخصيا بل توضيح حدود علاقته برغد... قل له أن يعود وإلا أنها ستموت أن بقيت على هذه الحال..."
    قلت وأنا أعلم كم يرفض وبشدة الحديث عن أو مع عائلة الخالة:
    "سأخبره عن رغبتك في محادثته حينما أتصل به".
    فقالت:
    "اتصل به الآن يا سامر رجاء ودعني أكلمه".
    أحرجني الطلب فأذعنت له كارها واتصلت بشقيقي وبعد تبادل التحيات أخبرته بأنني في منزل أبي حسام وأن الخالة أم حسام ترغب وبشدة في التحدث معه, وبدوره أيضا وليد أحرجني جدا حيث قال:
    "لا أرغب في التحدث مع أحد يا سامر.. البتة.. أرجوك أنهِ المكالمة".
    قلت ووجهي يحمر حرجا:
    "ولكن.."
    فقال:
    "آسف يا سامر سأغلق الهاتف رجاء لا تكرر هذا ثانية. اعذرني ومع السلامة".
    وقطع الاتصال.
    أبعدت الهاتف عن أذني وعيناي تطئان الأرض خجلا وأم حسام تراقبني ثم قالت:
    "لم يشأ التحدث معي أليس كذلك؟"
    قلت محرجا:
    "إنه.. أعني.."
    وطبعا أم حسام فهمت الأمر. قالت مستنكرة:
    "ولكن ما هذا الطبع في أخيك؟ يجب أن يكون أرحب صدرا وأوسع بالا وأرقى ذوقا من هذا".
    في ذات اللحظة أقبلت رغد تدخل الغرفة سائرة بعكازها وعلى وجهها أمارات القلق والفضول...
    لا بد أنها كانت تنتظر المكالمة بصبر نافذ... وبعد تحيتي سألت عما إذا كنا قد أفلحنا في الاتصال بوليد... فأطرقنا برأسينا... وفهمت رغد ما جرى... فطأطأت رأسها حزنا... وتراجعت للوراء...
    أم حسام حاولت أن تطيب خاطر رغد فقالت:
    "ربما لا يزال ناقما علي... سيبلغه سامر اعتذاري ويطلب الصفح بالنيابة عني... لا أظنه سيرفض اعتذاري هذه المرة".
    ولم تعر رغد الكلام أهمية واستدارت لتغادر يائسة... فقالت أم حسام مخاطبة إياي:
    "أعد الاتصال به وأخبره بأن رغد هي من يرغب بالحديث معه".
    والتفت إلى رغد... موقفي صار غاية في الحرج... واتصلت فلم يرد.
    وبقيت أنظار رغد وأم حسام تراقبان وتترقبان بأمل يائس... وضعت الهاتف أخيرا في جيبي وقلت:
    "ربما انشغل".
    وهو مبرر ندرك زيفه ثلاثتنا... أم حسام قالت:
    "بل ربما ينوي قطع الصلة بيننا نهائيا".
    فالتفتت رغد إليها وتكلمت منزعجة:
    "يقطع صلته بنا؟ ماذا تعنين؟؟ كيف يقطع صلته بي أنا؟؟ إنني ابنة عمه... ومكفولته... لا يجوز له.."
    قالت أم حسام:
    "كما ترين, لا يريد أن يعطينا فرصة للتصالح معه بتاتا... فبماذا تفسرين هذا؟"
    قالت رغد وقد علا صوتها واشتد احمرار وجهها واشتعل الغضب في عينيها:
    "أنت السبب ياخالتي.. أنت السبب".
    ولم تعقب الخالة فاستمرت رغد في الاتهام:
    "دفعته لأان يتركني ويرحل.. ماذا سيحل بي الآن؟"
    قالت أم حسام بلطف محاولة تهدئة رغد:
    "ستسير حياتك طبيعية بيننا والله يغنينا عنه وعن وصايته... سريع الغضب عنيف الرد..."
    وفي الواقع لم يكن يجدر بها قول هذا على مسامعنا وفيما رغد على أهبة الانفجار...
    اشتطت رغد غضبا وانتفخ وريد جبينها وهتفت بعنف:
    "قلت لك لا تتحدثي عن وليد هكذا.. إذا لم يكن يعني لكم أنتم شيئا فأنا لا أستغني عنه.. ولا أريد وصيا غيره.. وسألحق به أينما ذهب.. ولا أحد له الحق في توجيه حياتي غيره هو.. وليس لأنني يتيمة الأبوين ستعبثون بي كما تريدون.. وإذا تخلى عني كليا فسوف لن أبقى معكم.. سوف لن أسامحكم أبدا لأنكم أنتم السبب.. وما لم تعيدوه إلي فسأخرج بنفسي للبحث عنه.. عسى ألا أعود حية بعد خروجي".
    وسارت نحو الباب وغادرت ثائرة...
    خين الصمت بيننا أنا والخالة لبعض الوقت ثم إذا بها تقول:
    "جن جنونها!!"
    وبقيت صامتا.. فواصلت:
    "لم أكن أتوقع أنها.. لا تزال مولعة به لهذا الحد.. حتى بعد كل تلك السنين"ز
    أثارت الجملة جل اهتمامي وركزت النظر إلى عيني الخالة يعلوني التساؤل..
    فقالت هي:
    "عندما كانت صغيرة كانت مهوسة به للغاية, حسبناه تعلق طفولي لطفلة يتيمة تبحث عن الحنان.. وكان شقيقك يدللها كثيرا معه أينما ذهب.. والتك رحمها الله كانت قلقة بهذا الشأن.. وكانت تعتقد أنهما حين يكبران قد تتطور علاقتهما...
    مع فلرق السن... لكن عندما غاب تلك السنين توقعنا أن تكون قد نسيته وانتهى كل شيء".
    ثم أضافت:
    "لكن يبدو أن الحنين إلى الماضي قد اجتاح كل عواطفها ولا أعرف... إن كان الآن يعني لها وليد السابق أم أن الأمر قد تخطى ذلك بكثير..."
    هنا وقفت شاعرا بالحرج والجرح معا... لم يكن ليخطر ببالي أن لهذا علاقة بالماضي البعيد... وقد أذهلني كلام الخالة وأرسلني إلى غياهب الأفكار...
    لكن... ماذا عني أنا؟؟ لا يبدو أن أحدا يكترث لمشاعري أو يقيم لها اعتبارا...
    يتحدثون معي عن رغد وكأنها لم تكن خطيبتي لسنين ولم أكن على وشك الزواج منها حين فقدتها فجأة...
    "أستأذنك للانصراف الآن".
    ذهبت إلى شقتي كئيبا مكسور الخاطر... مشوش الأفكار...
    لم يكن كلام خالتي يفارقني... ولم أستطع لا تصديقه ولا تكذيبه... كانت رغد طفلة صغيرة فكيف يمكن أن تكون قد أحبت وليد هذا النوع من الحب في ذلك الزمان؟؟
    و... ماذا عن وليد؟؟ هل يعقل أن شيئا ما... كان بينهما حقا؟؟ هل يمكن أن يكون وليد... هل يمكن أن يكون هو أيضا...؟؟؟
    يا للسخف...
    تحاشيت التفكير قدر الإمكان إلى أن اتصلت بأخي لا حقا... في البداية عاتبته على إحراجي مع أم حسام فلم يكترث..
    ثم نقلت إليه تحيات رغد وأشواقها الشديدة إليه وأنا أدوس على قلبي وأتصرف كالرجل الآلي تماما... ودققت في كلامه وردوده جيدا باحثا عن أي دليل يؤدي إلى تأكيد أفكاري أو نفيها... غير أن أخي كان يتحدث ببلادة شديدة.. لم تكشف لي أي شيء...
    وأخيرا... داهمتني رغبة ملحة في توجيه سؤال مباشر إليه... غير أنه قال فجأة إنه يتلقى اتصالا آخر وأنهى المكالمة عاجلا...
    قررت بعد ذلك مواجهته في الاتصال التالي لتتضح حقائق الأمور...
    ولكن... وفي اليوم التالي مباشرة وفيما كنت أجلس في شقتي بكسل في عطلتي الأسبوعية رن جرس الباب وإذا بي أفاجأ بأخي يقف خلفه!!!
    اهتز قلبي واصفر لوني وسألت وأنا بالكاد أخرج الحروف صحيحة من فمي:
    :وليد!!!... مــــ... ماذا حصل؟؟"
    فمد وليد يده وربت على كتفي وقال والخشوع والحزن يكسوان وجهه العريض:
    "البقاء لله.. توفيت خالتي أم أروى بالأمس.. إنا لله وأنا إليه راجعون".

    *************



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:06

    الحلقة السادسة والأربعون

    عد إلـــــيّ

    انقضت فترة العزاء وقد شاركت في التعزية مع بقية أفراد عائلة خالتي, وعندما جاء دوري ووقفت أمام الشقراء لأواسيها لم أستطع مصافحتها بسبب يدي المصابة واكتفيت بعبارة مخنوقة خرجت من فمي ببطء.
    والشقراء بدورها ردت بشكل عابر دون أن ترفع نظرها إلي.. لكن الحزن جليا على وجهها.
    السيدة ليندا كانت طيبة وقد أحسنت معاملتي وسهرت إلى جانبي في المستشفى ورعتني بكل مودة ولطف... رحمها الله... وغفر خطاياها...
    متى سيحين أجلي أنا أيضا؟؟...
    أنتظر الموت.. ليأخذني كما أخذ أحبابي... ويخرجني من شقايا الدنايا وما فيها...
    كنت أعرف أن وليد موجود في القسم الآخر من قاعة التعازي.. وكنت أعرف أنه أبعد ما يكون عن التفكير بي في هذه الفترة.. لكنني كنت في شوق منجرف لرؤيته ولو لدقيقة واحدة... ولو لنظرة بعيدة عاجلة... أعانق فيها عينيه ولو لآخر مرة في حياتي...
    ولخيبة الأمل وتحالف الأقدار ضدي, عدنا إلى المنزل دون أن ألتقي به ولا حتى صدفة..
    ومرت الأيام... ونخر الشوق عظامي.. وأتلف الحنين ذهني...
    ولم أعد بقادرة على الانتظار يوما آخر.. كيف... وأنا أعرف أن ما يفصلني عنه هي أميال قليلة لا أكثر...؟؟ وأن هو لم يأت إلي... فسأذهب أنا إليه... فقط لألقي نظرة...
    "هل أنت مجنونة!؟"
    قالت نهلة معترضة على فكرتي وليدة اللحظة.. فقلت:
    "نعم مجنونة.. لكني أريد أن أراه بأي شكل يا نهلة..أكاد أختنق.. لا أحد يحس بي هنا".
    قالت:
    "تخيلي كم سيكون وضعك حرجا ومدعاة للسخرية عندما تذهبين فجأة إلى المزرعة الآن... هيا رغد.. تخلي عن هذه الفكرة السخيفة... توفيت أم زوجته قبل أيام وأنت تفكرين في هذا؟؟"
    قلت:
    "سألقي عليه التحية وأعتذر منه وأعود... حتى لو لم يرد علي... المهم أن تكتحل عيناي برؤيته... ويبرد صدري بتقديم الاعتذار..."
    فقالت:
    "ماذا سيقول عنك يا رغد؟؟ هو في محنة عظيمة وأنت تذهبين لتقديم الاعتذار! سيستحقر موقفك... ليس هذه وقته.. انتظري أسبوعين على الأقل".
    هتفت:
    "لا أقوى على الانتظار... ألا تفهمين؟؟ أنتِ لا تشعرين بالنار المضرمة في صدري..."
    أشاحت نهلة بوجهها عني وقالت:
    "لقد حذرتك... افعلي ما تشائين".
    وغادرت المكان...
    خرجت بعد ذلك إلى الحديقة...طلبا لبعض الهواء النقي... والتقيت بحسام صدفة وهو مقبل نحو المنزل... فلمعت الفكرة في بالي كمصباح قوي أعشى عيني عن رؤية ما هو أعمق من ذلك...
    "مرحبا حسام".
    حييته فرد مبتسما:
    "مرحبا رغد.. ماذا تفعلين هنا؟؟ تدربين رجلك على المشي؟؟"
    قلت وآمالي تتعلق به:
    "حسام.. هلا أسديت إلي معروفا؟"
    قال وعلى وجهه الاستغراب:
    "بكل سرور!"
    فقلت بلهفة:
    "أريدك أن.. أن تصطحبني في مشوار.."
    فسأل:
    "إلى أين؟"
    ازدردت ريقي وقلت:
    "إلى... مزرعة أروى".
    سأل متعجبا:
    "مزرعة أروى؟؟"
    "نعم.. أرجوك".
    ففكر قليلا ثم سأل:
    "لماذا؟؟"
    ترددت في الإجابة.. عرفت أنني لو قلت من أجل مقابلة وليد فإنه لن يوافق.. فقلت:
    "سأتفقد أحوالهم.. وألقي التحية".
    وبدا مبررا معقولا بعد عدة أيام على وفاة السيدة ليندا.. وسألني إن كنت قد أعلمت خالتي بهذا فأقنعته بأن الأمر لا يستدعي... وبعد تردد قصير وافق على اصطحابي, وخرجنا مباشرة...
    حين بلغنا المزرعة لم يكن وليد موجودا وأخبرنا العجوز والذي كان يجلس كعادته قرب باب المنزل بأن وليد قد ذهب في مشوار وسيعود قريبا.. ودعانا للدخول لكننا آثرنا البقاء في الخارج وانتظاره.. وذهب العجوز لاستدعاء الشقراء فعلاني التوتر.. أنا لم آت من أجلها كما أنها لا تنتظر مني زيارتها.. لكني وضعت نفسي في هذا الموقف وعلي التصرف الآن..
    أبدى حسام إعجابه بالمزرعة وراح يتحدث عن انبهاره بما يرى غير أنني لم أكن مركزة السمع معه.. بل في انتظار لحظة ظهور الشقراء..
    وأخيرا ظهرت...
    ملفوفة في السواد الحزين, كما هي حالي.. وكأن عدوى اليُتم والبؤس قد انتقلت مني إليها...
    وقد اعتدت في الماضي رؤيتها ملونة بشتى ألوان قوس قزح.. مثل سرب من الفراشات أو إكليل من الزهور...
    عندما اقتربت زممت شفتي ترددا ثم ألقيت عليها التحية وسألتها عن أحوالها.. وأنا متأكدة من أنها تدرك أنني لم أكن لأقلق على أحوالها أو أترث لها.. ولا بد أنها تدرك أن سبب حضوري هو... وليد...
    ساعد وجود حسام في تلطيف الجو.. وتشتيت الكآبة وصرف أذهاننا إلى الحديث عن المزرعة وشؤونها..
    ذهبت الشقراء لإعداد القهوة فوجدتها فرصة للاسترخاء من عناء الموقف المصطنع.. وبقي حسام والعجوز يتحدثان أحاديث عادية... أما أنا فعيناي ظلتا ترقبان البوابة إلى أن رأيت أخيرا سيارة تقف عندها ومنها يخرج مجموعة من الرجال... يقودهم الرجل الطويل العريض.. بهي الطلعة قوي القسمات ثاقب النظرات.. مضرم ناري وحارق جفوني وسالب عقلي وشاغل تفكيري.. حبيبي الجافي.. وليد قلبي..
    الأرض لم تكن أرضا والسماء لم تكن سماء... حين عانقت عيناي عينيه.. والتحمت نظراتي بنظراته..
    آه.. كيف لي أن أصف لكم؟؟
    لحظتها خلا الكون من كل الخلائق... سوانا... لا وجود للأرض ولا السماء... ولا النور ولا الهواء... ولا الجماد ولا الأحياء... فقط... أنا وهو... وعيون أربعة متشابكة متلاحمة... ذائبة في بحور بعضها البعض... أيما ذوبان...

    وليد قلبي... آه... كم اشتقت إليك... لو لا إعاقتي... لربما... ركضت إليه بجنون وغطست في حضنه الواسع...
    اقترب وليد يتقدم بقية الرجال فوقفنا جميعا... ورأيت الدهشة تنبثق في وجهه وهو يحط ببصره الهابط من العلا علي وعلى حسام..
    بادر حسام بإلقاء التحية فرد وليد دون أن يحاول إخفاء عجبه.. ودوى صوته في كهف أذني فتطايرت خفافيش حسي تلتقط وتحتضن ذبذبات صوته وتخبئها في أعماق الكهف... ككنز من الذهب...
    بعد التحيات السريعة استأذن وليد وسار مع الرجال إلى قلب المزرعة ولحق العجوز بهم... ولحقت بهم عيناي ركضا... وهوَتا متعثرتين لهفة عند مفترق الطرق...
    وبعد قليل عاد وليد فتسابقتا لاحتضانه بسرعة... تكاد الواحدة تفقأ الآخرى... لتنفرد بالحبيب الغائب... وتذوب في أعماق صدره...
    وليد كان وجهه محمرا ويعلوه الاستياء فوق التعجب.. انغمست في ترجمة تعبيرات وجهه وطلاسم عينيه... فتهت... وظللت طريقي... وفقدت أي قدرة لي على النطق والتعبير.. وقفت أشبه بشجيرة ظئيلة لا جذع لها تمد أغصانها محاولة تسلق الشجرة الضخمة الواقفة أمامها.. بكل شموخ...
    لاحظ حسام صمتي وتوتري فتولى الكلام:
    "جئنا نلقي التحية نسأل عن الأخبار".
    ولم يتحدث وليد.. فقال حسام متظاهرا بالمرح:
    "ألن تدعونا للجلوس؟"
    فتكلم وليد أخيرا قائلا:
    "أنتما بمفردكما؟"
    فأجاب حسام بعفوية:
    "نعم".
    وازداد الاستياء على وجه وليد... ثم قال:
    "منذ متى وأنتم هنا؟"
    فرد حسام مستغربا:
    "منذ دقائق.. ولكن.. هل يزعجكم حضورنا؟"
    قال وليد:
    "أنا آسف ولكن لدي ما أقوم به الآن.. إنهم في انتظاري".
    مشيرا إلى قلب المزرعة..
    كل هذا وعيناي ملتحمتين بوجهه منذ أن وقعتا عليه أول وصوله... لكن..
    ماذا يا وليد؟ ألن تتحدث معي.. وتسأل عن أحوالي..؟؟ إنك حتى لا تنظر إلي.. أنا هنا وليد هل تراني؟؟ هل تميزني؟؟ لماذا كل هذا الجفاء؟؟ أرجوك.. التفت إلي لحظة.. دع عيني تخبرانك كم اشتقت إليك.. دعهما تعاتبانك على جفاك.. أو تعتذران لأرضائك.. وليد..إنك حتى.. لم تتحسن الترحيب بنا كأي ضيوف..
    انتبهت على صوت حسام يقول:
    "لا بأس.. نعتذر على الزيارة المفاجئة.. كانت فكرة رغد"
    ولذكر اسمي.. اخيرا تكرم على وليد بنظرة.. لكنها لم تكن أي نظره.. كانت حادة وساخنة جدا لسعتني وكادت تفقدني البصر..
    حاولت التحدث فلم تسعفني شجاعتي المنهارة بمرآى الحبيب.. تأتأت ببعض الحروف التي لم أسمعها أنا..
    التفت إلى حسام وقال:
    "هل نذهب؟"
    نذهب..؟؟ وهل أتينا؟؟ هكذا بهذه السرعة؟؟أنا لم أكد أراه.. انتظر.. أنا لدي عشرات بل الآلاف المشاعر لأعبر عنها.. دعني استرد أنفاسي.. دع لساني يسترجع قدرته على النطق.. دعني واقفة قرب وليد أستمد دعمه وأستشعر حنلنه!
    قال وليد وهو يشيح بوجهه حنانه!
    قال وليد وهو يشيح بوجهه عني:
    "سأرافقكما"
    فقال حسام معتقدا وليد يقصد مرافقتنا إلى السيارة المركونة في الخارج:
    "لا تكلف نفسك.. نعرف الطرق.. شكرا"
    فازداد احمرار وجه وليد وقال:
    "أعني إلى المنزل"
    فضربنا الاستغراب.. ونظرنا أنا وحسام إلى بعضنا البعض!! لماذا يريد وليد مرافقتنا إلى المنزل؟؟ هل هذا يعني.. سيأتي معنا؟؟ هل حقا سيأتي معنا؟؟
    "هيا فأنا لا أريد التأخر على ضيوفي"
    قال هذا وسار يسبقنا نحو سيارة حسام.. وسرنا خلفه كتلميذين مطيعين.. أبلهين.. حتى ركبنا السيارة والتي بالكاد حشر وليد جسده فيها.. وانطلقنا عائدين إلى منزل خالتي..
    كنت أجلس خلف حسام,إذ إن وليد كان قد دفع بمقعده إلى الوراء لأقصى حد ليمد رجليه.. فسيارة حسام صغيرة جدا..
    الصمت خيم علينا طوال الطريق.. الذي انقضى وأنا أحاول تهدئة نبضات قلبي وإعادتها إلى معدل سرعتها الطبيعي... ولم يقطع الصمت غير جمل قصيرة عابرة من طرف حسام.. وجملة(خفف السرعة) من لسان وليد.. فقاد حسام السيارة بسرعة عادية على عكس عادته...وطال المشوار.. خصزصا وأننا اضطررنا للتوقف مرتين عند مركزي تفتيش بوليسي...
    وفي كلا المرتين يطلب رجال الشرطة رخصة القيادة والبطاقات الشخصية.. ولحسن الحظ أو ربما لحسن العادة كان وليد يحمل صورة بطاقته العائلية والتي تشمل هويتي...
    لذلك قال وليد بعدما قادرنا نقطة التفتيش الثانية مخاطبا حسام:
    "ماذا لو لم أرافقكما؟"
    فقال حسام:
    "لم نواجه أي نقاط في طريق الحضور".
    عندما وصلنا إلى المنزل هبط وليد من السيارة أولا وتبعناه...
    قال حسام:
    "تفضل".
    داعيا إياه للدخول إلى المنزل من باب اللياقة... غير أن وليد قال:
    "شكرا, لدي ضيوف كما تعلم سأعود إليهم".
    فقال حسام:
    "هل.. أوصلك؟"
    فأجاب وليد:
    "سأتدبر أمري".
    ثم فجأة أدار وجهه نحوي وقال:
    "في المرة القادمة إذا أردت الذهاب إلى أي مكان فاطلبي ذلك من سامر فقط.. مفهوم؟"
    هل هو يخاطبيني؟؟
    هل يعنيني أنا؟؟
    هل ينظر إلي أنا؟؟
    كان حسام يوشك على فتح بوابة المنزل ولما سمع هذا استدار ونظر إلى وليد وقال مستاء:
    "وهل ستظن أنني سأختطفها مثلا؟ إنها ابنة خالتي كما هي ابنة عمك".
    وبدا أن الجملة قد استفزت وليد فقال غاضبا:
    "أنا لم أتحدث معك.. هذا أولا.., أما ثانيا فلا تقارن نفسك بي.. إنني الوصي هنا ومن يقرر مع من أسمح أو لا أسمح لابنة عمي بركوب السيارة".
    شعر حسام بالإهانة فقال حانقا:
    "هكذا..؟؟.. من تظن نفسك؟"
    فرد وليد:
    "لا أظن نفسي بل أنا على يقين ممن أكون... وإذا سمحت.. افتح الباب ودع الفتاة تدخل عوضا عن الوقوف في الشارع هكذا".
    هنا... اجتاحتني شجاعة مفاجئة فتدخلت ناطقة أخيرا:
    "وليد أنا..."
    وقاطعني وليد فجأة قائلا بفظاظة:
    "ادخلي".
    نظرت إليه شاعرة بالانكسار... وليد... كيف تخاطبني هكذا؟؟ وليد هل نسيت من أكون؟؟ لماذا تغيرت إلى هذه الدرجة؟؟ دعني أتحدث..
    وأصررت على النطق... أريد أن أفهم وليد لماذا ذهبنا إلى المزرعة وما مقدار لهفتي إليه... وحاجتي للتحدث معه...
    "وليد..."
    نطقت باسمه فإذا به يقاطعني مكررا بفظاظة أشد وهو يعض على أسنانه ويبث الشرر من عينيه:
    "قلت إلى الداخل... هيا".
    انكمشت على نفسي... تقلصت حتى أوشكت على الاختفاء... من رد وليد...
    حسام فتح الباب وقال بصوت خافت:
    "ادخلي يا رغد".
    فدخلت خطوة, وتوقفت عند فتحة الباب وانقلبت على عقبي ورأيت وليد يولي ظهره إلينا ويسير مبتعدا...
    اقترب حسام ووقف أمامي مباشرة حائلا دون رؤية وليد... فتراجعت للوراء ودخلنا إلى الداخل... وأغلق هو البوابة وسار مبتعدا وبقيت عيناي معلقتين على بوابة السور أحملق فيها... نظرت إليه فرأى تعبيرات الأسى المريرة على وجهي.. فأقبل نحوي وأظهر التعاطف قال:
    "إنه... لا يكترث بك يا رغد".
    نظرت إليه والعبرة تكاد تختفي... فقال:
    "لا أعرف ما الذي يعجبك في رجل كهذا؟ إنك تضيعين مشاعرك هباء".
    صعقت.. وأخذتني الدهشة من كلام حسام.. الذي واصل وهو يرى سحنتي تتغير:
    "أتظنين أنني لا أعرف أنك تحبينه؟ أنا أعرف يا رغد".
    وتضاعف ذهولي وحملقت به غير مصدقة لما أسمع...
    قال حسام:
    "سارة لفتت انتباهي لهذا ذات مرة.. والآن تصرفاتك كلها فاضحة.."
    مازلت أحملق فيه بذهول... عاجزة عن التعليق...
    تابع هو:
    "لكنني لن أقف مكتوف اليدين يا رغد.. سبق وأن وافقت على الزواج مني.. وهي الآن مسألة وقت.. إياك والتلاعب معي... إياك..."
    وأشار إلي بسبابته مهددا... ثم استدار وواصل طريقه داخلا إلى المنزل...

    *************************
    أما وليد فعندما جاء لزيارتي في شقتي... أخبرني عما حصل ووبخني بشدة وأثار معي شجارا حاميا..
    "لقد كلفتك أنت وأعني أنت... بأن تهتم بشؤونها في غيابي.. فلماذا تدعها تخرج مع حسام في سيارته مهما كان المشوار؟؟"
    قلت مستنكرا:
    "يا وليد! أنت تتكلم عن حسام وكأنه شخص غريب... إنه ابن خالتها وثل أخيها ومثلي ومثلك تماما ولطالما كان يصطحبها سابقا في المشاوير إذا اقتضى الأمر.. ليس لها ملجأ غيره وغيرنا ولذلك هي تعتمد عليه..."
    غضب أخي كثيرا وقال صارخا:
    "كان ذلك في السابق.. في عهد أبي رحمه الله.. لكن أنا لا أسمح لها بالخروج معه.. وفي عهدي أنا يجب عليها أن تلتزم بما أقوله أنا".
    قلت مستاء وساخرا:
    "لكنك لم توصيني بألا أسمح لها بالخروج معه.. ولم تذكر أسماء المسموح لهم في توكيلك السامي ذاك".
    فاشتط أخي غضبا وضرب الجدار بيده فجاءت ضربته على لوحة معلقة وأوشك أن يكسرها... وللعلم فإن لشقيقي هذا قبضة فتاكة جربتها أكثر من مرة..
    ولا تزال أمامي تجارب أخرى... كما سترون....
    أثار غضبه شيئا من الروع في نفسي وإذا به يزمجر:
    "أنا لا أمزح هنا يا سامر... أحدثك بمنتهى الجدية والمسؤولية... فلا تستفزني..."
    فقلت مدافعا:
    "وما أداني أنا أن هذا سيغضبك وإلى هذه الحد؟ لماذا لم تنبهني مسبقا؟"
    فقال:
    "هي تعرف هذا جيدا وسبق وأن حذرتها.. مرارا وتكرارا... لكنها تضرب بكلامي عرض الحائط.. قل لها... أن تتوقف عن عنادها هذا وإلا..."
    وهو يشير بسبابته نحوي مهددا... فهتفت معترضا:
    "وإلا ماذا يا وليد؟؟"
    ولم يرد وكأنه لا يجرؤ على النطق بما يدور بخلده من شدة فظاظته... فأعدت السؤال:
    "وإلا ماذا بعد؟ لماذا كل هذه القسوة والصرامة في معاملتها؟"
    رد أخي بحدة:
    "أعاملها كيفما يحلو لي".
    فاعترضت مستنكرا:
    "كلا... كلا يا أخي ليس كما يحلو لك... أنت قاس وفظ للغاية... وتصب جام غضبك على من لا ذنب لهم في الإساءة إليك... رغد كانت مستميتة لأجل لقائك أو التحدث معك والاعتذار لك على خطأ لم تقترفه هي من أجل تطييب خاطرك, وأنت عاملتها بمنتهى الغلظة والرعونة... معاملة لا يحتملها رجل شديد فكيف بفتاة رقيقة؟؟"
    هتف وليد بغضب:
    "سامر!"
    فقلت مسترسلا:
    "نعم يا وليد.. أزل الغشاوة عن عينيك... وميز مع من تتعامل... إنها فتاة حساسة ولا يليق بك أن تعاملها كهذا".
    وعوضا عن أن تثير كلماتي الندم وتأنيب الضمير في نفس شقيقي, إذا بي أراه ينظر إلي والشرر يتطاير من عينيه ويقول:
    "وهل ستعلمني كيف أعامل فتاتي؟"
    أذهلتني كلمة وليد هذه وحملقت به متفحصا... وقفزت كلمات خالتي أم حسام إلى رأسي...
    قلت:
    "فتاتك؟؟"
    ورأيت تعبيرات وجه أخي تتغير... وكأنه انتبه للتو للكلمة... فقال محاولا تغيير أو تصحيح المعنى:
    "الفتاة التي تحت وصايتي أنا".
    وأضاف ليصرف الانتباه عن الكلمة:
    "وما دامت تحت وصايتي أنا فأنا من يحدد ويقرر كل شيء يخصها... ولا أسمح لأحد بالتدخل... فهل هذا واضح؟؟"
    حيرني أمر أخي... ولم أعرف بم أفسر موقفه من رغد... أهو الحرص عليها أم التسلط عليها أم شيء آخر..؟
    قلت:
    "حسنا... إنما أريد أن ألتفت انتباهك لما قد غضبك قد أغفلك عنه... أنت لا تدرك حجم المعاناة التي تخلفها مواقفك القاسية في نفسيتها... إنها من البشر وليست قطعة من الحديد... كل تلك الفترة وهي تحاول الاتصال بك لتقدم لك كلمة اعتذار عن شيء لم تقترفه لترضيك أنت بصفتك ولي أمرها وفي مقام الأب وأكثر لديها... وأنت لاه في الخارج لا تكترث لشيء.. وبعد هذا تلومها إن هي حضرت بحثا عنك في المزرعة؟؟ على الأقل.. استمع لما تود قوله ثم افعل ما تشاء... أي قلب تملك أنت؟"
    فجأة أمسك وليد بقميصي وأخذ يهزني بقوة ويهتف:
    "أنا لا أملك قلبا.. أنتم قتلتموه.. إنكم السبب.. كلكم السبب.."
    ودفع بي إلى الجدار... ثم جعل يصرخ في مهددا:
    "إياك... ثم إياك... ثم إياك يا سامر... والسماح لهذا بالتكرر... هل فهمت؟"
    وأبعد يده عني ثم سار مغادرا الشقة... مخلفا بصمات جمله الأخيرة مطبوعة على طبلتي أذني...

    ****************************
    في اليوم التالي حضر سامر لزيارتي وأخبرني عن زيارة وليد له البارحة وعن شجاره معه بسبب خروجي مع حسام وبين لي مدى الغضب الذي اكتسحه والتهديد الذي رماه به, وطلب مني:
    "لا تكرري ذلك ثانية.. إذ أن وليد على ما يبدو ولا يولي حسام ثقة كبيرة, أو لنقل إنه مستاء منه بسبب الشجار العائلي..."
    وأنا أعرف بحقيقة الأمر وقلت تلقائيا:
    "إنه لا يطيقه منذ زمن".
    فظهر التعجب على سامر وسأل:
    "أحقا؟؟ لكن لماذا؟"
    فانتبهت إلى أنني تسرعت في جملتي السابقة... وحاولت تدارك الأمر فقلت:
    "لأنه... لأنه نعته بألفاظ سيئة... ذكرت لك ذلك.."
    وطبعا لم أكن لأشير إلى موضوع عرض حسام الزواج مني ورفض وليد له والشحنات التي نشأت بينهما منذ شهور لهذا السبب...
    شي من الغموض اكتسى وجه سامر وسألني:
    "أهناك ما لا أعرفه يا رغد؟؟"
    فقلت متظاهرة الاستغراب:
    "عن ماذا؟؟"
    فقال:
    "عن حسام... عن وليد... أو عنك؟؟"
    فقلت مستمرة في تظاهري:
    "لم أفهم قصدك!"
    فقال:
    "لأن وليد كان غاضبا بمقدار فوق المعقول... لسبب تافه".
    فقلت مؤكدة:
    "كما قلت. حسام شتم وليد زعيره بأنه خريج سجون وأهانه بقسوة ولهذا... وليد لا يطيقه".
    وأقنع كلامي هذا سامر وأثناه عن محاولة التعمق أكثر...
    قال أخيرا:
    "على أية حال يا رغد.. إذا أردت أي شيء فاطلبيه مني أنا فقط".
    فنظرت إليه وفي عيني مزيج من الامتنان والأسى, والندم... وقلت:
    "شكرا... ولا أظنني سأحتاج شيئا بعد الآن.."
    وطأطأت رأسي بأسى... فبعد وليد... لا شيء يستحق الاهتمام...
    لما أحس سامر المرارة في نبرة صوتي حدثني بلطف بالغ وقال:
    "تشجعي يا رغد... توفيت والدة زوجته قبل أيام... هذا سبب أكبر من كاف لتبدل أوضاعه.."
    لا تحاول مواساتي يا سامر... ما بي أبلغ من حدة المواساة...
    "سأفعل... ما يطلبه مني... بلغه هذا... سألتزم بكل ما يريد... فقط... ليصفح عني..."
    هل... هل تحبينه... إلى هذا الحد؟؟"
    داهمني سامر بسؤاله... أومأت برأسي... نظرت إلى الفراغ... في إجابة أبلغ من الكلام...

    *********************************

    حدثت مجموعة من أعمال الشغب في المدينة واضطرب الأمن فيها.
    وهي منذ شهدت مأساة القصف في عيد الحج الماضي لم تزل عرضة لحوادث صغيرة متفرقة تفقد أهاليها الأمان للعيش فيها.
    الكثير من سكانها هجروها واتخذت جماعات من المتمردين المنازل المهجورة بؤرا لإدارة عمليات الشغب. ومؤخرا حظر التجول في الشوارع بعد منتصف الليل وتكثف دوريات الشرطة وتضاعف عدد نقاط التفتيش والمراقبة...
    كنت قد مررت أثناء سفري بإحدى مدن المنطقة... ورأيت حالة التخريب الفظيعة التي ألمت بها مؤخرا بعد أعمال شغب مصحوبة بهجوم عدائي تعرضت لها... وأوضاع البلد بشكل عام آخذة في التدهور السريع...
    والآن.. أنا جالس في غرفة المعيشة في المنزل الريفي في المزرعة أتابع الأخبار على التلفاز وأشاهد مناظر بشعة لجثث قتلى من المتمردين الذين تمت مداهمتهم وإبادتهم..
    ولقطات أخرى لمجموعة من أعضاء منظمة سرية نفذت عملية اغتيال لأحد كبار المسئولين, وتم الكشف عن بعض أعضائها وهاهم يقادون بإذلال إلى مأواهم الأخير... السجن..
    مناظر تثير الرهبة في قلبي.. خصوصا بعد تجربتي المريرة خلف القضبان.. لا زال جسدي يقشعر منها وقلبي يضطرب... ومعدتي تشتعل نارا على ذكراها..
    شربت آخر رشفة من الحليب البارد الذي أدمنت على شربه في الأونة الأخيرة كلما اشتد ألم معدتي.. وابتلعت معها القرص المخفف للحموضة الذي صار عنصرا رئيسيا من عناصر وجباتي اليومية.. وتنفست باسترخاء..
    خضت مؤخرا لعلاج جديد لقرحة معدتي ولكنه لم ينجح... وأوجاعها تراودني من حين لآخر وتقض مضجعي..
    فيما أنا مغمض عيني باسترخاء.. سمعت صوتا يقترب من الباب... ففتحت عيني والتفت إلى مصدره فإذا بي أرى أروى تدخل الغرفة...
    أنا وهي لم نجتمع اجتماعا خاصا ولم نتحدث إلا أحاديث عادية خلال الأيام الماضية... التي تلت رحيل الخالة ليندا رحمها الله.
    وأجواء الكآبة كانت تسيطر بشكل مريع على المزرعة وعلى المنزل وقد غابت سيدته بلا عودة ترجى...
    وكان لقائي السابق معها قبل السفر هو أبشع اللقاءات وأفضعها...قالت أروى:
    "ماذا تشاهد؟"
    فقلت:
    "نشرة الأخبار.."
    واسترسلت:
    "الوضع يزداد اضطرابا في المدينة الصناعية".
    وجلست أروى على أحد المقاعد المجاورة تتابع الأنباء معي...
    خيم السكون علينا وأصغينا إلى النشرة باهتمام.. على الأقل بالنسبة لي... وبعد انتهائها.. تركت التلفاز مشغلا وقمت بقصد الخروج..
    عندما اقتربت من الباب اختفى صوت التلفاز فألقيت نظرة للوراء ورأيت أروى وقد أوقفته ثم سارت باتجاهي..
    "وليد".
    نادتني فاستدرت إليها كليا.. شعرت بأنها ترغب في التحدث معي وبدا أن قواها تخونها..
    الحديث عن أي شيء لن يكون لائقا الآن وقبر الخالة رحمها الله لم يبرد بعد. صمِتُ منتظرا ما ستقوله.. ولما طال ترددها قلت:
    "خيرا إن شاء الله؟"
    وإذا بالدموع تقفز من عينيها فتنكس رأسها وتخفيه خلف يدها..
    شعرت بالأسى عليها ومددت يدي وربت على كتفها بحنان.. وما كان منها إلا أن أسندت رأسها إلى صدري وبكت بحرقة..
    قلت مواسيا:
    "تشجعي يا أروى.. كلنا للموت والبقاء لله الواحد الأحد".
    فقالت بانهيار:
    "لا أتخيل حياتي بدونها.. إنني السبب في موتها.. أنا السبب".
    وكانت الخالة قد توفيت بعد عملية جراحية أجريت لها في القلب إثر تعرضها لنوبة جديدة.
    فقلت:
    "كيف تقولين ذلك؟"
    فقالت:
    "نعم.. فهي مرضت بعد أن.. أخبرتها عن قرار انفصالنا.. لو لم أخبرها بذلك.. ماتت".
    عضضت على أسناني متأثرا بهذا الكلام.. ثم قلت:
    "الموت بيد الله وحده.. ولكل أجله المقدر.. لندعو لها الرحمة والمغفرة".
    قالت أروى:
    "رحمك الله يا أمي.. كنت نعم الأمهات وخير النساء.. عشت حياة مريرة وحيدة بعد سجن أبي.. ورحيله.. شقيت في هذه الدنيا وعملت دون راحة أعمالا منهكة يعجز عنها الرجال.. وحين ابتسمت لنا الدنيا.. حين تحسنت أوضاعنا.. آه يا أمي.. أبعدتك الأقدار قبل أن تهنئي.. ما كان أسرع رحيلك يا أماه.."
    نحيبها الشجي هيج في ذاكرتي ذكرى والدتي رحمها الله.. إنه ما من مصاب أفجع على قلب البشر من فقد الأحبة..
    على الأقل.. أنتِ عشت مع والدتك ولازمتها منذ ولادتك وحتى آخر لحظة في حياتها..
    أما أنا.. فقد حرمت من والديّ الحبيبين ثمان سنين وأنا محبوس في أبشع مكان رأيته على الإطلاق.. وهما حيّان يرزقان.. وما إن خرجت إليهما.. حتى داهمهما الموت وأخذهما معا.. وبأشنع طريقة..
    لا حول ولا قوة إلا بالله..
    وفيما نحن هكذا أقبل العم إلياس.. ألقى علينا نظرة ثم قال مخاطبا إيّاي:
    "حضر الضيوف يا بني".
    فقلت:
    "حسنا.. أنا قادم".
    وهم مجموعة من تجار الفواكه كنت سأعقد معهم اتفاق عمل.
    انصرف العم إلياس.. فالتفت إلى أروى وقلت:
    "يريدون شراء محصول العنب والليمون بالكامل.. سنتخلص من عناء بيعه في الأسواق وقد عرضوا سعرا جيدا.. ما رأيك؟"
    نظرت أروى إلي نظرة لا مبالاة ثم قالت:
    "افعلوا ما تشاءون".
    قلت:
    "سنكتب وثيقة رسمية وسنحتاج لتوقيعك بصفتك مالكة المزرعة.. سأجلب لك العقد لمراجعته وتوقيعه".
    قالت:
    "أرجوك.. أعفني من هذه الأمور فأنا لست في وضع يسمح بالتفكير في أي شيء".
    وأنا أعلم بهذا ولكن..
    "لكن.. العمل يجب أن يستمر.. إن أهملنا المحصول فسنخسره".
    قالت:
    "افعلوا ما ترونه مناسبا".
    وكان هناك في خاطري شيء أود ذكره وأعاق الظرف الحالي لساني.. لكنني هذه اللحظة وجدتها فرصة ملائمة قليلا فقلت:
    "و... كذلك بالنسبة للمصنع.. هناك أمور معلقة في انتظاري.."
    نظرت أروى إلي نظرة جادة.. فقلت متابعا:
    "علي العودة إلى العمل عاجلا.. لا يجب ترك المصنع أطول من هذه المدة".
    فقالت وهي تضغط على صدغيها بيدها اليسرى:
    "افعل ما تريد.. أنا باقية مع ذكرى أمي ورائحتها العابقة في جو المنزل.."
    عنجما نقلت نبأ وفاة نديم رحمه الله إلى عائلته في العام الماضي.. أتذكر أن أروى أبدت صمودا غريبا في وجه الخبر المفجع.. أما الآن.. فهي منهارة لوفاة والدتها..
    لطالما كنت أظنها أكثر صلابة في مواجهة المصائب.. وأرى فيها قوة وقدرة كبيرة على التحمل.. ووضعها هذا جعلني أرجىء إلى أجل غير مسمى موضوعنا السابق.. بشأن مستقبل علاقتنا معا..
    فلأترك عني هم أروى... وهم رغد... وأتفرغ لهم العمل فهو أرأف بي منهما...
    وبعد لقائي بتجار الفواكه وفيما كنت واقفا في المزرعة أرتب الوثائق فوجئت بضيف غير متوقع يدخل المزرعة!
    لقد كان حسام...
    حياني فنظرت إلى ما حوله, لأستوثق من عدم حضور رغد برفقته... لكنه كان منفردا... فرددت التحية وكلي حيرة من سبب حضوره... ثم قدته إلى المقاعد المجاورة وجلسنا متواجهين... تفصلنا طاولة صغيرة... فأمكنه قراءة تساؤلاتي مباشرة...
    قال موضحا:
    "أعرف أنك لم تتوقع زيارتي.. لكنني أود التحدث معك في أمر مهم وإن لم يكن الظرف الحالي مناسبا".
    أقلقني كلامه فسألت باهتمام:
    "ماذا هناك؟؟"
    فتأتأ قليلا... ثم أجاب:
    "إنه.. ليس موضوعا جديدا.. ولكن... أود تذكيرك به وتعجيل تنفيذه".
    وبسرعة تفتح في رأسي موضوع أظن أنه يقصده...
    قلت:
    "هات من الوسط ولا داع للمقدمات.. أي موضوع تعني".
    اضطرب حسام وتغير لونه.. ثم قال:
    "مو... موضوعي أنا ورغد".
    تمالكت نفسي لئلا أنفجر فجأة في وجه الضيف في هذه اللحظة وهذا المكان..
    ثم قلت متظاهرا عدم الفهم:
    "موضوعك أنت ورغد؟؟"
    نظر إلي حسام وقال وهو يزدرد ريقه:
    "أعني موضوع.. زواجنا".
    احتقنت الدماء في وجهي وتورمت عيناي غضبا.. وبالتأكيد لاحظ حسام ذلك لأن بعض الخوف اعترى تقاسيم وجهه..
    قلت وأنا أضغطط على نفسي كي لا أثور بركانا:
    "أي زواج؟؟"
    تردد ثم قال:
    "هل نسيت؟؟ لقد.. سبق وأن عرضنا الأمر عليك.. أنت تعرف أنني.. أنني أرغب في الزواج من رغد".
    لم أستطع تمالك نفسي أكثر.. هببت واقفا باندفاع كان من القوة بحيث جعل الكرسي ينقلب من خلفي ويرتطم بالأرض..
    وقف حسام بدوره واجلا..
    قلت:
    "هل فقدت صوابك؟ ألا ترى في أي ظرف نحن؟؟"
    قال حسام معتذرا ومدافعا:
    "لا أقصد هذا أبدا.. لسنا نريد ارتباطا شكليا علنيا.. كل ما نريده هو عقد قران شرعي حتى.."
    صرخت غاضبا مقاطعا:
    "حتى ماذا؟؟"
    ألجم لسان حسام فكررت بعصبية:
    "حتى ماذا... أكمل؟؟"
    قال باضطراب:
    "حتى نستقر.. أنا ورغد.. بما أنها تقيم عندنا وبما أنها موافقة على الزواج مني.."
    ضربت على الطاولة بعصبية وقلت:
    "ومن قال أنها موافقة على هذا؟؟"
    أجاب:
    "هي.. أعربت عن قبولها واستعدادها منذ زمن".
    نفثت ما في صدري من نيران ملتهبة... وضربت الطاولة مجددا بقوة أكبر وقلت:
    "ومن قال لك... إن الأمر متوقف على قبولها هي؟؟"
    قال حسام متراجعا:
    "بالطبع أعني بعد موافقتك أنت...فأنت ولي أمرها".
    فقلت بغضب:
    "نعم.. أنا ولي أمرها.. وأنا لا أوافق على هذا".
    صمت حسام برهة وسأل بعدها:
    "لماذا؟؟"
    فزمجرت:
    "لا تسأل لماذا... أنا الوصي وأفعل ما أريد".
    تغيرت سحنة حسام من الرجاء إلى النقمة وقال مهاجما:
    "لكن.. هذا لا يعطيك الحق في التحكم برغد... ما دامت موافقة".
    استفزتني الجملة فصرخت منذرا:
    "حسام!!"
    وحسام أطلق العنان لثورته وقال:
    "أي نوع من الأوصياء أنت؟؟ ولماذا هذا العناد؟"
    صرخت مجددا:
    "حسام... يكفي.."
    لكنه تابع بعصبيته:
    "أخبرني ماهي حججك؟ إذا كان بشأن الدراسة فنحن لن نتزوج الآن وإنما بعد التخرج ولكنني أريد أن أرتبط بها رسميا وأريح مشاعري وقلبي".
    انفجرت... ثرت... انقضضت على كتفيه فجأة وصرخت بقسوة:
    "أي مشاعر وأي قلب أيها الــــــ.."
    حسام حاول إبعاد يدي عنه وهو يقول:
    "إنني أحبها ولن أسمح لك بالوقوف في طريقي".
    وبانفلات تام.. سددت لكمة إلى وجهه ثم دفعت به بعيدا... وأنا أصرخ:
    "أرني ماذا ستفعل لإزاحتي أيها العاشق المعتوه".
    كانت ضربتي موجعة جدا... أمسك حسام بفكه متألما وترنح قليلا... ثم صرخ:
    "متوحش وستظل متوحش... يا خريج السجون".
    وأوشكت أن أنفلت أكثر وأنقض عليه وأوسعه ضربا... غير أن العم إلياس ظهر فجأة ورأى الاضطراب الحاصل بيننا فتساءل:
    "ما الأمر؟؟"
    حسام سار إلى الخلف مبتعدا وهو يقول:
    "لا ترحم ولا تدع الرحمة تهبط من السماء؟؟... لكنني لن أسمح لك بالتحكم بهذا وإن لزم الأمر سألجأ للقضاء وأخلصها من سطوتك نهائيا... أسمعت؟"
    صرخت مهددا:
    "أغرب عن وجهي هذه الساعة قبل أن تندم... انصرف فورا..."
    قال:
    "سأذهب.. لكن سترى ما سأفعل.. سنتزوج رغما عن أنفك وقبضتك وجبروتك.."
    هممت بالانقضاض به فأقبل العم إلياس وحال دون إمساكي به..
    واحتراما للرجل العجوز وللمكان الذي نحن فيه.. تركته يفلت من قبضتي لكنني هددته:
    "ابتعد عنها نهائيا... نهائيا... ماذا وإلا.. فأقسم برب السماء.. أنني سأمحيك من على هذا الكوكب... وقبل أن تصل إلى ما تصبو إليه نفسك.. سيتعين عليك أن تدوس على قبري أولا.. ما من قوة في الأرض ستجبرني على تحقيق هدفك... مطلقا... أيها المراهق الأبله".
    وبعد أن غادر حسام سأني العم عما حصل فاعتذرت عن الإجابة وخرجت من المزرعة غاضبا أبحث عن شيء أنفث فيه غضبي بعيدا عن الأنظار...

    **********************************




    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:08

    تتمـــــــــــــــــــــه


    "ماذا تقولين!!"
    ارتسمت الدهشة على وجهي حين
    أخبرتني نهلة بأن حسام ذهب شخصيا إلى وليد عصرا وفتح موضوع زواجنا أمامه.. وأن وليد رفض الموضوع ولكم حسام بعنف على وجهه..
    قالت:
    "هذا ما أخبرني به.. وهناك كدمة مريعة على وجهه وتورم فظيع!"
    قلت:
    "يا إلهي! ما الذي دفعه إلى هذا الجنون؟ يذهب إليه بنفسه وبمفرده وفي هذه الفترة؟؟ هل فقد صوابه؟؟"
    قالت نهلة:
    "يحبك يا رغد ولا يطيق صبرا.. وأراد أغتنام فرصة تواجد ابن عمك في المنطقة... ولو لم يكن سامر خطيبك السابق لكان طلب الأمر منه... والآن وصيك الرسمي يهدده بألا يعود لطرح الأمر ثانية وإلا محاه من الوجود... تهديد صريح بالقتل وأمام أحد الشهود".
    قلت حانقة ومهاجمة:
    "ماذا تعنين؟؟"
    فقالت نهلة:
    "أنت أدرى".
    فازداد غضبي وخاطبتها بحدة:
    "لا أسمح لك... ابن عمي ليس سفاحا... وإذا كان قد ارتكب جريمة في السابق فإنه..."
    وانتبهت لكلامي وأخرست فمي...
    فقالت نهلة متحدية:
    "فإنه ماذا؟؟"
    ولم أجرؤ على الإجابة... فنظرت إلي نهلة بجدية وقالت:
    "فإنه قد يفعلها ثانية".
    زمجرت:
    "توقفي... أنت لا تعرفين شيئا... كلكم ظالمون.... اتركوا وليد وشأنه وإياكم وإهانته ثانية... لأنتم تهينونني أنا وتجرحونني أنا... ألا تحسون بذلك؟؟"
    وتراجعت نهلة عن موقفها لما رأت عصبيتي.... وقالت:
    "حسنا يا رغد... ولكن اهدئي".
    فواصلت:
    "كيف أهدأ وأنتم كلما جيء بذكر وليد نعتموه بألفاظ قاسية؟ رأفة به وبي... هذا كثير... كثير..."
    وفيما أنا في غمرة انفعالي طرق الباب ودخلت سارة تقول مخاطبة إياي:
    "ابن عمك هنا ويريدك".
    قفزت واقفة وقفز قلبي معي... ودارت بي الأفكار وأرسلتني إلى البعيد... فقلت بهلع:
    "وليد؟؟"
    فردت سارة وهي تحرك رأسها حركة طفولية:
    "لا! بل سامر".
    وسرعان ما أصبت بخيبة أمل... إلى أين ذهبت أفكارك يا رغد؟؟ يا لك من مسكينة واهمة! طبعا سيكون سامر... ألا زلت تعتقدين بأن وليد سيعود إليك ذات يوم...؟؟
    كان الوقت ليلا... وليس من عادة سامر زيارتي في الليل ودون سابق موعد... إلا لأمور طارئة أة ضرورية...
    ارتديت حجابي وعباءتي وذهبت لملاقاته في غرفة المجلس كالعادة... وهناك من أول نظرة ألقيتها عليه لاحظت أن هناك ما يقلقه... وعرفت أن للزيارة سبب قاهرا...
    بعد التحية والسؤال عن الأحوال... سألته:
    "ماذا هناك؟؟"
    وفاجأني عندما قال:
    "وليد يريد أن ترافقيني الآن إلى الشقة.. إنه هناك وينتظرنا.."
    هل سمعتم؟؟ يقول... إن وليد يريد مقابلتي... هل هذا ما قاله؟؟ هل هذا ما يفهم من كلامه؟؟
    تسمرت في مكاني مأخوذة بالمفاجأة ونظرت من حولي أتأكد من أنني لا أتخيل!
    وليد يريد مقابلتي... أخيرا؟؟
    قطع علي حبل شرودي صوت سامر وهو يقول بنبرة قلقة:
    "لا يبدو بمزاج جيد... لا أعرف ما الطارىء الذي يشغل باله لكنه طلب أن آخذك إلى الشقة في هذا الوقت..."
    عرفت... لقد فهمت... موضوع حسام... لا محالة...
    لم أحرك ساكنا... من شدة القلق... إلى أن قال سامر يحثني على الاستعجال:
    "هيا يا رغد فالوقت ليس من صالحنا..."
    وصلنا إلى الشقة أخيرا... ومع وصولنا وصلت ضربات قلبي إلى أقصى سرعة...
    وبدأت أحس بالنبضات في شرايين عنقي... وفيما سامر يستخرج مفتاح الشقة عند الباب حدثني بصوت خافت قائلا:
    "أنبهك يا رغد... يبدو أن شياطين رأسه تسيطر عليه.."
    أرعبتني جملته فبلعت ريقي وقلت:
    "هل.. هو غاضب جدا؟؟"
    فأجاب وهو يخفض صوته:
    "يشتعل بركانا.. حاولت أن أعرف ما القصة فلم يخبرني ورفضت إحضارك فهددني بأنه إن ذهب بنفسه إلى منزل خالتك فسوف يحرقه بمن فيه.. لا أستبعد هذا... فوجهه ينذر بالشر..."
    وضعت يدي اليسرى على عنقي فزعا... ورددت رأسي إلى الوراء... فقال سامر محاولا بعد كل هذا طمأنتي:
    "سأكون معك.."
    وفتح الباب... لملمت شظايا قوتي وذكرت اسم الله... ودخلت الشقة...
    في الداخل وقعت عيناي مباشرة على العينين الملتهبتين.. القادحتين بالشرر... اللتين لم أحظ برؤيتهما منذ أيام... ولم أحظ برعايتهما... منذ أسابيع...
    كان وجهه كتلة من الحمم البركانية المتوهجة... عابس التعبيرات... قاطب الحاجبين وأحمر العينين... تلك الحمرة التي تكسو وجه وليد وعينيه عندما يشتط غضبا... وكان يتنفس عبر فمه... وتكاد ألهبة من النار المتأججة تخرج مع زفيره... وكان يقف وسط الشقة وعلى أهبة الهجوم...
    يا لطيف...!
    أردت أن أبدأ بالتحية... غير أنه لم يكن لها مجال هنا... مع وجه مرعب يقدح شررا... وعندما أغلق سامر الباب خلفه تكلم وليد فجأة:
    "من فضلك يا سامر ابق في الخارج قليلا".
    تبادلت النظر مع سامر.. الذي رأى اضطرابي وقرأ توسلاتي.. فقال:
    "هل الموضوع سري لهذا الحد؟؟"
    فقال وليد بصبر نافذ:
    "رجاء ابق في الخارج إلى أن أستدعيك.."
    فنظر إلي سامر مجددا ثم قال:
    "يمكنني دخول غرفة النوم".
    فزمجر وليد بحدة:
    "قلت في الخارج... لو سمحت".
    فلم يتحرك سامر بل أصر:
    "سأدخل إلى الغرفة يا وليد".
    هنا هتف وليد بغضب:
    "سامر... رجاءً أخرج الآن ولا تضيع الوقت..."
    قال سامر:
    "يبدو عليك الغضب الشديد يا وليد.. لماذا لا تسترخي قليلا ثم تتحاوران؟؟"
    صرخ وليد:
    "أنا لست غاضبا..."
    واضح جدا! ماذا تريد أكثر من هذا!!؟؟
    قال سامر:
    "لكن يا أخي..."
    فقاطعه وليد بفظاظة:
    "انصرف يا سامر أرجوك ولا تغضبني بالفعل.."
    ولم يملك سامر من الأمر شيئا... فنظر إلي نظرة عطف وإشفاق... ثم فتح باب الشقة... وقال محذرا:
    "إياك أن تقسو عليها... أحذرك..."
    وألقى علي نظرة أخيرة وخرج...
    بقينا أنا والمذنب المتوهج وليد بمفردنا في الشقة...هو ينفث الأنفاس الغاضبة الحارقة.. وأنا أرتجف هلعا...
    وبعد أن التهم عدة أنفاس... قال أخيرا:
    "اجلسي يا رغد".
    رفعت بصري إليه ولم أتحرك... كنت مضطربة وقلبي تركض نبضاته بسرعة...
    ولا أقوى على السير من فرط توتري... ولما رآني متصلبة في مكاني قال بصوت حاد:
    "اجلسي يا رغد هيا".
    فزعت وارتددت للوراء... وحين لاحظ ذلك قال:
    "ما بك تنظرين إلي بهذا الذعر؟؟ هل أبدو كالغول المفترس؟؟ أم هل تظنين أنني سألكمك أنت أيضا؟"
    خفت.. وأومأت رأسي بـــ (لا).. فأشار إلى المقعد.. فسرت مذعنة... أعرج في خطواتي... إلى أن جلست على طرف المقعد... ووضعت حقيبتي إلى جانبي...
    وليد كان مرعبا لحد كبير.. وكنت أسمع صوت الهواء يصطدم بفمه كالإعصار.. وكلما أطلق نفسا قويا جذب نفسا أقوى.. حتى أوشك الهواء على النفاذ من الشقة...
    فجأة اقترب خطوة مني فأرجعت ظهري إلى الوراء تلقائيا.. خشية أن تحرقني أنفاسه أو تلسعني نظراته.. توقف وليد على بعد خطوتين مني ثم قال:
    "أظنك تعرفين لم أنت هنا".
    رفعت رأسي وأومأت بـــ(لا).. فهتف بسرعة:
    "بل تعرفين".
    أفزعني صوته.. فغيرت موقفي وأومأت بــــ(نعم).. وأنا متوقعة أن يكون الموضوع هو موضوع حسام...
    قال:
    "تعرفين أن ابن خالتك العزيزة... قد أتى إلي خصيصا هذا اليوم ليطلب موافقتي على خطبتكما".
    تصاعدت دفعة من الدماء إلى وجهي... وهويت بأنظاري نحو الأرض حرجا.. ولم أقل شيئا.. فتابع هو:
    "أتى بمفرده وبكل شجاعة... بل بكل وقاحة.. بعد الإهانات الفظيعة التي رموني بها في منزلهم.. وبدون اعتبار للظروف التي نمر بها في المزرعة... بلا احترام لي ولا لعائلتي... أتى إلي مطالبا بتحويل مشروع زواجكما المزعوم إلى واقع... بكل بساطة".
    وأيضا لم أقل شيئا... بل لم أجرؤ حتى على التنفس...
    قال:
    "وحجته.. أنكما متفقان.. ومستعدان للارتباط.. ومنذ زمن.. وأنه يريد أن يريح مشاعره وقلبه!".
    فطأطأت برأسي نحو الأسفل أكثر... أكاد أكسر عنقي من حدة الطأطأة... وأفجر عروق وجهي من غزارة الدماء المتدفقة فيها...
    فتابع وليد:
    "وربما مشاعرك وقلبك أنت أيضا".
    ذهلت, ورفعت بصري إليه بطرفة عين, ثم غضضته من جديد في حرج شديد...
    ولم أرفعه ثانية إلى أن سمعت صوت اصطفاق كفي وليد ببعضهما البعض.. نظرت إليه فشاهدت حشدا من ألسنة النار تغادر عينيه مقبلة إلي...
    قال:
    "ماهو رأيك؟"
    ولم أتكلم فردد السؤال بغلظة:
    "ما هو رأيك؟ أجيبيني؟؟"
    فأطلقت لساني بتلعثم:
    "في ماذا؟"
    فقال بعصبية:
    "في هذا الأمر قطعا".
    فلم أجبه لكنني حملقت فيه... فاقترب مني أكثر وسأل بعصبية وجفاف بالغين:
    "لا تحملقي بي هكذا بل أخبريني ما هو رأيك الآن يا رغد؟؟ تكلمي".
    فقلت مفزوعة من صوته:
    "لا أعرف".
    فقال:
    "لا تعرفين؟؟ كيف لا تعرفين؟؟ أخبريني ماهو رأيك الصريح؟"
    أجبت في خوف:
    "كما ترى أنت".
    قطب حاجبيه أقصاهما وقال:
    "كما أرى أنا؟؟"
    فكررت:
    "كما تريد أنت... أنت ولي أمري وما تطلبه سأنفذه".
    وليد فجأة ضرب مسند المقعد المجاور ورأيت سحابة من الغبار تطير مفزوعة منه...
    ثم قال:
    "قولي يا رغد.. ما هو رأيك أنت؟؟ وهل اتفقت معه على أن يأتي لتقديم عرضه في المزرعة؟"
    فرددت نافية:
    "لا.. كلا لم أتفق معه.. لقد أتاك من تلقاء نفسه.. لم أعرف إلا من نهلة قبل حضوري إلى هنا مباشرة".
    ونظر إلي بتشكك فأكدت:
    "لم أتفق معه على أي شيء صدقني".
    فسأل:
    "ولا على الزواج؟"
    فصمت.. وكرر هو سؤاله بحدة:
    "ولا على الزواج يا رغد؟؟ هل سبق وأن اتفقتما على ذلك؟؟ أجيبي..؟؟"
    في الواقع.. كان هذا ما حصل قبل شهور.. قبل انتقالي للعيش في المنزل الكبير.. والتحاقي بالجامعة...
    قلت معترفة:
    "أجل"
    وما كدت أنطق بالكلمة إلا ويدا وليد تطبقان فجأة على كتفي وتهزاني.. وإذا به يصرخ في وجهي:
    "كيف تجرئين على فعل ذلك؟؟ من سمح لك باتخاذ قرار في موضوع كبير كهذا دون إذني أنا؟؟ كيف تتفقين معه على الزواج دون علمي؟"
    فقلت مدافعة ومفزوعة في آن واحد:
    "أنت تعلم بذلك.. لقد عرضت عليك خالتي الموضوع من قبل.. تعرف كل شيء".
    فقال وهو يهزني:
    "وأنتتعرفين أنني رفضت الموضوع مسبقا.. وحذرتك من إعادة طرحه أو التفكير به مجددا.. ألن أحذرك يا رغد؟؟ ألم أحذرك؟؟"
    أجبت:
    "بلى.. لكن..."
    فهتف:
    "لكن ماذا؟؟ أكملي".
    ابتلعت ريقي وأرغمني الخوف من صوته على النطق فقلت:
    "لكنك.. أنت لم ترفض الموضوع بل رفضت توقيته.. وحسام... حسام هو الذي أعاد فتحه الآن.. هو من رغب في تعجيله".
    صرخ وليد:
    "وأنت متفقة معه أليس كذلك؟؟"
    قلت مدافعة:
    "ليس كذلك.. قلت لك إنني لم أعلم عن زيارته لك إلا من نهلة قبل حضوري".
    فضغط وليد على كتفي وقال:
    "لكنك موافقة ألست كذلك؟؟"
    وشعرت بالألم من قوة قبضته.. والفزع من نظراته المهددة...
    قلت:
    "سأفعل ما تطلبه مني أنت".
    فزاد ضغطه على كتفي وهتف:
    "موافقة على ذلك؟ أجيبيني؟؟ أترغبين بالزواج من ابن خالتك المخبول هذا؟؟ أجيبيني؟؟"
    أطلقت صيحة ألم وقلت والدموع تقفز من عيني فجأة:
    "آه.. أنت تؤلمني.."
    وليد دفع بكتفي نحو المسند فجأة وابتعد سائرا نحو الباب..
    أنا أخفيت وجهي خلف يدي المصابة وأخذت أذرف شحنة الدموع المخزنة في عيني.. وتأوهت من قسوة وليد.. قسوة لم أعهدها ولم أكن أنتظرها منه.. بعد كل ذلك العطف والحنان اللذين غمرني بهما طوال سنين... وبعد كل الفراق والجفاء والمقاطعة التي فرضها علي منذ أسابيع...
    عندما أفرغت كل دموعي أزحت يدي عن عيني... وشاهدته يدور حول نفسه تارة ويسير يمينا وشمالا تارة أخرى... وهالة من اللهيب الأحمر تحيط به...
    وحين رآني أنظر إليه صرخ فجأة:
    "ألم أحذرك من مغبة فتح هذا الموضوع يا رغد؟؟ ألم أفعل؟؟"
    ولم يمنحني فرصة للرد بل تابع مزلزلا:
    "لكنكم تستخفون بي.. وترونني مجرما حقيرا خريج سجون... لست أهلا لتولي الوصاية على فتاة يتيمة.. ولا أؤتمن عليها..."
    أردت أن أنطق (كلا) لكن وليد لم يعطني المجال وواصل:
    "سأريكم.. ما الذي يستطيع المجرمون فعله.. سترون أن كلمتي أنا.. هي النافذة.. وأنه ما من قوة في الأرض سترغمني على الموافقة على هذا الزواج مهما كانت.."
    واقترب مني مجددا... ورمقني بنظرات التهديد الشديدة.. وقال:
    "ستحققين أمنيتك بالزواج منه فقط بعدما أموت يا رغد.. هل تفهمين؟؟"
    وعندما لم ير مني أي ردة فعل تصور أنني لم أفهمه أو لم أعر كلامه اهتماما...
    فأطبق على كتفي كالصقر المنقض على فريسته... بمنتهى الخشونة وراح يصرخ:
    "أكلمك يا رغد... أصغي إلي جيدا.. واحفظي كلامي بالحرف الواحد... أنا المسئول عنك هنا.. وأنا من يقرر كل شيء يتعلق بك... صغيرا كان أم كبيرا... شئت أم أبيت... تركك أبي تحت عهدتي أنا.. وليس تحت عهدة خالتك وعائلتها.. وإن أبقيتك هناك كل هذا الوقت فهذا لأنني أنا أريد إبقائك.. وليس لتتصرفي كما يحلو لك.. أنت وابن خالتك المراهق الأبله... ومتى ما شئت أنا...سآتي وآخذك.. وخالتك.. وزوجها.. وأبناؤها.. كلهم لا يملكون الحق في تسير أمورك.. وحسام بالذات.. وبالذات حسام.. واسمعيني جيدا.. هذا الفتى بالذات.. سيكون آخر آخر آخر شخص على وجه الأرض.. سأسمح له بالاقتراب منك.. ولن يكون ذلك إلا بعد موتي.. أفهمت ذلك يا رغد؟؟ أفهمت ذلك؟؟"
    كل هذا الصواريخ في وجهي.. والضغط العنيف على كتفي.. والأعاصير النارية المنطلقة من عينيك وتريد مني ألا أفهم؟
    صحت بخوف وأنا أحاول استعطافه والنجاة من بطش يديه:
    "نعم... فهمت.."
    فضغط على كتفي بخشونة أشد وقال:
    "فهمت جيدا؟؟ أنا لن أعيد كلامي في المرة المقبلة إن تكرر الأمر.. ولن أكتفي بلكم وجهه.. بل سأهشم عظامه كلها.. وأطحن رأسه... أوعيت هذا؟؟"
    قلت:
    "فهممت.. فهمت.. أرجوك... يكفي".
    وواصل عصر كتفي بقبضتيه وهو يجبرني على النظر في عينيه ويخترقني بنظرته الثاقبة النهددة ويقول:
    "لا تضطريني لتصرف لا تحمد عقباه يا رغد... أحذرك... أحذرك... ما أنا فيه يكفيني... التزمي بكلامي وإلا.."
    أطلقت إجابتي مع زفرة ألم:
    "حاضر... فهمت... سأفعل ما تأمرني به... هذا موجع... أرجوك أتركني..."
    وانخرطت في البكاء من الألم... فأطلق سراح كتفي وابتعد...
    جعلت أمسد كتفي الأيمن بيدي اليسرى لأخفف الألم... ولم أرفع رأسي مجددا... حل سكون مخيف بضع دقائق.. ثم سمعت صوت باب الشقة ينفتح فرفعت رأسي ونظرت إلى وليد فشاهدته يغادر...
    وقفت بسرعة وسألت:
    "إلى أين تذهب؟؟"
    لكنه أغلق الباب ولم يجبني... أسرعت أسير بعكازي إلى الباب وأردت فتحه فإذا بي أسمع صوت قفله يدار..
    ضربت الباب وهتفت بفزع:
    "وليد إلى أين تذهب؟ افتح الباب".
    فسمعته يقول من خلف الباب:
    "سأرسل إليك سامر".
    فقلت:
    "لا تتركني وحدي.. أرجوك افتح".
    ولكنه لم يفتح ولم أعد أسمع صوته...
    بقيت واقفة عند الباب في انتظار عودة وليد أو سامر.. ومرت بضع دقائق ولم يظهر أي منهما..
    انتابني الذعر.. وعدت إلى المقعد واستخرجت هاتفي من حقيبتي واتصلت بوليد فلم يجبني.. واتصلت بسامر فوجدت الخط مشغولا..
    انتظرت دقيقة ثم أعدت الاتصال بسامر فرد علي وأخبرني بأنه في صالون الحلاقة أسفل المبنى وسيصعد بعد عشر دقائق...
    "لكنني وحدي في الشقة... ذهب وليد وتركني أرجوك تعال الآن".
    قال سامر:
    "لم يذهب. أخبرته أن يبقى وينتظرني. سيأتيك الآن".
    وأنهيت المكالمة ونظرت نحو الباب في انتظار عودة وليد... ولكنه لم يعد. أخذ القلق والخوف يتفاقمان في صدري... وإن هي إلا دقائق حتى عاودت الاتصال بسامر وأخبرته بأن وليد لم يعد ورجوته أن يوافيني في الحال.
    فقال إنه قادم... وأقبلت نحو الباب في انتظاره... وعندما اقتربت نمه خيل إلي أنني سمعت صوتا من خلفه ففزعت... أصغيت بسكون... فتكرر الصوت وأجفل قلبي...
    "سامر؟؟"
    ناديت بحنجرة مخنوقة... ولم أسمع ردا... لكنني أحسست بحركة ما... وكأن أحدهم يقف خلف الباب مباشرة أو يستند إليه... سألت:
    "وليد؟"
    فسمعت صوته يرد:
    "نعم هنا".
    لقد كان وليد قلبي يقف خلف الباب... مستندا إليه...
    عندما سمعت صوته حلت الطمأنينة في قلبي... فألقيت بثقل جسمي على الباب... وخيل إلي... أنني أحسست بالحرارة تتخلله منبعثة من جسم وليد...
    يفصل بيني وبينه باب خشبي... وعشرات المشاكل ومئات الشحنات... والمشاعر المتضاربة والمواقف الملاطمة... والكلمات القاسية... والمعاملة الجافة... التي أثخن قلبي وجسدي بخدوشها قبل قليل...
    تلمست كتفي... فألفيت الألم قد انقشع... وتلمست الباب فوجدته دافئا وحنونا... وألصقت أذني به... فتوهمت أنني أسمع نبضات قلب وليد... تناديني...
    أفقت من أوهامي على صوت خشن زاجر... أصدره وليد...
    "أقول لك انتظرني ها هنا فتذهب إلى الحلاق؟؟"
    ثم أتى رد بصوت سامر:
    "لم أتوقع أن تنهيا الحوار بهذه السرعة كما وأنني لم أشأ الوقوف هكذا كالبواب".
    فقال وليد متضايقا:
    "قلت لك إنني لن أطيل الكلام وكما ترى فالوقت ليل ولا يزال أمامك مشوار إعادتها... تعرف أن التجول محظور آخر الليل هناك.."
    ثم سمعت صوت المفتاح يدخل في ثقبه فابتعدت بسرعة...
    كان سامر هو من فتح الباب فدخل ولم أر أحدا من خلفه... استدار للوراء ثم التفت إلي وأغلق الباب من بعده وسألني:
    "هل أنت بخير؟؟"
    أجبته:
    "نعم".
    فاقترب وهو يحملق في عيني ويرى أثر الدموع ثم سأل:
    "ماذا قال لك؟؟"
    فطأطأت برأسي ولم أجبه. فألح علي بالسؤال غير أنني اعتذرت عن الإجابة....
    قال:
    "إذن الموضوع سري بينكما؟"
    ألقيت نظرت سريعة عليه ثم نظرت إلى الأرض لأبعد عيني عن عينيه... خشية أن يكتشف شيئا...
    سأل برجاء:
    "ألن تخبريني؟"
    فلم أرد...
    كيف أخبرك وبم؟؟! سيضرب هذا على وترك الحساس المؤلم... أأقول إن حسام عرض على وليد الزواج مني...؟؟
    احترم سامر موقفي وقال متراجعا:
    "كما تشائين. إنما أردت المؤلزرة. فإذا ما أساء إليك أخي بأي شكل فأخبريني حتى أوقفه عند حده".
    فشددت على قبضتي ولم أتفوه بشيء...
    بعد ذلك... أعادني سامر إلى منزل خالتي... ولأن المسافة بين المدينتين التجارية والصناعية طويلة نسبيا, فقد وصلنا في ساعة متأخرة من الليل...
    أما وليد فكان قد اختفى فور ظهور سامر عند باب الشقة... ولا أعرف إن كان قد عاد إلى مزرعة الشقراء أم أنه بات في شقة أخيه تلك الليلة...
    وجدت خالتي ونهلة في انتظاري وعيونهما ملأى بالتساؤلات... أخبرتهما بأنه لا شيء يستحق القلق وذهبت إلى غرفتي فتبعتنب نهلة... والتي سهرت في انتظار عودتي على نار هادئة لتعرف ما حصل...
    "لا شيء".
    تعجبت من قولي وسألت:
    "لا شيء؟؟ كل هذا الوقت وتقولين لا شيء؟؟"
    أجبت:
    "تعرفين... الوقت ضاع في قطع المسافة من هنا إلى شقة سامر... ذهابا وإيابا".
    سألتني بصبر نافذ:
    "المهم ماذا حدث وفيم تكلمتما؟ وهل تصالح معك..؟؟"
    أجبت بإعياء:
    "أسكتي يا نهلة أنا متعبة ولا طاقة لي بالحديث".
    وألقيت بثقل جسمي على السرير... ومددت أطرافي... لكن نهلة لم تعتقني:
    "أرجوك يا رغد أخبريني بما حصل الفضول يخنقني؟؟"
    قلت أخيرا وأنا أنظر إلى السقف وأتنفس الصعداء باسترخاء بعد كل ذلك التوتر...:
    "تشاجر معي.. فجر صواريخ فتاكة في وجهي.. وهددني بأن.."
    قالت نهلة بلهفة:
    "بأن ماذا...؟ أكملي!؟"
    فوجهت بصري نحوها وقلت:
    "بأن يهشم عظام حسام إن عاود طرح موضوع الزواج ثانية..."
    حملقت بي نهلة بدهشة... ثم قالت مستنتجة:
    "هكذا إذن.."
    ثم أضافت:
    "تهديد صريح آخر..."
    حينها قلت بجدية وصراحة:
    "إنه ينوي شرا.. أخبري حسام بأن يبتعد عني وأن يلغي الفكرة نهائيا من رأسه لينجو بنفسه..."
    غضبت نهلة من كلامي الصريح الجارح.. وقالت وهي تستدير مغادرة:
    "أخبريه أنت بذلك.. أنا لن أجرح أخي بهذه القسوة.. أنت عديمة الإحساس".

    *************************

    رفض كل من أخي ورغد إطلاعي على موضوع الحوار الذي دار بينهما... لكني لم أسكت على الدموع التي رأيت آثارها في وجه رغد ليلتها...
    "حسنا... أنا لن أطلب منك إخباري بتفاصيل الموضوع وسأنسى أنني من جلبها وأعادها في قلب الليل وأن الحديث دار في شقتي أنا... لكنني لن أتغلضى عن جرحك لها وجعلها تبكي يا وليد".
    نفثت كلامي بانفعال أمام أخي, الجالس بصمت يشرب الماء البارد... ويبتلع قطع الجليد الصغيرة السابحة في الكأس.
    تجاهل أخي كلامي فغضبت وقلت:
    "أكلمك يا وليد ألا تسمع؟"
    نظر أخي إلي من خلال زجاج الكأس الشفاف الذي يحمله في يده وأجاب:
    "اسمع".
    فقلت:
    "إذن أخبرني.. لماذا جعلتها تبكي؟ لماذا تعاملها بخشونة؟"
    أجاب أخي:
    "ليس من شأنك يا سامر وأرجوك... أنا متعب كفاية... دعني أسترخي".
    فقلت مستنكرا:
    "ليس شأني؟؟ كيف تقول هذا؟ إنها ليست ابنة عمك وحدك..."
    وكأن الجملة أثارت أخي فقال بحدة:
    "الأمر لا يعنيك يا سامر فرجاء لا تتدخل".
    فقلت غاضبا:
    "بل يعنيني... أنا لا أتحمل رؤية رغد تبكي أو تتألم... ولا أسمح لك بأن تسبب لها هذا".
    وقف أخي فجأة... وألقى بالكأس بعنف نحو الأرض فتكسر...
    ثم صرخ غاضبا:
    "أما زلت تفكر بها؟؟...سامر ... أيها الأحمق... إنها لا تكترث بك".
    جفلت ولم أستطع التعقيب.
    اقترب أخي مني حتى صار أمام وجهي مباشرة وإذا به يسألني:
    "ألا زلت تحبها؟؟"
    ففارت الدماء في وجهي... لم أكن أتوقع منه هذا السؤال وهكذا مباشرة... أخي أمسك بذراعي بقوة وقال:
    "لقد رأيت ما تخفيه في خزانتك... يا لك من بائس... تخلص منها تماما... إنها لا تفكر بك.. ولن تعود إليك... لا تتعب نفسك... انسها نهائيا".
    وطعن كلام أخي على جرح قلبي مباشرة... فأبعدت يده عني فعاد وأمسك بي وأعاقني عن الحركة وقال:
    "أخرجها من رأسك نهائيا يا سامر... ولا تدافع عنها فهي خائنة وتستحق العقاب".
    عند هذا لم أتمالك نفسي ودفعت بأخي بقوة حتى ارتطم بالجدلر.
    وأوليته ظهري قاصدا الخروج من المكان غير أنه أمسك بي فجأة وجذبني في اتجاهه ولوى ذراعي...
    وهو يقول:
    "أجب على سؤالي أولا".
    حاولت الفكاك منه ولكنه كان يطبق علي ويعيق حركتي كلما أردت التملص.
    هتفت:
    "اتركني وليد".
    رفست بطنه بركبتي حتى أبعده عني. وبصراحة رفستي لم تكن قوية... لكن أخي أطلق صرخة ألم واندفع مبتعدا عني... وأمسك ببطنه وراح يتلوى. ثم إذا به يجثو على الأرض بالضبط فوق شظايا الكأس المكسور دون أن ينتبه لها... ويحني رأسه إلى الأرض ويتقيأ الماء الذي شربه قبل قليل... ممزوجا بالدم...
    هلعت لمنظر أخي... وأقبلت إليه قلقا ومددت يدي نحوه, غير أنه أبعدها بفظاظة وأخذ يتلوى... وأخيرا نهض وسار نحو الباب.
    "إلى أين؟؟"
    فالوقت كان قد تجاوز الواحدة ليلا... ويفترض به المبيت عندي... ووضعه لا يسمح بالمغادرة...
    تبعته وحاولت استيقافه إلا أنه صدني وغادر الشقة...
    وقبل غروب الشمس التالية اتصل بي وأخبرني بأنه في طريقه إلى المطار...
    مسافرا إلى الجنوب.
    سافر أخي إلى المدينة الساحلية... وغاب عنا بضعة أسابيع...
    جاء سفره مفاجئا ودون سابق تخطيط وتهيئة... وتوقعت أن أواجه موقفا صعبا مع رغد لدى إبلاغها عن هذا... فكتمت النبأ عمدا في البداية...
    وفي الآونة الأخيرة لاحظت أن رغد لحد ما قد هدأت... أعني أنها لم تعد تثور وتغضب بسرعة... بل بدت مستسلمة لما نقوله لها بدون جدال... صحيح أن حالتها هذه لم ترضني لكنها على الأقل أفضل من التهيج الشديد الذي سبقها, وكذلك أبدت تجاوبا جيدا مع برنامج العلاج في المستشفى وحضرت المواعيد التالية بلا اعتراض...
    والأهم...أنها توقفت عن الاتصال بهاتف وليد وعن السؤال عنه... اعتقدت أن مادرا بينهما تلك الليلة قد أراحها بشكل ما... وأن اعتقادها أن وليد في الجوار هدأ نفسيتها...
    وخشيت إن أنا كشفت لها حقيقة سفره الآن أن تتقلب بها الأحوال, فواصلت كتم النبأ إلى أن حل هذا اليوم... والذي قرر فيه الطبيب أخيرا نزع جبيرة يدها...
    بعد أن نزعت الجبيرة... وحركت رغد يدها... رأيت ابتسامة تشع على وجهها ولأول مرة مذ قدمت إلى المدينة الصناعية.. وبمجرد أن غادرنا عيادة الطبيب قالت لي:
    "سأتصل بوليد وأخبره بأنني أستطيع تحريك يدي كالسابق, لا بد وأنه سيفرح للخبر!"
    واستخرجت هاتفها واتصلت به ولم يرد, فحمدت الله في داخلي... لكنها سرعان ما فكرت بالاتصال بالمزرعة والسؤال عنه... حينها لم أجد مناصا من إطلاعها على الحقيقة...
    ساعتها تجهم وجه رغد واختفت تماما آثار الابتسامة التي عبرت على وجهها قبل قليل... أحسست بالندم على تسببي بقتل بهجتها القصيرة... ولكي أشجعها ادعيت أن وليد قد أعرب لي عن عزمه اصطحابنا معه في المرة المقبلة... ولم يكن هناك جدوى من ادعائي.
    ومضت الأيام والأسابيع وهي على حالها من الكآبة وفقدان الاهتمام بأي شيء.. حتى أنها نحلت أكثر مما هي نحيلة وانطوت على نفسها أكثر مما هي منطوية وما عدت أطيق رؤيتها بهذه الحال...
    الشيء الوحيد على الأقل.. الذي صرفت إليه بعض الاهتمام... كان الرسم, ولكي أشجعها على الانشغال به وطرح الأحزان جانبا جلبت لها عدة الرسم كاملة, ووعدتها كذلك بشراء حاسوب محمول مع ملحقاته وكتبه... عما قريب...
    أما وليد فكما فاجأني بسفره فاجأني بعودته ذلك اليوم...
    صدمت للوهلة الأولى عندما دخلت شقتي ورأيته جالسا يشاهد التلفاز... وقد كان وجهه شاحبا هزيلا ملتحيا, وقد خسر جسمه عدة أرطال.
    ولا لم يبد أنه قد حلق شعره أو ذقنه منذ لقائي الأخير به قبل أربع أسابيع...
    وقف ليحييني ويصافحني, فحييته وسألته:
    "ماذا حل بجسدك؟؟!"
    فابتسم ورد:
    "القرحة حرمتنا من الطعام..."
    فسألت:
    "هل تراجع طبيبا؟"
    فأجاب:
    "لا وقت لذلك, العمل مضغوطا جدا وبالكاد نتنفس".
    وتبادلنا حديثا قصيرا عرفت فيه أنه عائد من أجل شؤون عمل تتطلب توقيع زوجته شخصيا على بعض الوثائق الهامة...
    "ولكن.. ألست موكلا للتصرف بكل شيء... توكيلا شاملا ورسميا".
    فأجاب:
    "بلى, لكن هناك بعض الاستثناءات الضرورية".
    أطرقت برأسي برهة, وراودني سؤال طارىء لم يسبق لي أن طرحته على أخي:
    "متى ستتزوجان؟"
    ألقى علي أخي نظرة لا مبالاة, ثم أدار وجهه بعيدا عني... واستخرج من أحد جيوبه قرصا دوائيا ووضعه في فمه. ثم جذب نفسا عميقا ثم قال:
    "إنني أريد على الأقل.. أن تسير أمور المصنع كما يجب. أروى لا تفكر في حجم الخسائر التي ستلم بثروتها إن هي بقيت عالقة في الشمال وأملاكها مزروعة في الجنوب.
    لولا السيد أسامة المنذر بعد الله لفاتها الكثير.. ليس جميع موظفي المصنع والشركة بأمانة المنذر... يجب أن يبقي صاحب الأملاك عينه مفتوحة على ثرواته... يجب أن تعود إلى الجنوب".
    فهمت حرص أخي على أموال زوجته, وتفانيه في العمل لأجلها, وقلت:
    "البركة فيك يا أخي".
    فنظر إلي وأوشك أن يقول شيئا لكنه تراجع والتزم بالصمت.
    ثم عاد وقال:
    "أنا لا أريد العيش وحيدا هناك... أريد عائلتي من حولي... المنزل كبير وكئيب..."
    فانتهزت الفرصة وسألت:
    "ماذا عن عودتنا أنا ورغد؟"
    وكأن السؤال أوجعه أو صب خل الليمون الحامض على معدته فإذا بي أرى وجهه يتألم ويده ترتفع إلى موضع معدته وفمه يطلق آهة مريرة...
    قلت قلقا:
    "أأنت بخير؟"
    وما كان من وليد إلا أن وقف واستدار باتجاه الباب... قال أخيرا وهو ينصرف:
    "ليس بعد... دعهم ينزعون جبيرة رجلها أولا... أراك لاحقا".
    عندما وصل إلى الباب توقف واستدار إلي وقال:
    "لا تخبرها عن حضوري".

    *****************************



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:09


    تتمـــــــــــــــه

    ذات نهار... وفيما أنا حبيسة في غرفتي لا أفعل شيئا غير محاولة تذكر ملامح وجوه أحبابي البعيدين... ورسمها على الورق... أمي... أبي... دانة... ووليد... وليد قلبي الحبيب الغائب... طرق الباب...
    "رغد هل أنت مستيقضة؟"
    وكان صوت حسام. أجبته بنعم, فأخبرني بأن لديه ما يعطيني إياه...
    طبعا كنا أنا وهو نتحاشى الجلوس أو التحدث معا قدر الإمكان... بعد الذي حصل...
    أغلقت كراستي وقمت وارتديت حجابي وقتحت الباب فرأيته يحمل صندوقا ورقيا كبيرا وثقيلا على ما بدا...
    سأل:
    "أين أضعه؟؟"
    قلت مستغربة:
    "ما هذا؟"
    فأجاب مستغربا:
    "أليست أغراضك داخل الصندوق؟"
    سألت متعجبة:
    "أغراضي أنا؟"
    فقال:
    "بعث به ابن عمك..."
    وتذكرت الحاسوب المحمول الذي وعد سامر بشرائه لي بعد نزع جبيرة يدي...
    واستنتجت أن يكون هذا هو...
    قال حسام:
    "أين أضعه؟ فهو ثقيل ولن تستطيعي تحريكه".
    قلت وأنا أشير إلى الطاولة الصغيرة عند الزواية:
    "هناك من فضلك".
    وسرت خلفه وأنا أقول:
    "لا بد أنه الحاسوب المحمول..."
    وضع حسام الصندوق على مكتبه وهو يسأل:
    "حاسوب؟ عظيم!من أي شركة؟"
    وأخذ يطالع جوانب الصندوق بحثا عن أي معلوملت ولم نجد شيئا قلت:
    "افتح لنرى".
    وبادر حسام بفتح الصندوق, ودهشنا حين وجدنا محتواه مجموعة من الكتب والمجلات الكراسية... وأدوات الرسم...!
    استخرجت الكتب وإذا بها نسخا عن بعض كتبي الدراسية!!
    أخذت أقلبها متعجبة وقلت:
    "هذه... كتبي الدراسية!!"
    وعدت أتأمل المجموعة وأستخرجها واحدا بعد الآخر... وأسترجع ذكريات الدراسة... وأنا أقول:
    "أنا لم أطلب هذا من سامر! كيف عرف بأسمائها؟؟"
    وسمعت حسام يجيب:
    "وليد من بعث بها".
    التفت إليه غير مستوعبة:
    وليد!؟... وليد؟؟
    اسم عادي.. أسمعه عشرات المرات في اليوم.. بيني وبين نفسي.. أو بين وجهي وصورته في المرآة... أو بين قلمي وكراستي ورسماتي... أو حتى من لسان أي شخص من حولي... وليد... هو الاسم الذي يلفظه قلبي مع كل نبضة ويزفره صدري مع كل نفس.. اسم معتادة حواسي على استقباله كل حين... لكن العجب كل العجب... أن يقشعر جسدي فجأة.. حالما لفظ هذه المرة..
    فجأة... إذا بي أحس بطوفان هائل من الدماء يصعد إلى وجهي ويجتاح قسماته... ويوشك على تدمير ملامحه وطمس معالمه...
    تقول وليد؟؟!! وليد؟؟؟
    سألت... وأنا بين تصديق وتكذيب أذني... فهي لكثرة ما تاقت للسماع عنه أو منه, صارت تتوهمه صحوة أو غفوة:
    "وليد!!"
    حسام قال... وهو يتأمل التحولات التي طرأت على تعبيراتي:
    "نعم.."
    قلت متلعثمة... وأنا أشير إلى الصندوق:
    "تــــ... تعني... أن... إن هذا من عند... وليد؟؟"
    رد:
    "أجل..."
    وأعدت التحديق في محتويات الصندوق... واستخراجها وتلمسها... وكأنني أبحث عن بقايا بصمات وليد عليها...
    آه يا وليد... تبعث إلي بكتبي الدراسية وأدوات رسمي... لا زلت تهتم بي... نعم أنت كذلك... أنت كذلك...
    ولو لم يكن حسام إلى جانبي ساعتها لأكببت على الصندوق وما حوى مصافحة ومعانقة...
    التفت إلى حسام وسألته:
    "ولكن... كيف بعثها؟؟ بالبريد؟"
    فنظر حسام إلي نظرة هادفة ثم قال:
    "أحضرها بنفسه".
    عفوا؟؟
    ماذا تقول؟؟!
    حملقت في حسام مطالبة بأن يعيد الجواب... فأنا اليوم صماء ولا أسمع...
    "أحضرها... بماذا؟؟ بالــــــ... بالبريد؟؟"
    ونظرت إليه منتظرة أن يقول نعم, لأنني لن أصدق غير ذلك, لكنه قال:
    "بنفسه".
    ملأت الدهشة عيني ورددت:
    "بنفسه؟؟"
    فأومأ نعم... فسألت بسرعة:
    "ماذا تعني؟؟ وليد... وليد جاء... إلى هنا؟؟"
    فأومأ بنعم... شهقت ورفعت يدي إلى صدري تلقائيا... ربما لأهدىء من الاضطراب المفاجىء الذي اعتراه...
    "لكن... آه... كيف؟؟ وليد مسافر... إنه... إنه..."
    فقال حسام:
    "إنه من جلبها وقد استلمتها من يده مباشرة".
    هتفت وأنا مذهولة:
    "متى؟؟!!"
    أجاب:
    "الآن".
    قلت وعيناي ينفتحان أوسعهما:
    "الآن!!"
    قال وهو يرى انفعالي:
    "نعم. اتصل بوالدي قبل قليل وقال إنه سيمر لإيصال شيء لك".
    انتفض جسمي.. وقلت مرتبكة:
    "هل.. تعني.. أنه.. كان هنا؟؟ كان هنا؟؟"
    حسام نظر إلي نظرة حادة ثم أجاب:
    "تركته واقفا مع أبي في الفناء.. وأتيت أسلمك الصندوق".
    ارتج دماغي إثر ذلك.. ترنحت في وقفتي كما لو كنت أقف على كرة متدحرجة...
    وليد هنا؟؟ هنا؟؟
    حسام رأى التعبيرات القوية على وجهي.. ورآني وأنا أندفع فجأة مهرولة نحو الباب... وأسير بسرعة... بسرعة... بكل ما أوتيت على ضعفي من قوة... بسرعة... قبل أن يرحل وليد...
    سمعت حسام يلحق بي ويناديني.. لكنني تجاهلته وسرت عرجاء واطئة على رجلي المصابة ورافعة ثقلها مرة... ومستندة إلى عكازي مرة أخرى.. متجاهلة الألم الذي اشتعل في رجلي كصعقة الكهرباء... فقط لأدرك وليد قبل أن يرحل...
    وأخيرا وصلت إلى الباب الرئيسي للمنزل.. وما إن فتحته حتى رأيت عمي أبا حسام مقبلا نحوه...
    قلت بلهفة:
    "أين وليد؟؟"
    استدار للوراء ينظر إلى من كان يقف بجواره قبل قليل... نظرت إلى بوابة السور الخارجي فرأيت وليد يفتح البوابة الخارجية على وشك الخروج...
    هتفت بأعلى صوتي:
    "وليد..."
    خشيت أن يكون صوتي قد خرج هزيلا بالكاد لامس الهواء قرب فمي.. لكنه وصل إليه.. رأيته يتوقف ويستدير...
    خرجت عبر الباب وهبطت العتبات بسرعة متجاهلة ألم رجلي... وهرولت وأنا أعرج حافية.. أدوس على الرمل والحصى... وبقايا أوراق وأغصان الأشجار العالقة في الممر... قاطعة المسافة الطويلة بين البوابتين... حتى صرت قريبة منه... للحد الذي... لو تخطيته... لانصهرت من وهج حرارته...
    كان الوقت ظهرا.. والشمس حارة.. وقوية السطوع.. تعشي العين عن الرؤية.. وحاربتها حتى أرسل نظراتي إلى وليد...
    نعم... إنه وليد... بدمه وجسمه... بطوله وعرضه... بكيانه وهيئته... والهالة من اللهب الأحمر المتوهج... التي تحيط به...
    كان يضع نظارة شمسية تخفي عن شوقي أي نظرة انتظرت أن أصافحها في عينيه.. بعد فراق طويل قاس...
    وكان شعره طويلا بعض الشيء ومبعثر... لاعبه النسيم الصيفي الحار لحظة هبوبه...
    وليد بقي واقفا في مكانه.. لم يتحرك.. ولم يظهر أي حركة تشير إلى أنه يكترث لظهوري...
    وقفت أسترد أنفاسي التي نهبت مذ علمت بوجوده.. وأحاول خرق نظارت السوداء ورؤية ما تخفيه عدستاها خلفهما...
    لم أر شيئا..
    اقتربت منه أكثر.. صرت أمامه.. تفصلني عنه بضعة أمتار...
    وقفت صامتة لا أعرف ماذا أقول.. من أين أبدأ وأين أنتهي؟؟دعوني... فقط أتأمل وليد... وأملأ قلبي من الإحساس الجميل الذي ينتابني بقربه...
    ماذا حل به؟ لماذا لا أستطيع التحدث؟؟ هيا يا لساني انطلق.. أما اكتفيت حرمانا؟؟ أرجوك... قل شيئا...!
    "وليد.."
    نطقت باسمه وعيناي توشكان على التهامه.. وأذناي على أهبة الاستعداد لخطف أي كلمة تصدر من لسانه قبل مغادرة فمه...
    "وليد... أأأ.. لم أعلم أنك هنا".
    لم يرد..
    قلت:
    "كنت.. أعتقد أنك... مسافر".
    لم يرد..
    قلت:
    "متى عدت؟"
    أجاب أخيرا:
    "قبل أيام".
    قبل أيام؟؟ أنت هنا منذ أيام... وأنا لا أعرف؟؟
    قلت:
    "لم...يخبرني سامر عن عودتك...!!"
    ثم أضفت:
    "حمد لله على سلامتك".
    رد مقتضبا:
    "سلمك الله".
    انتظرت منه أن يخبرني عن أي مبرر لعدم إحاطتي علما بعودته... أو بمجيئه إلى منزل خالتي الآن... ولما لم أر منه المبادرة لشيء سألت:
    "و... كيف هي أحوالك؟"
    فنطق مجيبا ببرود:
    "بخير".
    ولم يسألني عن حالي أنا...
    سمعت صوت باب المنزل فالتفت إليه ورأيت حسام وأباه يقفان هناك... يراقبانني عن بعد..
    وعندما عدت بنظري إلى وليد رأيته وقد مد يده إلى قبضة البوابة يوشك على فتحها.
    قلت:
    "هل أنت مستعجل؟ هل ستذهب الآن؟؟"
    قال:
    "مررت لجلب الكتب قبل سفري".
    توقف قلبي عن النبض وانحشرت أنفاسي في صدري...
    قلت مذهولة:
    "ستسافر؟؟"
    قال:
    "نعم".
    قلت:
    "متى؟"
    أجاب:
    "غدا".
    صعقني الخبر... ستسافر يا وليد؟؟ هكذا.. دون أي اعتبار لي؟؟ دون أن تخبرني لا عن حضورك ولا عن سفرك.. دون أن تفكر بالمرور علي ولو لإلقاء تحية عابرة؟؟
    نفضت يدي من الرمال التي علقت بهما, ثم مددتها إلى السور المحيط بالأشجار والمجاور لي واستندت عليه محاولة الوقوف لكن قواي المنهارة بسبب وليد لم تسعفني..
    اقترب وليد مني أكثر.. ورأيته ينحني ويمد يد العون لي..
    نظرت إليه بتدقيق.. لم تمكنني النظارة من رؤيتة ما كنت أبحث عنه...
    مددت إليه يدي اليمنى... والتي كانت مجبرة فيما مضى... وطليقة الآن...
    وأحسست به يتردد قبل أن يقرب يده يريد الأمساك بها ليساعدني على النهوض.. غير أنني تجاوزت يده ومددت يدي أكثر نحو وجهه.. وانتزعت نظارته...
    الآن.. يمكنني أن أسبح في بحر عينيه.. الآن.. أستطيع أن أغوص في أعماقه وأبحث عن نبضاته.. عن الحنان الذي يغلفني به.. عن الرعاية التي يحيطني بها.. عن العطف الذي يغمرني به..
    لكن.. للذهول.. لم أقرأ شيئا من هذا في عينيه..
    كانتا باردتين برود الرياح المثلجة في القطب الجنوبي.. جامدتين جمود الجبال الجليدية... خاليتين من أي دفء.. أي شوق.. أي اهتمام.. وأي معنى..
    ارتجف فكي الأسفل من برودة وليد... التي أوشكت أن تصير صيف ذلك النهار شتاء قاسيا... اهتز قلبي... وارتعدت يدي فأوقعت النظارة أرضا..
    كان حسام قد وصل يتبعه أبوه.. يسألاني إن كنت بخير..
    وليد سحب يده التي كانت ممدودة إلي.. ومدها إلى النظارة يريد التقاطها...
    فحركت يدي وأمسكت بيده أريد أن أشعر بأي ذرة دافئة فيه..
    وليد أراد أن يسحب يده فأحسست به يستل خنجرا كان قد طعنه في صدري..
    لم أقو على ذلك.. فاضت الدموع في عيني وهتفت وأنا أجذب يده وأنهض معتمدة عليها وأقول منهارة أمامه:
    "لا تفعل هذا بي يا وليد... أنا لا أتحمل.."
    وزفرت زفرات باكية بألم وأنا متشبثة بذراعه وهو واقف كشجرة جامدة... لم يحرك ساكنا...
    سلطت النظر على عينيه... والآن.. أرى فيهما الكثير.. الكثير..
    إنهما عينا وليد قلبي اللتان ما فتئتا تحيطاني بالرعاية منذ طفولتي...
    ورأيت الحمرة تعلوه وزخات من العرق تسيل على صدغيه.. أهذا بسبب الشمس الحارقة؟؟ أم بسبب النار المضرمة في صدري أنا..؟؟
    قلت وأنا متعلقة بذراعه:
    "خذني معك..."
    علت الدهشة وجه وليد فقلت:
    "أريد العودة معك.. إلى بيتنا".
    وليد نظر إلي من خلفي ثم عاد إلي وأراد تخليص ذراعه من يدي..
    فما كان مني إلا أن شددت الضغط عليها أكثر وقلت:
    "خذني معك أرجوك".
    وليد قال:
    "إلى أين؟"
    قلت مندفعة:
    "لا يهم. سأذهب معك إلى أي مكان".
    وليد أزاح يدي عن ذراعه.. ورأيت عينيه تلقيان نظرة عليها وشعرت بيده تشد بلطف عليها... ثم تركها ورجع خطوة للوراء.. وقال:
    "يجب أن أذهب الآن.. زوجتي تنتظرني".
    واستدار موليا ظهره إلي وببساطة اختفى عن ناظري.. مثل السراب...
    زوجتي تنتظرني... زوجتي تنتظرني... زوجتي تنتظرني...
    لفت الجملة برأسي حتى أصبت بالدوار وترنحت وجثوت فجأة على الأرض...
    رأيت حسام يظهر أمامي منجنيا على الأرض وهو يقول:
    "هل أنت بخير؟؟"
    أغمضت عيني فأنا لم أقو على تحمل سطوع الشمس المعشية... وحالما فتحتهما لم أجد غير حسام قريبا مني...
    بحثت يمنة ويسرة...
    هل كنت أحلم؟؟
    هل كان وليد هنا؟؟
    لا لم يكن..
    كان وهما.. خيالا.. تهيؤا رسمه قلبي الشغوف به وعيني الملتهفة للقائه..
    نظرت إلى البوابة... إلى الحيز الذي توهمت أن وليد كان يشغله قبل قليل... تمنيت لو أن طيفه بقي عالقا هناك... أردت أن أنهض وأعانق جزيئات الهواء التي لامست جسده... لكنني عجزت عن الانهيار بجذعي على السرور...
    سمعت صوت حسام يناديني... وأحسست بيديه تمسكان بي... نظرت إليه فإذا بي أراه يحملق بي وعطف... ويقول:
    "لا بأس عليك... هلمي بنا إلى الداخل".
    وساعدني على النهوض... وفيما أنا أنهض لمحت نظارة شمسية سوداء ملقاة على الأرض بالقرب مني...
    التفت إلى حسام وسألت بضياع:
    "هل كان وليد هنا؟؟"
    ولم يقل حسام شيئا... فانحنيت والتقطت النظارة وتأملتها وهتفت:
    "لقد كان وليد هنا... لقد تركني ورحل... رحل مع الشقراء... لماذا فعل هذا بي؟؟ لماذا تركني؟؟"
    حسام جذب النظارة من يدي وألقى بها على العشب وقال:
    "تخلصي من هذا يا رغد... إنه لا يستحق".
    أطلقت صيحة من أعماق قلبي وهتفت:
    "كلا... كلا... وليد لن يرحل بدوني... لن يرحل بدوني... لن يرحل بدوني..."
    *******************************************




    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:10

    الحلقة السابعة والأربعون

    تحت جنــاحك مهــما يكــــــــن

    في طريق عودتنا من مكتب الشؤون المدنية القابع في المدينة الصناعية حيث استخرجنا بعض الوثائق اللازمة للعمل, مررنا على منزل خالة رغد وقال وليد إنه سيوصل إليها بعض الحاجيات. وبعدما إلى المزرعة لاحظت شرود وانشغال باله.
    ولكي أكون دقيقة أكثر أقول إنني لاحظت ذلك منذ أن غلدر وليد منزل خالة رغد.
    كان وليد قد عاد قبل يومين من المدينة الساحلة جالبا معه حقيبة عمله من الأوراق والوثائق المهمة التي يريد مني الاطلاع عليها وقبولها ورفضها.
    حسابات... عقود... فواتير... مشاريع... وأشياء مزعجة اعتاد وليد على أن يقحمني فيها حينما كنا في المدينة الساحلية.
    شؤون العمل هي كل ما دار نقاشنا حوله خلال الأيام القليلة التي قضاها هنا... ولم نتحدث عن أي شيء آخر... وكأننا لسنا خطيبين... فرقت بينهما عدة أسابيع والتقيا أخيرا...
    وها هو الآن يستعد للمغادرة ويأخذ حقيبته من فوق المكتب ويخطو وسط الغرفة... باتجاه الباب.
    كان يريد الذهاب إلى أخيه ليقضي الليلة معه وليصطحبه إلى المطار غدا.
    كنت أراقبه بصمت وتأمل... ولاحظ هو تحديقي به فتوقف وسأل:
    "أهناك شيء؟"
    هناك أشياء كثيرة ولكن لا مجال لطرحها الآن.
    أجبته بعد تردد:
    "لا...لاشيء... فقط... لم لا تقضي الليلة هنا؟؟"
    فنظر إلي نظرة ذات مغزى... فقلت:
    "سأعد لك عشاء معتبرا...لا يبدو أنك تأكل شيئا منذ أسابيع".
    وخشيت أن يستسخف الفكرة لكنه لم يشأ إحراجي فقال:
    "لا بأس... لكن يجب أن يكون عشاء مبكرا... إذ سيتعين علي الخروج باكرا صباحا".
    فابتسمت بسرور وانصرفت من فوري إلى المطبخ وعملت بنشاط...
    وفيما أنا منشغلة مع طهوي أقبل خالي إلى المطبخ..
    "هل تكلمتما؟"
    مشيرا إلى موضوع زواجنا المعلق. فمنذ يوم طلبت منه أن ننفصل وحتى يومنا هذا وليد لم يفتح الموضوع ولم يخبرني عن قراراته ولا ما يجول بخاطره... ولم يجمع بيننا لقاء خاص أو حوار خاص... أو حتى سفرة طعام... وفاة والدتي رحمها الله شغلتنا عن التفكير بأنفسنا.
    علاقتنا باردة كالثلج.. وهو وجد في العنل مهربا من التصادم معي... ولكن إلى متى؟؟
    أجبت أخيرا على سؤال خالي:
    "ليس بعد".
    فحزن ونهد. كان قلقا علي. قلت له:
    "إنه لم يقم هنا غير ثلاثة أيام... كان مشغولا مع الوثائق والأوراق... لم تسنح الفرصة".
    فقال خالي:
    "الشاب ينتظر منك أنت فتح الموضوع يا بنيتي فهو لن يجرؤ على هذا في ظل ظروفنا الحالية".
    قلت بصراحة:
    "لا أعرف من أين أبدأ ولا كيف... أنا مشوشة جدا يا خالي وفقد والدتي أربك حياتي".
    وسكت برهة ثم واصلت:
    "استطعت دعوته للبقاء هنا الليلة... وتناول العشاء معي... سأحاول أن ألمح للموضوع أثناء ذلك... وأرى إن... كان على استعداد للتطرق إليه الآن..."
    شد خالي على يدي وقال:
    "أصلح الله أمركما وبارك فيكما... تشجعي بنيتي..."
    ثم غادر...
    تركت الطعام ينضج على النار... وذهبت إلى حيث وليد... كان جالسا في غرفة المعيشة يطالع الصحيفة باهتمام... وقد ترك حقيبة سفره على المقعد بجانبه.. هممت بأن أقترب منه وأبعد الحقيبة وأجلس بجواره... ولكن خانتني شجاعتي... لما انتبه وليد لحضوري قال معلقا على خبر قرأ في الصحيفة:
    "سيحظرون الرحلات الجوية من جديد... لا نعلم لكم من الزمن... سيزداد الأمر سوءا ومشقة".
    وقطب حاجبيه استياء... وتابع القراءة...
    أردت التفوه بأي تعليق غير أن هاتفه سبقني بالرنين فأجابه وليد, وسمعته يتحدث باهتمام إلى الطرف الآخر والذي أدركت من مضمون الكلام أنه شقيقه يسأله عن موعد حضوره ثم يطلب منه أمرا ملحا...
    هتف وليد وهو يقف ملحا:
    "رغد؟؟"
    فأصغيت لحديثه باهتمام... وكانت آخر جملة قالها:
    "حسنا أنا قادم".
    وأنهى المكالمة. سألته بفضول:
    "خيرا؟؟"
    فنظر إلي نظرة سريعة ثم قال:
    "يجب أن أغادر الآن... أنا أسف".
    أصبت بخيبة كبيرة... وقلت معترضة:
    "والعشاء؟؟"
    فقال معتذرا:
    "تناولاه بالصحة والعافية... لن أستطيع مشاركتكما".
    غضبت وقلت:
    "لقد أعددته من أجلك أنت يا وليد... ألا تقدر هذا؟؟"
    أطرق وليد برأسه ثم قال نعتذرا:
    "بلى يا أروى طبعا أقدر... لكن..."
    فقاطعته منفعلة:
    "لكن حبيبة القلب أولى بكل التقدير".
    نظر إلي وليد والدماء أخذة في الصعود إلى وجنتيه. ولم يجرؤ على التفوه بكلمة. أما أنا فقد اختل ميزاني لحظتها وأطلقت لساني قائلة:
    "لم سكت؟ قل شيئا... ألست ذاهبا إليها؟"
    زفر وليد زفرة ضيق من صدره ثم قال:
    "سأذهب إلى شقيقي... يطلب حضور حلا والأمر مقلق".
    فقلت:
    "لكنه أمر متعلق برغد... أليس كذلك؟؟"
    ولم يجب فقلت:
    "لن يمكنك الإنكار".
    هنا قال:
    "لا أعرف ماذا هناك يا أروى... سامر لم يوضح لكنه أقلقني... ربما حدث شيء لا قدر الله".
    فقلت:
    "أو ربما الصغيرة الغالية تتدلل على وصيها الحنون النبيل!"
    نظر وليد إلي بانزعاج فقلت:
    "إنها بالمرصاد لأي شيء يسعدني... ألا تلاحظ هذا؟؟"
    زفر وليد الكلمات بضيق:
    "هذا ليس وقته... أرجوك..."
    وأولاني ظهره وتناول حقيبته هاما بالمغادرة...
    لم أتمالك نفسي حينها وشعرت بالإهانة والخذلان والغيظ, فهتفت مجنونة:
    "وليد... إذا خرجت الآن فلا تعد إلى هنا ثانية".
    توقف وليد واستدار إلي... ورأيت في عينه دهشة ثم مرارة كبيرة... لكنني لم أستطع السيطرة على شعوري... في أحوج الأوقات إليه تركني وسافر... والآن مع أول خطوة للتصالح بيننا وفيما أنا أشغل تفكيري وجهدي فيه ولأجله... يتركني وينصرف إليها...
    أشاح وليد وجهه دون تعليق وسار نحو الباب. فهتفت مجددا:
    "قلت... إذا خرجت فلا تعد ثانية... أبدا... هل سمعت؟"
    ولم يكترث بكلامي, فصرخت في غيظ:
    "هل سمعتني يا وليد؟؟"
    استدار آنذاك بعصبية ونظر إلي وهتف بغضب:
    "نعم سمعت".
    ثم أضاف:
    "كم يؤسفني هذا منك... أولا أنا قلت سأذهب إلى شقيقي... يعني إلى المدينة التجارية وليست الصناعية والطريقان مختلفان ومتباعدان... وثانيا ليس بالوقت المناسب لتقليب المواجع... دعينا نفترق بسلام الآن".
    كنت أشعر بأن جزءا من قلبي قد نزع بعنف قلت منهارة:
    "لن يكون هناك مرة قادمة... إذا خرجت الآن فلا تعد... أنا لم أعد أحتمل... هذا كثير... أي نوع من الأزواج أنت؟؟"
    وهرولت منصرفة عن غرفة المعيشة وعائدة إلى المطبخ وأسندت جبيني إلى الثلاجة وأخذت أبكي...
    بعد قليل سمعت صوت وليد يناديني ولم أجبه... أحسست به يقف عند الباب ثم يقترب مني... ثم سمعته يقول لي:
    "أروى.. أرجوك... لاتزيديني هما على هم".
    واستمررت في ذرف عبرات الخذلان والأسف... إن الهم الأكبر هو هم امرأة تحب زوجها وتعرف أن قلبه مشغول بحب امرأة غيرها... هذا هو الهم الأدهى والأمر...
    قلت:
    "إذا كنت متعلقا بها لهذا الحد ولا تستطيع الاستغناء عنها فاذهب إليها... أنا لن أجبرك على البقاء معي ولا على حبي... ما حاجتي إلى رجل مشغول القلب بغيري...؟؟... اذهب... ولا تعد إلي ثانية".

    ********************************

    "أجّل سفرك".
    نظر شقيقي إلي باستغراب ثم سأل:
    "عفوا؟؟ ماذا؟"
    فكررت مؤكدا والجد يملأ عيني:
    "أجل سفرك يا وليد ودعنا نسوي الأمور ونحل المشاكل أولا".
    قال بانزعاج:
    "أتجلبني من المزرعة إلى هنا مفزوعا على وجه السرعة... مسببا ما سببت هناك... لتقول لي أجل سفرك؟ يا سامر وضح ماذا لديك؟ وما بها رغد؟"
    أجبت بكل جدية:
    "أم تقل إنك لا تريد إخطارها عن حضورك؟ ألم أقل لك إن هذا سيحزنها؟؟ إذن لماذا ذهبت إلى بيت خالتها اليوم وقابلتها؟ وبطريقة جافة؟ ألا تعرف كم من الحزن سببت لها معاملتك هذه؟ إذا كنت قد ضقت ذرعا بها ولا تريد تحمل أعباء مسؤوليتها بعد الآن ولا تطيقها بسبب خلافك مع أهلها فانقل الوصاية الكاملة إلي أنا ونهائيا".
    دوهم أخي وحملق في... وأنا أركز في عينيه بحدة وشدة...
    ثم سألني:
    "ماذا تعني؟؟"
    فأجبت منفعلا:
    "أعني أن تتنازل عن الوصاية عليها لي أنا... وأخلصك من هذا العناء تماما".
    وإذا بالحمرة تلون وجه وليد وإذا به يقول مهددا:
    "كيف تجرؤ؟؟"
    فأجبت بحدة:
    "على الأقل... أنا سأعاملها معاملة حسنة تليق بها كابنة عم وحيدة ويتيمة الأبوين".
    وقف وليد فجأة وهتف بغضب:
    "أتعني أنني لا أحسن معاملتها يا سامر؟"
    فوقفت تباعا ورددت بصوت قوي:
    "هل تسمي هذه القسوة والصرامة والخشونة... معاملة حسنة؟؟ وليد... لقد كنت أزورها قبل اتصالي بك... اتصلت بي الخالة وطلبت مني أن أذهب إليها... أخبرتني بأنك ذهبت إليهم ظهرا وقابلت رغد والله الأعلم ماذا قلت لها... وجعلتها تحبس نفسها في غرفتها منذ ذلك الحين ولا تفتح الباب لأحد... حاولت أن أكلمها لكنها طلبت مني الانصراف... أنا لا أعرف ما الذي قلته لها وجعلتها تحزن لهذا الحد... ثم تريد السفر بلامبالاة... وتتركني أنا أواجه الأمر وأرمم ما تهدمه أنت... أتسمي هذه معاملة حسنة؟؟"
    وليد نظر إلى ساعة يده... وبدا متوترا... ثم قال:
    "اتصل بها".
    ولم أتحرك... فقال وليد:
    "الآن".
    فقلت:
    "أقول لك إنني قدمت من عندها قبل ساعتين وهي منزية على نفسها... وهاتفها مغلق منذ النهار".
    قال:
    "إذن اتصل بهاتف المنزل واسأل عنها ودعني أكلمها".
    بقيت واقفا في موضعي... أنظر إلى أخي بتشكك... ثم سألته:
    "أخبرني أولا... ما الذي قلته لها؟؟ لماذا ذهبت إليها؟؟"
    فأجاب مندفعا:
    "أنا لم أذهب لزيارتها بل مررت لسبب آخر... ولم أقل شيئا".
    فقلت:
    "إذن لماذا هي محطمة هكذا؟ لا بد أنك قلت أو فعلت شيئا جارحا حتى لو لم تدركه".
    وهذه الجملة استفزت أخي فهتف بغضب:
    "وهل تراني وحشا ذا مخالب وأنياب؟؟"
    قلت غاضبا:
    "لا أراك تقدر شيئا أو تفهم شيئا... ألا تعرف ما تعني لها وما يعني رضاك أو غضبك؟؟ إما أن تكون أعمى أو بلا إحساس... وفي كلتا الحالتين لا تصلح لرعاية رغد... فدعني أتولى أمرها بنفسي من الآن فصاعدا".
    سكت وليد مبهوتا وتبعثرت نظراته ثم استجمعها واسترد رباطة جأشه وقال:
    "اتصل الآن".
    ألقيت عليه نظرة مستهجنة ثم توجهت نحو الهاتف واتصلت بمنزل الخالة فأجابتني هي وعلمت منها أن رغد لا تزال حبيسة غرفتها وطلبت منها استدعاءها للتحدث معي فلم تستجب, وقلت لخالتي بأن تخبرها بأن وليد يريد التحدث معها ولكنها أيضا لم تستجب...
    حين وضعت السماعة على الهاتف رأيت أخي ينظر إلى ساعة يده ثم يقول:
    "إذن دعنا نذهب".
    انطلقنا من فورنا بسيارتي إلى المدينة الصناعية. عندما وصلنا إلى منزل أبي حسام لم يخرج وليد من السيارة بل قال:
    "تعال بها".
    التفت إليه وقلت:
    "لم لا تأتي معي ونسوي المشكلة مع العائلة الآن؟"
    فرد:
    "ليس هذا وقته".
    وتركته في انتظاري في السيارة ودخلت إلى المنزل, لم تفتح رغد الباب إلا بعد أن أقسمت لها مرارا وتكرارا أن وليد قد حضر معي ويريد مقابلتها... وعندما فتحته ذهلنا للسواد الذي لون وجهها الكئيب حتى غدا مضاهيا لسواد وشاحها. نقلت بصرها بيننا ثم سألت:
    "أين هو؟"
    فأجبت:
    "ينتظرنا في السيارة".
    وبدا عليها عدم التصديق ونظرت إلى خالتها تبحث عن تأكيد فقالت أم حسام:
    "لقد أحضره سامر ولكنه لا يريد دخول منزلنا كما تعرفين".
    فأطرقت رغد برأسها وقالت:
    "أنتم تكذبون علي".
    وتراجعت خطوة بعكازها إلى الخلف فقلت بسرعة:
    "ولماذا سنكذب عليك يا رغد تعالي وتأكدي بنفسك".
    بعثرت رغد علينا نظرات التشكك ثم قالت:
    "إذا اكتشفت أنكم تخدعونني..."
    فقاطعتها الخالة:
    "يهديك الله يا رغد... انظري إلى حالك وحالنا معك... اذهبي معه وارحمي نفسك وارحمينا".
    ورافقتني رغد يدفعها الأمل خطوة ويوقفها الشك أخرى حتى صرنا أمام السيارة ورأت وليد بأم عينيها... نظرت إلي غير مصدقة فقلت مؤكدا:
    "هل صدقتني الآن؟"
    ثم فتحت لها الباب الخلفي فجلست خلف مقعدي ورأيت أخي يلتفت إليها وسمعته يلقي التحية.
    جلست على مقعدي والتفت إلى أخي وسألت:
    "إلى أين؟"
    فأجاب:
    "جولة قصيرة".
    وسرنا يرافقنا الصمت الشديد.... وربما كانت أفئدتنا تتخاطب وأفكارنا تتصافح دون أن نشعر بها.
    بمحاذاة الكورنيش طلب مني أخي أن أوقف السيارة وأشار بيده نحو المقاعد الإسمنتية العامة قائلا:
    "دعونا نجلس هنا قليلا".
    وسبقنا بالخروج من السيارة والتوجه نحو المقاعد. التفت إلى رغد فرأيتها قابعة في مكانها والتوتر جلي على وجهها ويدها ممسكة بطرف وشاحها بانفعال.
    سألتها:
    "ألن تنزلي؟"
    فأجابت بصوت وجل:
    "ماذا... يريد؟؟"
    فقلت مطمئنا:
    "مم أنت خائفة؟ ألست تريدين التحدث معه؟؟ هو هنا لن يسمعك.."
    وإن كنت غير واثق مما سيقوله... وإذ بدا على رغد التردد, شجعتها قائلا:
    "فرصتنا لنقول كل ما نريد ونضع الحروف على النقط... طلبت منه أن يؤجل سفره حتى نحل المشاكل العالقة أولا..."
    وأخيرا خرجنا من السيارة وذهبنا نحو وليد... ترددت رغد في الجلوس فأخرجت منديلا ومسحت المقعد لأنظفه وقلت:
    "تفضلي".
    وعندما جلسنا جوارها ثم التفت إلى وليد وقلت:
    "ندخل في الموضوع مباشرة... يجب أن تؤجل رحلة الغد وتعيد الحسابات".
    قال وليد:
    "لا مجال... سفري ضروري للغاية".
    ثم التفت نحو رغد وقال:
    "لا يمكنني أن آخذك معي الآن يا رغد".
    وما كاد ينهي الجملة حتى انهارت رغد فجأة... وكأن جملة وليد كانت الدبوس الذي فجر البالون...
    قالت وهي شديدة التهيج وتكاد تمزق طرف وشاحها المشدود بين يديها:
    "أنا لست متواطئة مع خالتي... ولست راضية عما قالت... ولن أحدث أي مشاكل مع أروى بعد الآن... سأهتم بدراستي فقط... لن أسبب لك أي إزعاج... وأي شيء سأحتاجه سأطلبه من سامر... سأبقى منعزلة في غرفتي أدرس وأرسم... وسأنفذ كل ما تطلبه مني... لكن أرجوك... دعني أعود إلى بيتي وجامعتي... فأنا ليس لي غيرهما ولا أريد أن أتشرد ويضيع مستقبلي أكثر من هذا أرجوك..."
    وانخرطت رغد في بكاء قوي مؤثر... كأنها كانت تربطه عنوة على طرف حنجرتها وأفلت منها بغتة دفعة واحدة... كان منظرها مؤلما جدا...
    وقفت كما وقف أخي وسرنا مقتربين منها... وصرنا أمامها مباشرة...
    قال وليد:
    "ما الذي تقولينه؟!"
    فقالت رغد بنفس الانفعال:
    "سأفعل ما تطلبه مني لكن لا تتركني هنا أرجوك... أعدني إلى بيتي وجامعتي... سأطلب من أقاربي أن يعتذروا منك... الآن إذا شئت... وسأتصالح مع الشقراء وأنسى أنها من تسبب بإصابتي... قل لها أنني لن أزعجها أبدا ولن تشعر بوجودي في المنزل... أرجوك لا تذهب بدوني... أرجوك..."
    كدت أبكي مع رغد... أخرجت مناديل وقدمتها لها تمسح دموعها وأنا أقول:
    "كلا يا رغد أرجوك... تماسكي".
    ونظرت إلى شقيقي فرأيته يحملق فيها مندهشا من سوء حالتها... ثم يجلس على المقعد بجوارها ويسند مرفقيه إلى ركبتيه وجبينه إلى كفيه ويجذب عدة أنفاس قوية ثم يلتفت إليها ويقول:
    "رغد... أروى لن تأتي معي هذه المرة ولذلك لا أستطيع أخذك".
    فالتفتت أيه رغد ومسحت دموعها...
    تابع وليد:
    "عندما تتحسن الأوضاع سنعود جميعا... لكن الآن... صعب".
    فقالت رغد:
    "لماذا؟"
    فأجاب أخي:
    "قلت لك.. لأن أروى لن ترافقنا وهي ما تزال غارقة في الحزن على فقد والدتها رحمها الله... لا نستطيع الذهاب أنا وأنت وسامر... لن يكون هذا مقبولا لن توافق خالتك".
    فقالت رغد بسرعة:
    "لا تأبه بكلام خالتي".
    فرد وليد:
    "ليست خالتك فحسب... إن كان هذا تفكيرها هي فكيف بتفكير الآخرين؟"
    فردت رغد:
    "أنا لا آبه بتفكير أحد... أنت في مقام أبي.. وسامر أخي.. أنتما عائلتي الحقيقية وليس لي ملجأ غيركما".
    وليد نظر إلي ليرى وقع الكلام على نفسي... فأرسلت نظري بعيدا عنه... ثم سمعته يقول:
    "حسنا يا رغد عندما آتي في المرة المقبلة..."
    ولم يتم كلامه لأن رغد قاطعته منفعلة:
    "كلا.. لن يكون هناك مرة مقبلة... سأذهب معك الآن... أرجوك لا تتركني".
    فقال وليد:
    "سأسافر باكرا يا رغد... لم نرتب لسفرك وسامر".
    فقلت:
    "أجل سفرك يوما أو يومين على الأكثر وسيكون كل شيئا مرتبا".
    فالتفت أخي إلي وقال:
    "لا يمكن. لدي اجتماع مهم للغاية صباحا.. أمر معد له بصعوبة منذ أسابيع".
    فقالت رغد مصرة:
    "سآتي معك".
    فنظر وليد إليها وقد علاه الانزعاج وقال:
    "يستحيل ذلك الآن. سنناقش الأمر في المرة التالية".
    فقالت رغد وهي تنهار مجددا وتفقد تماسكها:
    "أنت تكذب علي... لا تريد أخذي معك... تماطل إلى أن أمل وأكف عن ملاحقتك... قلها صراحة يا وليد إنك لم تعد تريد كفالتي... تريد أن تتخلص مني حتى تكسب خطيبتك ويصفو لها الجو معك وحدك".
    أصابتنا الدهشة من كلام رغد... ووقف وليد غاضبا وهتف بخشونة:
    "ما هذا الكلام المجنون يا رغد؟"
    فهتفت رغد:
    "هذه هي الحقيقة.. لقد اخترتها هي وتنازلت عني..."
    هنا أطلق وليد زجرة قوية:
    "رغد يكفي".
    بصوت عال وفظ جدا لدرجة أن رغد انتفضت فزعا ثم بلعت صوتها وكتمت أنفاسها, ثم سار مبتعدا متجها إلى السيارة... ثم توقف واستدار نحونا وقال:
    "هل هذا ظنك بي يا رغد؟ فيم ستختلفين عن أقاربك؟ كلكم تبخسونني قدري وتسيئون إلي".
    وأولانا ظهره واقترب أكثر من السيارة حتى مد يد ليفتح الباب ووجده مقفلا... فركل السيارة برجله وهتف:
    "تعال وافتحها".
    وقفت رغد ونادت:
    "وليد".
    ثم التفتت إلي وأمسكت بذراعي وقالت متوسلة:
    "لا تدعه يذهب أرجوك".
    عضضت أسناني وقلت:
    "لا تقلقي".
    ثم خاطبت أخي:
    "سأتصل بشركة الطيران وأرى ما إذا كان لديهم مقاعد شاغرة على رحلة الغد".
    والتفت إلى رغد قائلا:
    "فهي رحلات يومية ولا بد أن مقعدين على الأقل لا يزالان شاغرين".
    وهذه فكرة طرأت على بالي للتو... أنتجها قلقي على رغد وتخوفي من ما قد يعتريها بعد هذا...
    حثثتها على السير إلى أن صرنا عند وليد فخاطبته سائلا:
    "ما قولك؟؟"
    فلم يرد... فقلت:
    "دعنا نمر الآن بمكتب الطيران ونرى ما يمكن فعله".
    فقال:
    "الوقت متأخر على فكرة كهذه".
    فقلت:
    "إما هذه... أو امنحني تصريحا بالسفر مع رغد وسنلحق بك عاجلا".
    فزفر بضيق وقال:
    "افتح الأبواب".
    وركبنا السيارة وسرنا في الطريق وعندما اقتربنا من مفترق طرق أردت الانعطاف بالسيارة لأسلك الشارع المؤدي إلى مكتب الطيران فقال:
    "اسلك اليمين".
    وهو الطريق المؤدي إلى بيت أبي حسام,فقلت:
    "دعنا نمر بالمكتب أولا".
    فرد:
    "إلى المنزل يا سامر وكفى".
    هنا هتفت رغد:
    "كلا... لا أريد العودة إلى منزل خالتي... لا أريد".
    فالتفت وليد إليها وقال:
    "افهمي يا رغد هذا صعب جدا الآن".
    ولكنها ألحت:
    "لا أريد العودة... لا تسافرعني... لا تفعل هذا بي".
    أما أنا فقد انعطفت يسارا وانطلقت بأقصى سرعة ممكنة في الطريق إلى مكتب الطيران.
    أثناء هذا وردتني مكالمة من أم حسام تطمئن فيها على رغد فطمأنتها وأخبرتها بأننا سنعود بعد قليل.
    توقفت عند مكتب شركة الطيران وفتحت الباب وقلت:
    "سأتحقق وأعود".
    وحالفني الحظ واشتريت تذكرتين وعدت أزف البشرى إلى رغد.. غير آبه برأي وليد... فأنا لم أعد أقوى على تحمل كآبتها...
    تهلل وجهها حينما أخبرتها ومع ذلك أخذت تنظر نحو وليد والذي كان ينظر عبر النافذة إلى الخارج وعلى وجهها القلق وكأنها تسأله عن رأيه وتطلب موافقته... لم يعلق أخي فاعتبرنا صمته بمثابة الضوء الأخضر... وتابعنا المسير...
    أظنه خاف على رغد وأدرك إلى أي حد وصلت بها نفسيتها...
    عدنا أدراجنا إلى منزل أبي حسام ولما فتحت الباب لها ترددت في الخروج...
    وإذا بها تخاطب وليد قائلة:
    "لا تفعلها وتسافر عنا".
    فأجاب:
    "وهل سأقود الطيارة وأسافر مثلا؟"
    فقالت:
    "لكن... إذا تعرقل سفري لأي سبب... فسوف... فسوف..."
    فالتفت وليد إليها:
    "فسوف ماذا؟"
    ولم تكمل رغد وخرجت من السيارة ورافقتها إلى داخل المنزل وأخبرت العائلة بأننا اشترينا التذكرتين وسنسافر مع وليد.
    فور أن أنهيت إعلام الخبر رأيت رغد تنظر إلى خالتها وتقول مهددة:
    "لا تحاولي منعي يا خالتي وإلا فأنني سأحبس نفسي في الغرفة إلى أن أموت وألحق بأمي".
    فلم تقل أم حسام شيئا... ورن هاتفي فإذا به أخي يستعجل خروجي ويوصيني:
    "قل لرغد ألا تنام دون عشاء... وأن تتناول فطورا جيدا قبل المغادرة صباحا. أكد عليها هذه مرارا".
    ونقلت وصيته إليها فردت والسرور يتجلى على وجهها:
    "حاضر".
    وعدت إلى السيارة ونظرة إلى أخي فرأيته شاردا... يفكر بعمق. قلت:
    "صدقني وليد... هذا أفضل حل... وإلا فأن نفسية رغد ستتدهور".
    التفت إلي أخي وتنهد وقال:
    "لقد أحدثت مشكلة كبيرة لي مع أروى يا سامر..."
    سألته بقلق:
    "أي مشكلة؟"
    قال:
    "تصرفت وكأن الأمر يعني رغد فقط... وحين تعرف أروى بأن رغد عائدة معي فستقلب الدنيا رأسا على عقب".
    فكرت قليلا... بعدها قلت:
    "إذن قل لها أن رغد عائدة معي أنا وليس معك".
    فرمقني أخي بنظرة غامضة وأوشك على قول شيء, لكنه حبس لسانه ولاذ بالصمت....

    ***************************

    من الصباح الباكر... اتصلت بسامر لأتأكد من أن كل شيء يسير بخير... وتناولت فطوري وبقيت جالسة في الحديقة مع أقاربي وحقائبي... في انتظار مجيء ابني عني.
    وعندما أتى سامر... عمد إلى الحقائب يحملها... وخرج عمي أبو حسام لملاقاة وليد... الذي لم يدخل المنزل.
    عانقتني نهلة بحرارة... أما خالتي قفد ذرفت الدموع وهي تضمني إلى صدرها... وأبقتني في حظنها طويلا... إلى أن سمعت صوت سامر يقول:
    "هيا بنا".
    ابتعدت عن خالتي... فمسحت على رأسي وقالت:
    "انتبهي لنفسك جيدا يا رغد..."
    أومأت بنعم.. فالتفتت نحو سامر وقالت:
    "اعتني بها وصنها كعينك يا بني... ولا تدع أخاك يقسو عليها".
    فقال سامر:
    "توصينني أنا يا خالتي؟؟"
    فقالت:
    "أذكّر... عل الذكرى تنفع المؤمنين".
    فأكد لها:
    "اطمئني... رغد بعنقي".
    ثم التفت إلي وقال:
    "هيا وإلا تأخرنا".
    جلت بنظري لألقي نظرة الوداع على أقاربي... وافتقدت حسام الذي كان نائما ولم ينهض لوداعي...
    وأخيرا... غادرت المنزل... ورحلت عائدة إلى منزلي الحقيقي... في الجنوب...
    وصلنا إلى المنزل الكبير ضحى...
    وليد أسرع بالاستحمام ثم غادر المنزل على عجل وهو يقول:
    "اهتم بكل شيء... سأعود عصرا... اتصل بي عند الحاجة".
    واختفى بسرعة... أما سامر ففي البداية أخذ يتجول في أنحاء المنزل مستعيدا الذكريات الماضية... وشاعرا بالألم لتذكر والديّ... ولأنني لا أستطيع صعود الدرج فلم أرافقه عندما واصل جولته في الطابق العلوي... إنما ذهبت إلى غرفتي اسفلية واستلقيت على سريري باسترخاء وأغمضت عيني...
    آه... أخيرا أنا هنا من جديد...
    كأن ما حصل... حلم طويل... لقد مضت عدة أسابيع منذ غادرت هذه الغرفة... على أمل العودة بعد أيام... وبدون الشقراء...
    يا للأيام... يا للأحلام...
    ولم أشعر بنفسي وأنا أستسلم لنوم عميق... عميق جدا... عوضت فيه سهر الليالي المؤرقة التي قضيتها بعيدا عن وليد قلبي...

    *****************************

    عدت من عملي قبيل المغرب فوجدت شقيقي متمددا على الكنبة في غرفة المعيشة الرئيسية, غارقا في النوم, والتلفاز مشغلا والمصابيح مطفأة... وعلى الطاولة جواره علبة فواكه مشكلة فارغة وقارورة ماء... ما إن هتفت باسمه مرتين حتى استيقظ وراح ينظر إلى ما حوله ثم يتثاءب ويمدد ذراعيه ثم يقول:
    "عدت أخيرا؟!... تأخرت".
    فقلت:
    "أخبرتك أنني سأعود متأخرا. كان أمامي الكثير لأنجزه اليوم".
    ثم أضفت:
    "وعلى فكرة يمكنك استلام وظيفتك رسميا ابتداءا من الغد.. وقد خصصت سيارة تابعة للمصنع لتستخدمها إلى أن نجلب سيارتك من الشمال".
    قال:
    "عظيم... ممتاز... وأين ستعينني؟"
    قلت:
    "معي يا سامر... نائب عني ومساعدي الأول".
    وأضفت:
    "مثل السيد أسامة.. وأريدك أن تتقن الوظيفة بسرعة لتحمل العبء معي.. خصوصا وأن المنذر يطالب بإجازة منذ زمن وأنا أرفضها".
    سألني أخي:
    "هل أسامة المنذر هذا موضع ثقة؟"
    فأجبت:
    "نعم.. وهو من كان يدير المصنع ويرعى ثروة أروى وأملاكها إلى أن تسلمتها.. إنه رجل أمينن.. وجدّي الثقة".
    سأل:
    "وماذا عن بقية الموظفين؟ الإداريين بالذات؟؟"
    فقلت:
    "لا أولي الثقة المطلقة في حياتي إلا خمسة رجال.. سيف وأبيه.. وعمي إلياس.. والسيد أسامة.. وأنت".
    ثم مددت يدي وربت على كتف شقيقي وقلت:
    "وأنت أولهم يا شقيقي... سأعتمد عليك كثيرا..."
    ابتسم سامر وقال:
    "بكل تأكيد.."
    ثم أضاف مازحا:
    "المهم أن تسبغ علي الرواتب والعطايا الكريمة! دعني أتذوق طعم الثراء من جديد".
    وضحكنا بابتهاج...
    ثم سألته:
    "ماذا عن رغد؟"
    فحك شعر رأسه وقال:
    "ربما نائمة... لم أرها منذ ساعات".
    استنكرت هذا وقلت جادا:
    "منذ ساعات!"
    قال:
    "نعم فهي قد دخلت غرفتها المجاورة بعد انصرافك ولم تجب عندما ناديتها قبل أن أنام..."
    أثارت الجملة قلقي فقلت:
    "تعني أنك ام ترها منذ الصباح؟؟ وأنا من اعتمدت عليك؟"
    وخرجت من غرفة المعيشة وذهبت إلى غرفة رغد وتبعني أخي.
    طرقت الباب وناديتها بضع مرات فلم تجب. قال أخي:
    "أظنها نائمة... قفد كانت متعبة من عناء السفر كما أنها لم تنم البارحة".
    قلت:
    "يجب أن نتأكد".
    وطرقت الباب بقوة أكبر وهتفت مناديا إياها بصوت عال... ولم تجب... فما كان مني إلا أن أمسكت بقبضة الباب وفتحته... وأخي يهتف:
    " ماذا تفعل!!؟"
    لم أدخل الغرفة بل ناديت رغد بصوت يعلو مرة بعد مرة إلى أن سمعت صوتها أخيرا يرد...
    "نعم؟؟"
    "هذا أنا... هل أدخل؟؟"
    "نعم... ماذا هناك؟؟"
    أطللت برأسي داخل الغرفة فوجدتها جالسة على سريرها مادة رجليها وهي لا تزال ترتدي عباءتها... ويبدو عليها النعاس الشديد... تراجعت للوراء وقلت:
    "أنا آسف ولكننا طرقنا الباب وناديناك مرارا فلم تردي".
    ولم أسمع لها ردا... فقلت:
    "هل كنت نائمة؟"
    فلم نرد... فعدت وأطللت برأسي نحو الداخل ورأيتها تتثاءب وهي شبه واعية فسألت:
    "هل شربت منوما أم ماذا؟؟"
    ولم ترد... قلقت وسألت:
    "هل أنت بخير؟"
    فأجابت أخيرا وهي تفرك عينيها:
    "أجل... أنا نعسى".
    وأمالت رأسها إلى الوسادة وأغمضت عينيها... انسحبت من الغرفة وأغلقت الباب وأنا أكرر اعتذاري...
    لاقاني أخي بنظرات استهجان فشرحت له:
    "داهمها الإغماء من قبل وشارفت على الموت... لم يبدو نومها طبيعيا مع كل ذلك الطرق والنداء".
    واتجهت إلى المطبخ وجلست على أحد المقعد أرخي أعصابي وعندما لحق بي أخي قلت:
    "ستكون الخادمة هنا غدا... وسأعمل على توظيف طاهية أيضا".
    قال سامر متجاوبا:
    "على ذكر الطعام أنا أتضور جوعا".
    واتصلنا بأحد المطاعم وطلبنا وجبة غنية تناولنا نصيبنا أنا وأخي منها فور وصولها.
    "أين سأنام؟"
    سأل خي ونحن على مائدة الطعام, فأجبت:
    "في أي غرفة تشاء... لكن الغرف بحاجة إلى تنظيف أولا وغرفتك السابقة ظلت مقفلة... استخدم غرفتي الليلة".
    قال:
    "وأنت؟"
    قلت:
    "أنام في غرفة المعيشة على مقربة من رغد.. فهي تخشى المبيت بمفردها في الطابق الأرضي".
    وفوجئت بأخي يرد:
    "إذن لا بأس. سأنام في غرفة المعيشة وابق أنت في غرفتك".
    وكتمت في صدري شيئا لم أشأ إخراجه ساعتها...
    ومع مرور الأيام بدأت تصرفات أخي تزعجني... فهو نصب نفسه مسؤولا أولا عن رغد وحل مكاني في رعايتها... كنا نتناوب في الذهاب للعمل والبقاء في المنزل مع رغد... وكنت أسهر كل ليلة لمتابعة العمل أولا بأول... ومع مطلع الأسبوع المقبل ستعود رغد إلى جامعتها وسيتولى هو إقلالها ذهابا وعودة... أما أنا فسأضطر للذهاب إلى المزرعة نهاية ها الأسبوع لأعالج مشاكلي مع أروى... والتي ترفض الحديث معي منذ ليلة العشاء الذي أفسدته قبل سفري...

    ***************************



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:10

    تتمــــــــــــــــــــه
    ***


    "إلى المزرعة؟!"
    شهقت مندهشة لما أعلمنا وليد عن نيته في الذهاب إلى المزرعة غدا... ورجحت أن يكون الهدف هو جلب الشقراء.
    لم أستطع شيئا وكتمت اعتراضي في داخلي... لا يهم إن كانت الشقراء ستأتي.. لا يهم إن كانت قد انتصرت علي.. المهم أن أبقى تحت سقف واحد مع وليد وأحظى برؤيته كل يوم... إنني رأيت الموت من دونه... وسأقبل بأي شيء لقاء أن أظل على مقربة منه ويظل طيفه يجول من حولي...
    ومنذ أن أخبرنا بالخبر وأنا واقفة على أعصاب مشدودة في انتظار ما ستسفر عنه سفرته هذه...
    لم يكن وليد يجالسني أو يتحدث معي إلا بكلام عابر... وكان يقضي معظم الوقت في مكتبه يعمل.
    كنت سأجن لو أنه لم يحضرني معه... لم تكن شمس النهار التالي لتطلع علي وبي عقل... بعد مقابلته البليدة عند بوابة منزل خالتي...
    على فكرة... نظارته الشمسية أصبحت ملكي الآن!
    اليوم ستزورني مرح وتجلب معها بعض المحاضرات الهامة لأطلع عليها... سأعود للجامعة قريبا وأشغل وقتي في الدراسة من جديد... وأبعد عن رأسي التفكير في الشقراء...
    الساعة الآن الواحدة ظهرا ونحن -أنا وسامر- نتناول طعام الغداء في المطبخ... ووليد في عمله...
    "ما بك يا رغد؟؟ فيم أنت شاردة؟؟"
    سألني سامر وهو يرى يدي تقلب الحساء بالملعقة طويلا... دون أن أرشف منه شيئا...
    قلت تلقائيا:
    "هل تظن أنه سيحضرها معه؟؟"
    فرد سامر:
    "أظن ذلك, وهذا شأنهما".
    فازداد توتري... فقال سامر:
    "من الطبيعي أن يجلب زوجته معه يا رغد".
    تناولت رشفة من الحساء بلعتها ولم أشعر بطعمها... ثم قلت:
    "المهم.. أن تقبل بوجودي.. لأن وليد.. فيما لو رفضت.. سيعيدني إلى خالتي".
    فاستغرب سامر وقال:
    "وما علاقة هذا بك؟؟"
    قلت:
    "إنها لا تريد أن أعيش معهما".
    "أهكذا؟"
    نعم. لأن الانسجام بيني وبينها مستحيل.."
    تجلى على سامر بعض التردد ثم تجرأ وسأل:
    "هل تدرك هي أنك..."
    طأطأت رأسي ونظرت إلى وعاء الحساء الموضوع أمامي حرجا... ففهم سامر إجابتي... سامر يفهمني جيدا... وهو دائما معي صريح ومباشر... ليس فيه الغموض ولا ينشر الحيرة والتساؤل والذهول أينما حل... كما هو وليد...
    قال بعد صمت قصير:
    "إذن وليد يعرف... الآن تأكدت".
    فرفعت بصري إليه وسألت:
    "يعرف ماذا؟؟"
    فهوى ببصره إلى أطباق طعامه وتظاهر بالانشغال بتقطيع قطعة اللحم... وقال:
    "أنك تحبينه".
    شددت على يدي وفارت الدماء في وجهي وأبعدت نظري عن عيني سامر وقلت بصوت ضعيف:
    "أأأأ... لا... ليس كذلك".
    وأمسكت بطرف مفرش مائدة الطعام وأخذت أشد وأرخي فيه باضطراب...
    سامر وضع قطعة اللحم في فمه وراح يمضغها ثم بلعها وقال:
    "بل يعرف".
    فرفعت بصري إليه باهتمام فوجدته يرفع كأس العصير ويشرب جرعة منه... متظاهرا بالبرود...
    قلت:
    "كيف؟"
    قال وهو يتابع تناول طعامه:
    "ليس بهذا الغباء".
    وأحسست بقلبي يخفق بقوة... هل يمكن أن يكون وليد... قد اكتشف أنني أحبه.. أكثر من حب ابنة لأبيها؟؟
    وفيما أنا شاردة في تفكيري سمعت سامر يقول بجدية:
    "لكن ذلك لن يغير شيئا يا رغد... وليد رجل متزوج ويكبرك بعشر سنين.. ولا أظنه يعتبرك إلا ابنة أو أخت صغيرة يتيمة تكفل برعايتها".
    فقدت شهيتي للطعام فجأة وتوجم وجهي حزنا... ولاحظ سامر التغيرات التي اعترتني فوضع شوكته جانبا وخاطبني بنبرة أكثر جدية وواقعية:
    "يا رغد... ستستفيقين يوما وتدركين أين كنت تتخبطين... لكنني لا أريد أن تصابي بصدمة قاسية.. فكري مليا في وضعك... وقيمي الأشياء تقييما عقلانيا وليس عاطفيا... ماهي نهاية حب رجل مرتبط بفتاة أخرى لا يملك أي سبب ليتخلى عنها؟ ولا أي دافع ليفكر في غيرها".
    أصبت بعسر هضم وتلوت معدتي... ورفعت عيني بانكسار وأبرزت يدي على المائدة وقلت:
    "حتى لو تزوجها... سأبقى معه... تحت وصايته".
    قال:
    "ستكبرين يوما... ولن تحتجي وصيا... وهو سيتزوج ويكرس جهده لعائلته الجديدة.. هذا هو المسار الطبيعي للحياة".
    قلت بشء من الاتفعال:
    "وأنا؟؟"
    فصمت سامر... ثم قال:
    "أنت أيضا... ستتزوجين وتعيشين حياتك... مع من يستحقك ويقدرك".
    وتبادلنا نظرات عميقة... ثم قال:
    "القرار بيدك".
    فأخذت أنظر إلى يدي... أتأمل راحتيهما... والخطوط التي تملأهما... وكأنني أفتش عن القرار بينهما... وأراهما خاليتين جوفاوين... لا تحملان شيئا...
    مددتهما نحو سامر أريه باطنهما الأجوف وأنا أقول:
    "يداي لا تملكان شيئا".
    فمد سامر يده نحو يدي وقال:
    "ما في يدي هو ملكك".
    وكانت عيناه تحملقان بي تملؤهما المعاني العميقة...
    شعرت بمرارة في حلقي... كأنني تجرعت دواء مركزا... وانهارت تعبيرات وجهي أمام نظرات سامر فإذا بي أقول دون تفكير:
    "ألا زلت تحبني؟"
    وكانت إجابته بأن شد قبضة يده وأغمض عينيه كمن يعتصر ألما...
    نعم يحبني... أعرف ذلك... كان مهوسا بي... يغمرني بلطفه ويمطرني بهداياه ويغلفني بعواطفه...
    لم يكن خطيبي فقط... كان أخي وصديقي المقرب... وكان يشاركني كل شيء... ولم أشعر يوما وهو معي بأنني بحاجة لأي شيء...
    لماذا لا تزل تحبني يا سامر... بعد ما فعلته بك...؟؟
    آه...كم يؤلمني قلبي... كم يقرصني ضميري... كم أنا أنانية... كم أنا حزينة من أجلك...
    رفعت رأسي أريد أن أرمي به إلى الوراء لعل الأحزان تتساقط منه... فإذا بعيني تقعان فجأة على وليد...
    جفلت وسحبت يدي نحو صدري أمسك نفسي الذي انحشر فجأة في شعيباتي الهوائية إثر ظهور وليد المباغت... و
    أحس سامر بحركتي السريعة ففتح عينيه والتفت إلى الوراء... إلى الباب... فوجد وليد يقف هناك...
    "أهلا وليد... كيف كان يومك؟"
    بادر سامر بالسؤال فرد وليد:
    "كان حافلا جدا".
    قال سامر:
    "قرصنا الجوع فشرعنا بالأكل قبلك".
    رد وليد:
    "بالهناء والعافية".
    وتوجه نحو المغسل فغسل يديه وأقبل واتخذ مقعدا... على رأس المائدة...
    قال:
    "ماذا لدينا اليوم؟"
    فأجاب سامر متظاهرا بالمرح:
    "مشويات طلبناها من مطعم... وحساء أعدته رغد".
    فطأطأت رأسي خجلا من الحساء المتواضع الذي أعددته...
    وبدأ وليد يعد أطباقه وسكب لنفسه شيئا من الحساء... وأخذ يرتشفه... ولم ينطق بأي تعليق...
    وسامر عاد يتناول طعامه ويطرح على وليد الأسئلة حول العمل... حيث إنه سيذهب بعد قليل... ويجيب وليد أجوبة مختصرة... إلى أن سمعته يقول:
    "لم لا تأكلين؟"
    انتبهت على سؤاله فرفعت رأسي ونظرت إليه نظرة سريعة ثم أخفضت رأسي وأجبت بصوت خافت:
    "اكتفيت الحمدلله".
    وأمسكت بعكازي الموضوع إلى جواري وقمت عن المائدة...
    سامر قال:
    "لم تأكلي شيئا رغد".
    فقلت:
    "الحمد لله".
    وسرت متجهة إلى الباب... فاستوقفني صوت وليد يقول:
    "على فكرة هل لديك استعداد لزيارة الطبيب اليوم".
    فتذكرت صديقتي مرح وقلت وأنا لا أجرؤ على رفع بصري إليه:
    "اليوم؟ أأأأ ستأتي مرح لزيارتي".
    فقال:
    "ماذا عن بعد الغد أو بعده؟"
    فأجبت:
    "بعد الغد..."
    فقال:
    "لا بأس".
    ثم تابعت طريقي إلى غرفتي...
    وقبل مجيء مرح ذهبت إلى المطبخ لأحضر بعض أطباق المكسرات والحلويات...
    وشيئا من العصير... وفيما أنا أحمل الصينية بيدي اليمنى بينما تمسك يدي اليسرى بالعكاز... اختل توازن الصينية فوقعت أرضا وتحطم الكأسان الزجاجيان محدثين جلبة كبيرة... وتبعثرت الأطباق والمحتويات على مساحة كبيرة...
    "أوه... هذا ما كان ينقصني!"
    تذمرت بصوت غاضب... ثم جثوت على الأرض بحذر ألتقط شظايا الزجاج والطعام المبعثر...
    "ماذا حصل؟"
    التفت بسرعة نجو مصدر الصوت... وجدته واقفا عند الباب والقلق يخطو نتوءا على جبينه ويحفر مابين حاجبيه... ثم اقترب مني وسأل:
    "هل انزلقت؟؟ هل أنت بخير؟"
    سحبت نظراتي عنه وسلطتها بخنوع نحو الشظايا وأجبت هامسة:
    "أوقعت هذا من يدي".
    ورأيت ظله ينعكس على الأرضية الملساء... ثم رأيت يده تظهر من الفضاء وتهبط على الشظايا وتلملمها...
    جمع قطع الزجاج الكبيرة والطعام في الصينية وانغمست أنا في التقاط الأشلاء الصغيرة وإذا به يرفع الصينية ويقول:
    "دعيها عنك".
    فنهضت مستندة على عكازي ورأيته يتجه نحو المكنسة الكهربائية فشعرت بالحرج وتقدمت خطوتين وأنا أقول:
    "أنا سأنظفها".
    فالتفت إلي وقال:
    "لا عليك... احذري أن تدوسي عليها".
    وقد كنت حافية القدم اليمنى, أما الآخرى فمجبرة كما تعلمون...
    عكف وليد على تنظيف الأرضية بحذر من أي شظايا ممكنة... وعكفت عيناي على مراقبته بكل عناية... فهما قد حرمتا من رؤيته أسابيع طويلة ولم ترتويا بمرآه بعد...
    لما فرغ من مهمته استدرت بسرعة نحو الدواليب وتظاهرت بأنني أستخرج كأسين آخرين وأطباق جديدة... وسمعته يقول:
    ""دعيني أساعدك"
    وتولى بنفسه تحضير كل شيء ثم حمل الصينية إلى العربة ثم سأل:
    "أين ستستقبلينها؟"
    أجبت:
    "في غرفة الضيوف الرئيسية".
    فقاد العربة إلى هناك ثم عاد وسأل:
    "شيء آخر؟؟"
    فأخفضت رأسي وابتسمت وقلت:
    "شكرا لك".
    فرد:
    "العفو... صغيرتي".
    رفعت إليه بصري بسرعة... هل قال صغيرتي؟؟ هل ناداني بصغيرتي من جديد؟؟ أخيرا حن علي؟؟ هل صفح عني ورضا علي؟؟
    حاولت أن أقرأ شيئا في عينيه لكنه استدار منصرفا وهو يقول:
    "إذا احتجتني فناديني".
    بعد ذلك ذهبت إلى غرفتي قريرة العين... ونظرت إلى وجهي في المرآة... فوجدته متوهجا...
    نزعت وشاحي وأطلقت سراح شعري السجين... إن لدي ضيفة مقربة وأنا لا أريد أن أستقبلها كما في الزيارة السابقة! أتذكرون؟؟ الشقراء في قمة الأناقة وأزهى الألوان...
    وأنا خلف السواد وتحت الجبائر!
    وأردت التزين ولكنني لم أملك شيئا في هذه الغرفة! لا حلي ولا مساحيق ولا ملابس تليق باستقبال ضيوف مقربين!
    "أوه... ما هذا الحظ العاثر! كيف سأصعد الآن إلى غرفتي... وكيف سأهبط!؟"
    لا!
    لا تذهبو بأفكاركم إلى الجحيم! هل تظنون أنني سأطلب هذا من وليد؟؟
    في غرفة الضيوف استقبلت ضيفتي بعباءتي ووشاحي... وكأنني لست من أصحاب المنزل... وكان وليد هو الذي فتح لها الباب وقادها إلى الغرفة.
    "واو! ما هذه الأناقة يارغد؟؟ تبدين مذهلة!"
    قالت مرح مازحة وهي تتأملني, فأجبت وأنا أرفع رأسي وحاجباي وأغمض عيني مفتعلة المكابرة المازحة:
    "لا تحاولي مضاهاتي! احترقي غيرة!"
    وضحكنا مرحتين. وحقيقة اعتادت مرح وجميع الزميلات على رؤيتي بمظهر رسمي عادي... في الجامعة لم أكن أرتدي غير الملابس الرسمية ولم أكن أضع أي مساحيق أو حلي كما تفعل هي ومعظم الطالبات... بعضهن يحملن عدة التزين معهن عوضا عن الكتب!
    أما أنا فلم أتزين منذ أن.... سافر والدي للحج... العام الماضي... ولم يعودا... وكما تعلمون بقيت في منزلنا في المدينة الصناعية تحت مرأى وليد إلى أن احترق المنزل... ثم عشت في شقة سامر إلى أن بلغنا مقتل الحبيبين رحمهما الله... وانتقلت بعدها إلى مزرعة الشقراء... ثم إلى هنا... ثم إلى منزل خالتي... كالمشردة الضائعة بلا مأوى...مغلفة بسواد عباءتي...
    لاحظت مرح شرودي فقالت:
    "ابتسمي وأريني جمالك الحقيقي".
    فابتسمت بعفوية فقالت:
    "رائعة جدا! ستبهرينه بالتأكيد!".
    تقوس حاجباي استغرابا وسألت:
    "أبهر من؟".
    فضحكت مرح ثم قالت:
    "الرجل الذي ستتزوجينه ذات يوم..."
    آه! يا لأفكارك السخيفة!
    أما هي فتابعت:
    "فنانة.. جميلة... خلوقة ومن عائلة راقية.. وابنة مليونير كبير!... سينبهر حتما".
    قرصت يدها قرصة خفيفة وقلت:
    "دعك من هذا... أخبريني كيف هي الجامعة؟ والزميلات؟؟"
    وأخبرتني بعدة أمور كان أكثر ما أثار اهتمامي هو المعرض الفني الذي يقام حاليا في إحدى القاعات, بإشراف شقيقها, والذي شاركت هي فيه ببعض لوحاتها. وأعلمتني بأنها ومجموعة من زميلاتنا قد اتفقن على حضوره يوم الغد, اليوم الأخير للمعرض.
    وكانت مرح قد سبق وأن أخبرتني عن المعرض عندما كنت راقدة في المستشفى...
    قلت:
    "غدا آخر يوم؟"
    فأجابت:
    "نعم".
    قلت:
    "يا للخسارة! كم تمنيت الحضور".
    فقالت وقد لمعت فكرة في عينيها:
    "ولم لا رغد؟ تعالي معنا فكلنا سنذهب غدا ونقضي وقتا رائعا".
    قلت وأنا أشير إلى عكازي:
    "وهذا".
    فقالت:
    "وما المانع؟ ألست تستطيعين السير؟؟ لا تفوتي فرصة كهذه رغد".
    وكبرت الفكرة في رأسي بسرعة.. وشجعتني مرح حتى آمنت بها وقررت الذهاب!

    **************************
    عاد شقيقي مساء يحمل معه عشاء من أحد المطاعم وكيسا يحوي معتبرة من كرات البوظة المختلفة الأنواع قال عنها:
    "وهذه لرغد! ستدهشها".
    وذهب مباشرة ليريها إياها... ولأن المطبخ قريب من غرفة رغد فمن السهل سماع أي حوار يدور عند الباب...
    كانت مسرورة.. وسمعت ضحكتها وضحكة سامر تنطلقان بمرح وتطرقان أذني بتحدي..
    تجاهلت ذلك وخدرت أعصابي لتمر الليلة بسلام.
    وقبل أن آوي إلى فراشي باكرا عاودت الاتصال بالمزرعة وتفقد أحوال أروى والعم إلياس.. وقد رفضت أروى التحدث معي وطلب عمي مني الحضور لحل المشكلة...
    فأخبرته بأنني سأعود نههاية الأسبوع كما خططت.
    أويت إلى فراشي وبعد منتصف الليل استيقضت بسبب ألم في معدتي.. ذهبت إلى المطبخ لأتناول دوائي وأشرب الماء وسمعت صوت التلفاز في غرفة المعيشة.. وتوقعت أن يكون أخي قد نام تاركا الجهاز مشغلا وذهبت بقصد إيقافه وفوجئت حين أطللت برأسي فرأيت أخي ورغد يشاهدان التلفاز معا... ويلتهمان البوظة...
    قال سامر حين رآني:
    "ألم تنم بعد؟"
    والأجدر أن أطرح أنا هذا السؤال... قلت:
    "بلى, نهضت لأشرب ماء.. ولكن لم أنتما ساهرين للآن؟"
    فرد:
    "نشاهد فيلما ممتعا... ثم إننا لن ننهض باكرا مثلك!"
    ولم أجد أي تعليق أعقب به... فانسحبت وعدت إلى فراشي...
    لكن معدتي شاءت تعذيبي ساعة من الزمن حتى هدأت... وسلمتني للأفكار والهواجس.. تلعب بي بقية الليل...
    كان لدي عمل كثير ومهم جدا في اليوم التالي.. عدت ظهرا من الشركة فيما ذهب شقيقي إليها.
    اعتكفت في مكتبي لإنجاز أمور ضرورية.. ودعوت أحد الموظفين المسؤولين لزيارتي في المنزل وإتمام العمل معي..
    وفيما أنا في قمة الانشغال طرق الباب وأجبت الطارق.. فكان رغد..

    **********************

    بعد أن اتصلت بي مرح تؤكد علي الذهاب للمعرض لم أستطع مقاومة رغبتي في ذلك فاستجمعت جرأتي وأتيت إلى وليد وأخبرته بذلك..
    كان يجلس خلف المكتب وأمامه الكثير من الأوراق والملفات إضافة إلى حاسوبه الخاص والهاتف.. بدا مشغولا جدا وربما لن يوافق..
    نظر إلي وليد باستغراب وقال:
    "كيف يا رغد! وإصابتك؟"
    قلت:
    "سأسير بعكازي".
    قال:
    "ألن يكون هذا شاقا؟"
    قلت مبررة:
    "لن أضطر للمشي كثيرا... ستساعدني مرح إن احتجت..."
    ولم يظهر عليه الاقتناع فقلت بنبرة رجاء:
    "لا أود تفويت الفرصة... مجموعة من صديقاتي وزميلاتي اتفقن على الذهاب اليوم وسيمضين وقتا ممتعا. أريد مشاركتهن.. والتفرج على اللوحات الرائعة... سأمر ولو لنصف ساعة..."
    نظرت إليه مستشفية رأيه... كان الاعتراض جليا على وجهه... وسمعته يقول:
    "إذا كان ولا بد, فأجلي الفكرة إلى الغد. إن ضيفا سيزورني هذا اليوم ولا يمكنني الخروج معك".
    قلت:
    "لكنه آخر الأيام".
    فقال وهو يعود للتحديق في شاشة حاسوبه:
    "إذن انسي الأمر".
    شعرت بالحزن والحنق... ووقفت في مكاني منكسرة.. ثم قلت مستدرة موافقته:
    "أنا لم أخرج من البيت منذ زمن... منذ إصابتي... أريد أن أغير الجو قليلا".
    فالتفت وليد نحوي... وقال:
    "أنا مشغول جدا اليوم يا رغد".
    قلت مباشرة:
    "سأذهب مع مرح".وسكت وليد فتابعت:
    "أخبرتني بأنها تستطيع اصطحابي. سترافقها إحدى شقيقاتها والأستاذ عارف ذاته هو الذي سيقلنا بسيارته".
    وكما يظهر لم يستسغ وليد الفكرة... أطرق برأسه قليلا ثم قال أخيرا:
    "لا أرها فكرة حسنة من البداية. لم لا تصرفين النظر عنها وتستغلين وقتك في الدراسة؟؟"
    وبهذا أنهى الحوار وعاد لحاسوبه.
    أحسست بالحسرة!... وخرجت من كتبه أجر أذيال الخيبة.

    إنني سجينة المنزل منذ أن وقعت من أعلى السلم... وآخر مرة رأيت فيها العالم كانت ليلة نزهتنا أنا وهو قبيل الحادث.
    ذهبت إلى المطبخ وأنا مكسورة الخاطر واتصلت بصديقتي مرح وأخبرتها بعدم تمكني من الذهاب, وأنا أعتصر حسرة!
    مضت فترة ووليد مشغول في مكتبه وعند الرابعة عصرا وفيما أنا جالسة عند المائدة أتصفح بعض المجلات وألتهم البوظة, سمعته يتنحنح.
    التفت إلى ناحية الباب ووجدته يقف هناك ويهم بالدخول...
    دخل وليد ولمح المجلات بين يدي فقال:
    "أليس أجدر بك تصفح كتبك؟! لقد فاتك الكثير يا رغد! شدي همتك".
    انزعجت من نصيحته رغم كونها قيمة, فقط لأنني مستاءة من رفضه لطلبي. وقلت:
    "حاضر. سلأفعل ذلك".
    وربما فهم التذمر في ردي لكنه تجاهله, واتجه إلى الموقد وأخذ يعد الشاي...
    فرغت من التهام كرة البوظة ورغبت في المزيد.. فاتجهت إلى الثلاجة واستخرجت كرة أخرى فإذا بي أسمع وليد يقول:
    "لا تكثري من تناول البوظة... ستمرضين".
    فشعرت بالحرج وأعدت البوظة إلى مكانها... ثم حملت مجلاتي وغادرت المطبخ متجهة إلى غرفة المعيشة.. وشغلت التلفاز وجعلت أقلب القنوات بملل... لحظات وإذا بوليد يقف عند الباب ويقول:
    "دعك من التلفاز يا رغد.. ستعودين الأسبوع المقبل إلى الجامعة.. لم لا تراجعين دروسك؟"
    أحسست بالضيق.. فأغلقت التلفاز ونهضت أريد العودة إلى غرفتي.. وعندما اقتربت من الباب قال:
    "ولا تسهري في الليل وتفسدي نومك وصحتك... لا زلت صغيرة على ذلك".
    ما به وليد؟؟ لماذا يعاملني هكذا اليوم؟؟
    التفت إليه منزعجة وقلت:
    "حاضر... أي أوامر أخرى؟؟؟"
    ولم يتنحى عن طريقي فرفعت بصري إليه ورأيته يحملق بي...
    قال:
    "أنا لا آمرك يا رغد... أنا أنصحك".
    وهل تراني طفلة ضالة أو غبية؟؟ قلت:
    "حاضر.. كما تأمر.. أو كما تنصح.. أنت الوصي وأنت السيد هنا.. هل تأذن لي بالانصراف الآن؟"
    وليد صفق راحة يسراه بقبضته اليمنى... تعبيرا من استيائه من ردي... ثم خطا خطوة باتجاهي وقد أظهر اهتمامه بتذمري أخيرا وقال:
    "ما الأمر يا رغد؟"
    فلم أرد.
    "لم كل هذا الحنق؟ ألا ترحبين بنصيحة ممن يفوقك سنا وحكمة؟"
    احمر وجهي ونظرت إليه وقلت:
    "بلى... أقدر لك اهتمامك وشكرا".
    انتقل الاحمرار إلى وجه وليد الذي قال:
    "لماذا تخاطبينني هكذا؟".
    فصمت برهة ثم قلت:
    "بأي طرقة تريدني أن أخاطبك؟ وجهني فأنا لم أعد أفهمك".
    رماني بنظرة قوية وسأل:
    "ماذا تعنين؟؟"
    قلت متخلية عن حذري:
    "أنت تغيرت علي.. وضح لي الطريقة التي تريد أن أتعامل بها معك من الآن فصاعدا.. فأنا أخشى أن أقدم على تصرف لا يعجبك فتغضب وتعاقبني بإرسالي إلى خالتي وحرماني من الدراسة".
    وإذا بوجه وليد يتحول من الاحمرار إلى السواد... وكأنه احترق.. وإذا بأوداجه تنتفخ حتى خشيت أن تتمزق...
    شعرت بالفزع وتراجعت للوراء... وهممت بأن أستدير وأولج الغرفة مبتعدة عنه...
    فإذا به يمد يده ويقبض على ذراعي ويقول:
    "إلى أين؟"
    فنظرت إليه نظرات خوف ممزوج برجاء... فقال:
    "كل هذا لأنني رفضت اصطحابك إلى المعرض؟"
    باغتني سؤاله وأربكني... ولم يعطني فرصة للإجابة بل واصل:
    "قلت لك إن لدي عمل مهم جدا أقوم به الآن".
    فنطقت بخوف:
    "انس الأمر... غيرت رأيي..."
    ولا بد أنه رأى الخوف في عيني... سحب يده ومرر أصابعه في شعره ثم إذا به يقول:
    "لتجدي الفرصة لإخبارهم بأن وليد... وصي صارم وفظ وجاف... لا يحسن معاملتك... ألست من أراد السفر معي؟؟"
    ذهلت من قوله أردت التكلم غير أنه قاطعني:
    "اذهبي حيثما تريدين... حتى لا تنعتوني بما هو أبشع... هيا يمكنك الذهاب الآن".
    واستدار خارجا من الغرفة... وأنا لا أزال في حالة الذهول... وعندما اختفى عن مآي... سرت بسرعة وأنا لأتبعه وأنا أقول:
    "لم أعد أرغب في ذلك".
    توقف وليد برهة موليا ظهره إلي... ثم استدار ونظر إلي بحدة ثم قال:
    "بل اذهبي... الصداع ونشب... والجدال حصل... فلا تزيدي الأمر إضراما على صفر النتيجة".
    واستدار وولى...

    *************************

    عدت إلى مكتبي وانخرطت في عملي بأقصى تركيز ممكن, محاولا طرد رغد من رأسي تلك الساعة... وبعد قليل سمعتها تقبل إلى الغرفة وهي تقول:
    "أنا جاهزة".
    وكان وجهها مسترخيا... غير الوجه الذي فارقتني عليه قبل قليل... أرخيت عضلات وجهي وقلت بهدوء:
    "حسنا. انتبهي لنفسك".
    وانكببت على حاسوبي وأوراقي أواصل العمل, وأحسست بها لا تزال واقفة عند الباب...
    رفعت إليها رأسي فرأيتها تنظر إلي...
    قلت:
    "خيرا؟"
    قالت بتردد:
    "هل سترافقني؟؟"
    استغربت وحدقت فيها متعجبا...! ألم تقل إنها ستذهب مع صديقتها؟؟
    قلت:
    "أرافقك..؟"
    وردت بإيماءة من رأسها...
    لكن...!
    آه فهمت... لا بد أنها تقصد أن أرافقها إلى البوابة, لأفتح الأبواب في طريقها... وأساعدها في الصعود وهبوط العتبات...
    وقفت وأشرت إليها بيدي:
    "تفضلي".
    غير أنها لم تتزحزح عن موضعها... أطرقت برأسي تعجبا... فقالت متمة سؤالها:
    "أعني إلى المعرض؟"
    أصابتني الدهشة ووقفت أنظر إليها ثم قلت بحيرة:
    "إلى المعرض!؟"
    فأخفضت بصرها... فسألتها مستغربا:
    "هل قلت إنني سآخذك بنفسي إلى المعرض؟؟"
    أجابت وهي لا تزال مطأطئة برأسها نحو الأرض وعيناها بين صعود وهبوط:
    "ولكن... أنا... لا أريد الذهاب وحدي".
    مرت لحظة صامتة جدا... تلتها لحظة تبادل النظرات... تلتها لحظة تبادل الكلمات.
    قلت:
    "أليست صديقتك معك؟"
    قالت:
    "بلى... إنما..."
    قلت:
    "ماذا؟"
    أجابت وصوتها يتحول إلى الهمس الحزين:
    "لا أستطيع الذهاب... بدونك".
    تنفست الصعداء بعمق شديد... متفهما موقف رغد... وخوفها غير الطبيعي من زيارة الأماكن الغريبة بدون أهلها... وهذه عقدة نفسية خاجة عن سيطرتها...
    ورغد أحست بأنني أقرأ ما بداخلها فبقيت صامتة لحظة... ثم نظرت إلي وطلبت برجاء:
    "هل ترافقني؟"
    رجاؤها صفع قلبي... ولكن ما باليد حيلة... وخروجي صعب جدا ولدي أعمال ملحة وضيف مرتقب...
    قلت بصوت جعلته حنونا قدر الإمكان:
    "لا أستطيع. أنا آسف... أخبرتك بأنني أنتظر ضيفا... سيأتي بعد قليل".
    ثم قلت مشجعا:
    "صديقاتك هناك... لن تشعري بالغربة... اذهبي في رعاية الله".
    التردد تفاقم بسرعة على وجه رغد... يصحبه الحزن والخيبة... ورن هاتفها المحمول... فألقت نظرة على الشاشة ثم نظرت إلي وقالت:
    "مرح وصلت".
    وظلت تنتظر مني ردا لبضع ثوان, ثم اتخذت قرارها فجأة:
    "سأعتذر لها... لن أذهب".
    فوجئت... قلت بسرعة قبل أن تجيب:
    "انتظري!"
    أنا أستسلم...
    إنني لا أستطيع أن يكون لي موقف غير هذا.. رغد أنت دائما تنتصرين..
    "سأرافقك... لكن لنص ساعة فقط... لا أكثر".

    ****************************

    وذهبنا إلى المعرض... بالطبع أقلني وليد بسيارته... وسرنا خلف سيارة شقيق مرح.
    في القاعة التقيت بمجموعة من زميلاتي اللواتي رحبن بي بحرارة وعبرن عن شوقهن إلي وتمنين لي الشفاء العاجل...
    قضيت برفقتهن ورفقت مرح وقتا أقل ما يمكن وصفي له بأنه مذهل... وإن كان قصير جدا!
    اللوحات التي كانت تحمل توقيع الأستاذ سامر, شقيق مرح... الفنان المعروف... كانت مبهرة جدا... وقفت عند إحداها مأسورة بروعتها...
    الفتيات سبقنني إلى اللوحات التالية وبقيت مرح إلى جواري...
    "أعجبتك كثيرا أليس كذلك؟؟"
    سألتني فأجبت وعيناي محملقتان في تناسق الألوان البديع في اللوحة:
    "ولا أجمل! تحفة!"
    سمعت مرح تقول:
    "أسمعتَ؟؟ تحفة!"
    والتفت إليها فإذا بي أراها توجه الخطاب إلى أحدهم, فيرد:
    "شهادة أعتز بها".
    نظرت إلى الشخص المتحدث في استغراب... ثم إلى مرح... فابتسمت الأخيرة وقالت:
    "المبدع الفنان الأستاذ عارف... شقيقي بكل فخر!"
    شعرت بالخجل... وطأطأت برأسي فأنا صغيرة جدا لأبدي شهادة في حق رسام فنان كبير ومعروف... ومرح أمسكت بذراعي وقالت بمرح:
    "وهذه رغد آل شاكر... منافستي الأولى في الجامعة! ابنة الملياردير السيد وليد شاكر... مدير مصنع وشركة آل بحري..."
    الأستاذ عارف قال:
    "تشرفنا... هل السيد وليد شاكر هنا؟؟"
    رفعت رأسي عن الأرض والتفت للخلف أفتش عن وليد. كان يتبعنا على بعد عدة أمتار... ويتفرج على اللوحات...
    حانت منه التفاتة نحونا ولما رآني أنظر إليه فهم أن في الأمر شيء ما... فسار مقتربا...
    مرح أومأت مشيرة إليه مخاطبة شقيقها:
    "هذا الشاب... هناك!"
    وشقيق مرح سار مبتعدا باتجاه وليد...
    التفت إلى مرح فإذا بها تراقب الاثنين وهما يلتقيان ويحيي كل منهما الآخر ويتعرفان على بعضهما البعض...
    قلت:
    "يبدو أن وليد لم يقابل شقيقك من ذي قبل".
    فأجابت:
    "أجل. وقد كان يتوق للتعرف إليه ولم تسنح له الفرصة بمرافقتنا ليلة العشاء في منزلكم".
    ثم وضعت إحدى يديها على خصرها ورفعت أحد حاجبيها وأخفضت الآخر وقالت:
    "أطول منه بعشرين سنتيمترا وفقا لتقديري!"
    هنا أقبلت زميلاتنا نحونا وسألن مازحات:
    "لم توقفتما هنا؟؟ تعالا واسمعا تعليقاتنا حول لوحات الفنانة المعجزة مرح أسامة!"
    وأخذنا نضحك بسرور... ثم إذا بمرح تقول:
    "بنات... انظرن... هذا هو أبو رغد".
    وهي تومىء نحو وليد!
    إحداهن سألت:
    "أين؟"
    فردت مرح:
    "الذي يتحدث مع أخي!"
    واتجهت أنظارهن إلى وليد! بعضهن أطلقن تعليقات عدم التصديق, وبعضهن لم يكترثن, والبعض الآخر لسعنه بأعينهن فيما أخريات مبهورات بالفنان عارف أكثر من لوحاته...!
    أما مرح فقد قربت فمها من أذني وهمست:
    "أكثر وسامة وجاذبية من أخي! لكن عارف ذو شعبية كبيرة وكلهن مأسورات بفنه!"
    ثم ضحكت وأمسكت بذراعي وتابعنا التقدم نحو لوحاتها...
    وبعد قليل وفيما كنا منشغلات بتأمل لوحات مرح والتعليق عليها سمعت صوت وليد مقبلا من الخلف يتنحنح ويقول:
    "معذرة".
    التفتنا جميعا للوراء... ورأيته يقف على مقربة وينظر إلي ويشير إلى ساعة يده...
    نظرت إلى ساعة يدي فإذا بها الخامسة والنصف... لقد مر الوقت سريعا جدا وأنا لم أنهِ بعد جولتي على بقية اللوحات!
    ابتعد وليد عدة خطوات, ووجهت خطابي إلى زميلاتي:
    "يؤسفني أنني مضطرة للمغادرة الآن!"
    أبدين احتجاجهن ودعونني للمكوث فترة أطول... وكنت أرغب في ذلكولكن...
    أخيرا شكرت زميلاتي وودعتهن وسرت نحو وليد...
    ونحن نغادر مررنا بالأستاذ عارف الذي ودعنا وشكرنا بشكل شخصي على زيارة المعرض...
    عندما عدنا إلى المنزل أردت أن أسهب في شكر وليد وأعتذر على إزعاجه غير أنه كان على عجل من أمره ودخل مكتبه وما هي دقائق إلا حتى أتاه الضيف...
    **********

    قـــــــــراءه ممتعــــــــــــه



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:11

    الحلقة الثامنـــة والأربعون

    طريــــق الهـــلاك

    رتبت للسفر إلى الشمال من جديد في يوم الغد, الخميس على أن أعود ليلة السبت.
    كان لا بد من العودة إلى أروى وحل المشاكل العظمى معها.. وقد كنت مداوما على الاتصال بالمزرعة غير أنها تهربت من مكالماتي ولم يصف لي عمي إلياس عنها حالا مطمئنة.
    وصلت الخادمة إلى منزلنا هذا الصباح وسأكون مطمئنا للسفر وتركها للعناية برغد, مع أخي.
    الانسجام التام يسود علاقتهما والمسافة بينهما تصغر... وأجد نفسي مضطرا لتقبل الوضع إذ لا خيار أفضل عندي...
    "أخيرا انتهينا".
    قلت وأنا أغلق آخر الملفات خاتما عمل هذا اليوم, والذي كان طويلا مرهقا...
    ابتسم السيد أسامة وقال:
    "أعطاك الله العافية".
    "عفاك الله, شكرا على جهودك".
    شد السيد أسامة ابتسامته وقال:
    "لا شكر على واجب".
    ثم قال:
    "بهذا نكون قد انتهينا من هذا المشروع على خير ولله الحمد. هل بقي شيء؟"
    فأجبت:
    "لا. ولا أريد أن نبدأ عملا جديدا قبل أسبوعين على الأقل. أريد أن أسترخي قليلا".
    فقال:
    "أراحك الله. إذن.. ليس لديك عمل شاغر هذا المساء".
    قلت:
    "سأنعم بنوم طويل وهانيء يريحني قبل السفر".
    فقد كنت خلال الأسبوع الماضي أعمل ليلا ونهارا... وأسهر حتى ساعة متأخرة على حاسوبي وبين وثائقي. كان أسبوعا حافلا جدا.
    قال السيد أسامة:
    "هل يناسبك أن أزورك الليلة؟"
    فنظرت إليه.. وابتسمت وقلت:
    "مرحبا بك في كل وقت.. تشرفنا أنّى حللت".
    فقال:
    "الشرف لنا يا سيد وليد. شكرا لك. إذن سنزورك أنا وأخي".
    قلت:
    "على الرحب والسعة".
    وعندما عدت إلى المنزل أخبرت شقيقي عن الضيوف وطلبت منه العودة باكرا ليستضيفهم معي.
    وفي العصر اصطحبت رغد إلى الطبيب الذي كان يشرف على علاجها قبل سفرها إلى الشمال.. فأعطانا موعدا لنزع الجبيرة بعد نحو أسبوع.
    وفي المساء حضر السيد أسامة مع السيد يونس, يرافقهما الأستاذ عارف,ابن أسامة الأكبر, والذي تعرفت إليه في المعرض الفني يوم أمس.
    قضينا مع الضيوف وقتا طيبا تجاذبنا فيه الأحاديث الممتعة وتبادلنا التعارف أكثر وأكثر.. وقد سر الأستاذ عارف كثيرا عندما اكتشف معرفته المسبقة بسامر ولم يكن قد ميزه مباشرة لأن أخي قد أجر عملية تجميل في عينه اليمنى, والتي كانت مشوهة منذ الطفولة.
    وجيء بذكر المعرض الفني الذي انتهى يوم أمس وعلق سامر بأنه سمع لأن لوحات الأستاذ عارف كانت مذهلة. واتخذ الحديث مجراه حول المعرض ومهارة الرسام عارف وكيف يعلم طلبته في المدرسة وكيف هي علاقته بهم وبزملائه المدرسين والفنانين وبأصدقائه ومعارفه وما إلى ذلك..
    حتى خشيت أن يكون الأستاذ مصابا بداء الغرور أو أن أباه وعمه مولعان به لأقصى حد!
    دار الحديث عن عارف وك
    أنه نجم السهرة! لم أجد تفسيرا لهذا الاستعراض الغريب إلى أن فوجئت بالسيد أسامة يقول:
    "سيكون من دواعي سرورنا وتشرفنا أن نناسبكم".
    دقت نواقيس الخطر في رأسي فجأة... حملقت في السيد أسامة بذهول... ثم التفت إلى شقيقي فرأيته لا يقل ذهولا عني... ارتبكت ولم أعرف إلى أين أرسل نظراتي... وإذا بي أسمع السيد يونس يقول:
    "يشرفنا أن نطلب يد كريمتكم لابننا الغالي عارف... عسى الله أن يوحد النصيب ويجعل البركة فيه".
    صعقت... ذهلت... شللت فجأة... غاب دماغي عن الوعي... وغشيت عيني سحابة سوداء داكنة حجبت عني رؤية أي شيء...
    مرت لحظة وأنا في حالة الذهول الشديد... لا أشعر بما يدور حولي... وسمعت صوت السيد أسامة بعدها يقول:
    "يبدو أن الموضوع فاجأك!"
    فاجأني فقط؟؟
    أتريد أن تفقدني صوابي؟؟
    كيف تجرؤ!! تخطب فتاتي مني؟؟ هل أنت مجنون؟؟ هل كلكم مجانين؟؟ ألا ترون؟؟ ألا تسمعون هؤلاء؟؟
    شددت على يدي وتمالكت أعصابي لئلا أنكب على الضيوف صفعا... عضضت على أسناني وجررت بضع كلمات من لساني أخرجتها عنوة:
    "أأ... فاجأتني جدا..."
    ثم سألت, في محاولة غبية لتفسير الموضوع على غير ما هو واضح:
    "مــــ... من تعني؟؟"
    تبادل السيدان أسامة ويونس النظرات ثم أجاب أولهنا:
    "كريمتكم.. ابنة عمك.. ليس لديكم غير ابنة عم واحدة على ما أعرف".
    التفت إلى أخي فوجدت الاحمرار يلطخ وجهه... كان صامتا متسمرا في مكانه, كتمثال شمعي يوشك على الذوبان...
    ما بك؟؟ ألا تسمع؟؟ ألا تعي؟؟ يريدون خطبة رغد مني!! هل أضحك؟؟ هل أصرخ؟؟
    قل شيئا... افعل شيئا...
    قال أسامة:
    "يبدو أن الفتاة لم تخبركما".
    وأضاف:
    "فابنتي قد حدثتها حسب علمي".
    وتابع:
    "وكنا نرغب في فتح الموضوع منذ زمن ولكن كريمتكم أصيبت وسافرت لفترة... أم عارف كانت ستزوركم لو كانت حرمكم هنا".
    وتكلم المحامي يونس قائلا:
    "أردنا أن نؤجل لحين حضورها بالسلامة لكن".
    ونظر إلى الأستاذ عارف وهو يبتسم متمما:
    "عارف ألح علينا الحضور الليلة!"
    فعقب عارف في خجل:
    "خير البر عاجله".
    كل هذا وأنا جامد في مكاني.. كالجبل...
    أحسست بالاختناق... ففتحت ربطة عنقي بعض الشيء وتحسست نحري... كان حار يسبح في العرق... زفرت آخر نفس جبته مع شهقة المفاجأة.. فخرج بخارا ساخنا من فرط اشتعالي..
    اهدأ يا وليد.. تمالك نفسك يا وليد.. هؤلاء.. المجانين.. لا يعرفون شيئا.. سايرهم على قدر فهمهم... واحترم كونهم ضيوفك.. اصبر إلى أن يغادروا.. ثم انسف المنزل بمن فيه..
    قال السيد أسامة مستدركا ردي:
    "نقول على بركة الله".
    أي مبروك يا هذا؟ أمسك لسانك وإلا...
    وأمسكت أنا بلساني وقلت:
    "على رسلك.. الموضوع مفاجىءو... لم أستوعب بعد".
    فقال المحامي يونس:
    "خذوا وقتكم... الشاب كتاب مفتوح واسألوا عنه من تشاءون. وسنكون غاية في السرور إذا ما توافق النصيب وارتبطت العائلتان بهذا النسب المشرف".
    ثم تمتم هو وأخوه وابنه بكلام لم يجد في ذاكرتي متسع لتخزينه فضلا عن سماعه أصلا... وأخيرا شكرونا على حسن الضيافة, واستأذنو منصرفين...
    غادر الضيوف.. مخلفين خلفهم صمتا موحشا...
    مرت الدقيقة تلو الأخرى.. ونحن.. أنا وشقيقي في حالة تيه وتشتت... كان أحدنا يلقي بنظره على الآخر بين الفنية والفنية.. منتظرا منه أي تعليق, ولا تعليق...
    أخيرا سمعنا صوت حركة في المنزل.. تحديدا... كان صوت اصطفاق عكاز رغد بالأرضية الرخامية.. وكان الصوت يقترب منا.. حتى توقف.. عند الباب.
    التفتنا إلى الباب مترقبين ظهور وجه رغد... فسمعنا صوتها يقول:
    "هل أدخل؟"
    ولم يجب أيّنا... ثم سمعناها تنادي باسمينا.. ولا من مجيب, فقد أكلت الصدمة لسانينا...
    ربما شكت رغد في وجود أحد في الغرفة فأطلت برأسها بحذر واندهشت حين رأتنا نحن الاثنين جالسين في الداخل, واجمين وكأن على رؤوسنا الطير...
    قالت:
    "ماذا هناك؟؟"
    تبادلنا النظرات أنا وأخي, ثم تجرأ لساني ونطق:
    "لا شيء..."
    لكن رغد وهي تحملق فينا أحست بأن في الأمر شيئا...
    أو ربما كانت تعرف أصلا ماذا هناك, وتتظاهر بالجهل...
    ألم يقل أسامة أن ابنته أخبرتها؟؟
    قلت:
    "تفضلي رغد".
    فسارت بتردد حتى جلست على أحد المقاعد.. ونقلت بصرها بيننا ثم سألت:
    "هل حصل شيء؟؟ لا تبدوان طبيعيين؟!"
    وهل تتوقعين مني أن أبدو طبيعيا.. وقد غادر المنزل خاطب لك قبل قليل؟؟ لماذا يارغد؟؟ لماذا تفعلين هذا بي؟؟ لماذا أنت مصرة على الخيانة؟؟ يئست من حسام ففتشت عن غيره؟؟ إنني سأقتله قبل أن يتمكن أي رجل من الوصول إليك... سأقتلهم جميعا...
    عادت رغد تسأل:
    "ماذا؟؟"
    فنطقت أخيرا وعيناي ملؤها الغضب:
    "رغد.. هل تعرفين من الضيوف الذين زارونا الليلة؟؟"
    وقبل أن تجيب نطق أخي رادعا:
    "ليس وقته وليد".
    تجاهلت كلام أخي, أما رغد فقد ألقت عليه نظرة حائرة ثم عادت إلي وقالت:
    "كلا... ما أدراني؟؟"
    فقلت وأنا أعض على لساني:
    "إنه السيد أسامة المنذر... والد صديقتك".
    وتفحصت عينيها لأرصد تعبير يظهر منهما دالا على أي شيء... ولم أجد غير الحيرة والتساؤل...
    قلت بذات الحدة والشرر المتطاير من عيني:
    "أتعرفين من جاء برفقته؟؟"
    فهتف أخي بانفعال:
    "ليس وقته يا وليد دعنا نناقش الأمر فيما بيننا أولا".
    فالتفتنا إلى شقيقي.. هي تعلوها الحيرة وأنا يجتاحني الغضب...
    سامر نظر إلى رغد وقال:
    "رغد عودي إلى غرفتك رجاء".
    تأملته رغد بقلق ثم نظرت إلي وعلائم التعجب تحيط برأسها من كل جانب...
    سألت:
    "ماذا هناك؟؟"
    فتولى أخي الإجابة قائلا:
    "لا شيء يا رغد. من فضلك اذهبي إلى غرفتك الآن".
    وأنا صامت لا أعلق... فتفاقم القاق والحيرة على وجهها ووجهت إلي السؤال:
    "ما الخطب وليد؟؟"
    فابتلعت غيضي وحبسته في جوفي وقلت محاولا أن يظهر صوتي لطيفا قدر الإمكان:
    "عودي إلى غرفتك".
    وأرادت أن تجادلني ولكنها رأت الإصرار في عيني والشرر المتطاير منهما.. فتراجعت... وقامت وغادرت الغرفة.
    بعدد ذهابها قام سامر وأغلق الباب ليضمن عدم تسرب صوتينا إليها ثم قال:
    "والآن... ما موقفك؟"
    رفعت رأسي إلى أخي وقلت:
    "أي موقف بعد؟"
    فقال:
    "أعني فيم تفكر؟"
    فأطلقت زفرة ضيق من صدري ومررت أصابعي بين خصلات شعري مشتتا... ثم أجبت:
    "الأمر..خلف حدود التفكير أصلا... إنما أنا متفاجىء..لم يذكر لي السيد أسامة شيئا.. ولا حتى بالتلميح أو الإشارة.. أنهم يفكرون بهذا..مع أن.. خالتي متوفاة مؤخرا.."
    قال أخي:
    "ورغد؟؟"
    نظرت إليه نظرة مطولة.. شاعرا بأن في صدري خنجرا يغرس وينزع ويغرس مرارا وتكرار... من رغد...
    سأل:
    "أتظنها تعرف؟ كما قال أسامة؟؟"
    زممت شفتي غيظا ثم قلت وأنا أضغط على أسناني أخرج الحروف من بينها:
    "لا أستبعد.. وارد جدا..."
    قال أخي:
    "لا... لا أظن".
    فرميته بنظرة اعتراض فقال:
    "رغد لن تفكر في هذا".
    فقلت وأنا أحاول السيطرة على نفسي قدر الإمكان:
    "بل تفكر.. والله الأعلم بما يدور في رأسها وما الذي تخطط له.. إنه ليس العرض الأول..."
    وانتبهت إلى أنني تهورت في الافصاح عما في نفسي.. فسألني أخي:
    "ماذا تعني.. بأنه ليس الرعض الأول؟؟"
    وكان الهلع والتعجب يغمران وجهه.. فقلت منسحبا:
    "لا يهم. الفتاة ليست للزواج على أية حال. والموضوع مستبعدا تماما إلى أن تنهي دراستها الجامعية".
    وصمتنا برهة ثم سأل أخي وشيء من التردد يلحظ على نبرة صوته:
    "وبعد ذلك؟"
    بعد لك؟؟ بعد ذلك ماذا؟؟ لم أجد جوابا لكن نظرات أخي ظلت تطاردني فاضطررت لقول:
    "لن نفكر الآن فيما بعد ذلك. نترك الموضوع برمته إلى أوانه. الآن.. هي ستدرس فقط وفقط".
    لم يبدو أن شقيقي اقتنع بالتوقف هنا, كان واضحا في عينيه المزيد من الكلام...
    وإذا به يقول:
    "وستنتهي الدراسة ذات يوم.. وربما يقبل عريس الغفلة هذا بالانتظار أو ربما... ربما يزورك عرسان آخرون... هكذا هي الطبيعة..."
    هببت واقفا من تأثير الكلمة علي... أي عرسان وأي آخرين؟؟ هذا ما كان ينقصني...
    تابع أخي:
    "أجل.. فهي فتاة رائعة... ابنة عائلة راقية وعالية الأخلاق وطيبة السمعة.. ولها مواصفات مرغوبة ولن تخطئها العين الباحثة عن عروس مثالية".
    فرددت بعصبية:
    "ماا تعني؟؟"
    فوقف أخي وقال:
    "أعني أنه سيأتي اليوم المناسب والظروف المناسبة لتوافق على زواج رغد.. مهما طال الأمد فهذه سنة الحياة".
    رددت بانفعال:
    "قلت إن الموضوع سابق جدا لأوانه.. لماذا أشغل دماغي في التفكير به أو الحديث عنه؟؟ لم لا ننهي الحوار العقيم هذا؟؟"
    قال أخي:
    "أريد أن أعرف فقط... ما هو موقفك من زواج رغد مستقبلا؟"
    قلت بضيق:
    "ولم أنت مهتم هكذا؟"
    فأجاب أخي وقد تبدلت تعبيرات وجهه إلى المرارة.. وفضحت خوالجه قبل أن يفصح عنها لسانه:
    "لأنني أنا.. أولى بها من أي شخص آخر.. وإن كنت ستزوّجها ذات يوم.. فيجب أن تعيدها إلي".
    واجتاحت قلبي زوبعة مجنونة.. لفت به مئة مره حول المنزل في ثواني.. بعثرت دماءه على أسواره وجدرانه.. وعادت إلي.. خالية اليدين...
    كان أخي يحدق بي.. ينتظر ردة فعلي والتي أكاد أعبر عنها بقبضتي...
    كيف تجرؤ يا سامر..؟؟ ألم تكف الضربة المدمرة التي تلقيتها قبل قليل؟؟ أنت أيضا تتحدث عن أخها مني؟؟
    هل خلت الدنيا من النساء.. إلا رغد؟؟ لماذا يريد الجميع سرقتها مني؟؟ هل يستكثرون علي أن أحظى في هه الدنيا بها؟؟ أنا لا أريد من الدنيا شيئا غيرها... إنها خلقت لي أنا... كيف يتجرأون على التفكير في شيء يخصني أنا؟؟ رغد هي فتاتي أنا.. هي جزء مني أنا.. حبيبتي أنا.. حلمي وواقعي أنا.. وستكون وتظل لي أنا... أتسمعون؟؟ لي أنا.. أنا وأنا فقط...
    كان سامر لا يزال ينتظر ردي.. وإن هو تأمل التغيرات التي اجتاحت قسمات وجهي لأدركَ مدى خطورة جريمته..لكنني أوليته ظهري وخطوت نحو الباب, محاولا الابتعاد قبل أن أفقد السيطرة على يدي..
    سامر ناداني:
    "وليد إلى أين؟"
    فقلت دون أن استدير إليه:
    "النقاش منته. ولا تعد لفتح الموضوع ثانية أبدا".
    لكن أخي لم يستمع لكلامي بل قال متابعا:
    "أريدك أن تجيبني فقط على هذا السؤال.. هل ستعيدها إلي؟"
    ثار بركاني لأقصى حد.. ولا بد أنكم ترون الدخان الأسود يتطاير من جسدي...
    رددت وأنا لا أزال موليا إيّاه ظهري:
    "سامر قلت لك وأكرر وللمرة الأخيرة... لا تتحدث في الموضوع ثانية, والتزم الصمت أسلم لك".
    فقال سامر بعصبية:
    "لن يدوم صمتي طويلا.. لقد تعبت من ها يا وليد.. إما أن تعطيني أملا في أن تعيدها إلي كما فرقتها عني.. وإلا فأنني لن أستمر في العيش معكما وتمثيل دور البليد.. أنت لا تشعر بمقدار ما أعانيه".
    هنا... انطلقت شياطين رأسي أخيرا وباندفاع جنوني... لا أستطيع السيطرة على نفسي... لا أستطيع... التفت إلى أخي ورشقته بسهام حادة.. ثم سرت نحوه.. وانقضت يداي على ذراعه بعنف... وصرخت في وجهه:
    "حذرتك من الاستمرار يا سامر... لم أعد السيطرة على غضبي... أنت المسؤول".
    حاول أخي إبعاد يدي عنه وهو يقول:
    "أبعد يديك يا وليد... ما الذي يغضبك الآن..؟ كأنك لا تعرف أنني أحبها وأنها كانت عروسي قبل أن تظهر أنت وتفسد كل شيء... أنا لم أتوقف عن التفكير بها".
    صرخت وأنا أجر أخي ثم أدفع به نحو الباب مستسلما لثورتي:
    "سأكسر جمجمتك... وأخرجها من رأسك عنوة... وأريحك... أيها المسكين".
    وبدأ العراك بالأيدي...
    كلانا استسلم للغضب.. وسلم قبضته لشياطين الجنون..
    تبادلنا اللكمات والركلات.. الضرب واللطم والصفع.. وحتى الدوس وشد الشعر والخنق.. كانت ساعة مجنونة.. مجنونة جدا.. أجن من أن نملك السيطرة عليها...
    مشاعرنا كانت هائجة كأمواج البحر الثائرة في ليلة إعصار عنيف مدمر...
    أنا سأحطم جماجم كل رجل... يفكر في رغد...
    كنت أمسك بذراع أخي وألويها بشدة بينما ألصق رأسه بالجدار بقوة وأصرخ:
    "إن فكرت بها ثانية فسأسوى رأسك بهذا الجدار.. هل فهمت؟؟"
    ثم شددته ودفعت به نحو المقعد.. وأخذنا نلهث من التعب.. ونتأوه من الألم..
    بعد قليل... سمعت نشيج أخي.. ورأيت دمعا يسيل من عينيه فشعرت بها دماء تقطر من قلبي...
    ذهبت إليه وجثوت إلى جانبه وأمسكت برأسه وقلت بعطف:
    "أخي.. أنا لا أريد أن أفعل بك هذا.. ليت ذراعي تقطع قبل أن أؤذيك.. سامحني..لكن.. لماذا استفززتني؟؟"
    وتأملت وجهه المتألم... وقلت:
    "يجب أن تنساها.. إنها لا تريك ياسامر... لو كانت ترغب بك بالفعل لما أوقفت زواجكما في آخر الأيام.. لما عرضتك لكل ما حصل... رغد لا تحبك.. إنها لا تحبك يا أخي فلا تتعب قلبك".
    وكان رد أخي أن لكم وجهي لكمة قوية أوقعتني أرضا.. وأدمت أنفي... ثم نهض ومسح وجهه براحتيه وقال:
    "أنت السبب يا وليد.. ليتك لم تخرج من السجن إلا بعد عشرين سنة من الآن.. ليتك تعود إليه من جديد وتخلصنا من وجودك.. أفسدت حياتي.. حطمت حلمي.. ضيعت مستقبلي يا وليد.. انعم بالحياة من بعدي إذن..."
    واستدار وسار نحو الباب وفتحه وصفعه بالجدار بقوة... وغادر المنزل...

    ********************
    غرفتي الحالية بعيده بعض الشيء عن مجلس الضيوف الذي استقبل فيه ابنا عمي ضيوفهما. ولكني سمعت صوت جلبة فخرجت من غرفتي ووقفت في الممر.. فتناهى إلى سمعي صوت شجار بين ابني عمي وربما عراك أيضا...
    داهمني القلق وسرت في اتجاه مجلس الضيوف ولما سمعت صوت ارتطام شيء بالباب.. ذعرت.. وتراجعت للوراء.. ثم عدت إلى غرفتي خائفة...
    وقفت عند باب الغرفة مضطربة تنقصني الشجاعة للذهاب إلى مجلس الضيوف واستكشاف ما الأمر.. إلى أن سمعت صوت ارتطام باب بجدار.. كان صوتا قويا انتقلت ذبذباته إلى باب غرفتي فاهتز ذعرا... وزادني فوق قلقي قلقا...
    أصغيت جيدا فسمعت وقع خطوات قوية وسريعة تعلو ثم تنخفض مبتعدة.. ثم صوت الباب الرئيسي ينفتح ثم ينغلق... ثم يخيم الهدوء في المكان..
    أحدهما قد خرج.. ومن وقع أقدامه على الأرض.. يظهر أنه كان غاضبا..
    وليد!؟؟
    خرجت من غرفتي هلعة.. وسرت بعكازي إلى أن بلغت مجلس الضيوف.. كان الباب مفتوحا.. أطللت برأسي من خلال فتحته فوقعت عيناي على وليد.. يجلس على الأرض بجانب المقعد.. ويسند رأسه إليه...
    هوى قلبي إلى قدمي وخارت قوتي فجأة لدى رؤيته على هذا الوضع فاستندت إلى الجدار وشهقت ثم قلت مفزوعة:
    "وليد ما بك؟"
    انتفض وليد فجأة وأدار وجهه إلي بسرعة.. فإذا بي أرى سيلا من الدماء يتدفق من أنفه..
    حملقت عيناي فيه أوسعهما.. وانحبس نفسي في صدري وكاد العكاز أن ينزلق مني ويوقني أرضا..
    وليد وقف وتلفت يمينا ويسارا حتى لمح علبة المناديل فسار إليها وتناول بعضها وجعل يمسح الدماء...
    انطلق نفسي السجين من صدري مصدرا صوتا يشبه الأنين.. تلاه صوت حنجرتي تحاول القول:
    "ماذا حصل؟"
    وكان واضحا أنه تعارك مع سامر...
    كانت ربطة عنقه مفتوحة كليا.. وملوثة ببقع الدماء الهاطلة من أنفه.. شعره مبعثر وهندامه غير مرتب.. ووجهه شديد الاحمرار والتعرق..
    لم يجب وليد على سؤالي, بل تهالك على المقعد وهو يرفع برأسه للأعلى ويضغط بالمناديل على أنفه ليوقف نزف الدماء... فخطوت نحو الداخل يسوقني الفزع والقلق..
    وحين صرت بمحاذاته خاطبته:
    "وليد.. ماذا حدث؟؟ أخبرني أرجوك".
    أبعد وليد المناديل الغرقة بالدم عن وجهه ووجه بصره إلي.. وحدق بي طويلا.. ولم يتكلم..
    كانت عيناه تتكلمان.. كأنهما تتهماني.. أو تعاتباني.. أو تتشاجران معي..
    ولكن ما الذي فعلته أنا...؟؟
    "وليد.."
    ناديته مجددا فما كان منه إلا أن قال:
    "عودي إلى غرفتك".
    ماذا؟؟ أعود إلى غرفتي وأنا أراك بهذا الشكل؟؟
    "لكن... أخبرني أرجوك ماذا حدث؟"
    فكرر وليد:
    "عودي يا رغد".
    قلت:
    "لا أستطيع.. طمئني أولا ما الذي يحدث؟؟ لماذا تعاركتما وإلى أين ذهب سامر؟؟"
    فأشاح وليد بوجهه عني.. لم أستطع إلا الانصياع لقلقي.. كيف أنصرف وأنا أراك هكذا وليد لا أقدر...
    جلست على المقعد بجواره.. تركت العكاز جانبا ومددت يدي وأمسكت بذراعه بحنان...
    التفت وليد إلي.. نظر إلي نظرة قصيرة ثم أغمض عينيه وأسند رأسه إلى مسند المقعد وتنفس بعمق...
    بقيت ممسكة بذراعه أكاد أحضنها.. وأكاد أفقد صوابي وأمد يدي وأمسح على رأسه وأطبطب على كتفيه.. رغم جهلي بحقيقة ما يحصل أشعر بأن وليد قلبي يتألم.. وأنا لا أتحمل هذا...
    "وليد...رد علي".
    توسلت إليه.. ففتح عينيه ونظر إلي ثم قال:
    "أرجوك يا رغد.. اذهبي إلى غرفتك الآن ولازميها.. لا تتعبيني أكثر".
    أنا أتعبك؟؟ أنا من يتعب لتعبك.. لكن إذا وجودي الآن يتعبك فأنا ذاهبة..
    قلت:
    "حاضر".
    وسحبت يدي من حول ذراعه وأمسكت بعكازي, ثم انصرفت دون أن أنطق بحرف واحد...
    في صباح اليوم التالي استيقضت متأخرة...
    ذهبت إلى المطبخ كالعادة لأعد شاي.
    كانت الخادمة منهمكة في أعمل التنظيف والساعة التاسعة والنصف صباحا. وكان المنزل خاليا من أي صوت أو حركة عدا ما تصدره هي. تركت الإبريق على الموقد وخرجت أتفقد ابني عمي. اليوم خميس وهو عطلة لدى المصنع... وقبيل الظهيرة سيسافر وليد إلى المزرعة من جديد... وقد يعود بالشقراء... ذهبت وتفقدت أولا غرفة المعيشة, المجاورة لغرفة نومي. طرقت الباب ولم يرد أحد.. ففتحتها ببطء وأرسلت نظراتي للداخل ولم أجد أحدا. كان سامر ينام هنا على الكنبة الكبيرة في الليالي الماضية وقد طلبت منه أن يبقى كذلك إلى أن تزال الجبيرة عني الأسبوع المقبل وأعود إلى غرفتي العلوية, حتى مع حضور الخادمة وبياتها على مقربة من غرفتي الحالية, لم أكن لأشعر بالطمئنان في هذا المنزل الكبير الموحش..
    سرت بعد ذلك في أرجاء المنزل.. هنا وهناك, ولم أعثر لأي من ابني عمي على أثر.
    عدت إلى المطبخ وسألت الخادمة عما إذا كانت قد رأت أيا منهما هذا الصباح فأجابت بالنفي.
    ساورني بعض القلق.. فطلبت منها أن تصعد للطابق العلوي وتتفقدهما. وعادت بعد قليل يتبعها وليد.
    كان وجه وليد ممتقعا وعلى خده كدمةمبهمة اللون.. كان يهبط الدرجات ببطء ونظره مركز على موضع قدميه.. كنت أقف أسفل الدرج في انتظار ظهور أي من وليد وسامر..
    ابتعدت الخادمة عائدة إلى المطبخ وبقيت أراقب وليد وهو يهبط الدرج درحة درجة..
    إلى أن توقف أخيرا بجانبي.
    بادرت بإلقاء التحية:
    "صباح الخير".
    فرد وهو لا يرفع بصره إلي:
    "صباح الخير".
    ثم سار وتخطاني وتوجه نحو المطبخ.
    لحقت به فوجدته يفتح الثلاجة ويستخرج علبة حليب بارد ويهم بفتحها.
    قلت:
    "ألا ترغب في بعض الشاي؟؟"
    فقال وهو يفتح الععلبة ويسكب شيئا منها في أحد الكؤوس:
    "كلا شكرا... الجو حار".
    وجلس على أحد المقاعد الموزعة حول الطاولة وأخذ يشرب الحليب البارد دفعة واحدة حتى أتى على آخره...
    يحب ابن عمي هذا الحليب.. ألا تلاحظون ذلك؟؟
    حضرت كوب الشاي الخاص بي ووضعته على الطاولة وجلست على المقعد المقابل لمقعده..
    بدأت بطرف الحديث:
    "هل أعد لك فطورا؟"
    أجاب:
    "لا, شكرا".
    قلت:
    "ولو وجبة بسيطة؟"
    فأكد:
    "شكرا يا رغد. لا أرغب بشيء الآن".
    احتسيت من قدح الشاي ثم قلت:
    "هل سامر في الأعلى؟"
    فنظر إلي باهتمام أخيرا.. ثم أجاب:
    "لا".
    فتعجبت وسألت:
    "أليس في المنزل؟؟"
    فأجاب:
    "كلا.."
    فازداد قلقي.. أيمكن أنه لم يبت هنا البارحة؟؟
    قلت:
    "أين هو؟"
    فرد:
    "خرج باكرا.. لم يحدد وجهته".
    وظهر الانزعاج على وجه وليد.. لم أقو على إطالة المقدمات.. أنا متلهفة لأعرف ما حصل البارحة.. قلت مباشرة:
    "لماذا تشاجرتما؟"
    فرماني بنظرة ثاقبة.. ثم زاح بصره عني وتجاهل سؤالي. قلت:
    "أرجوك أخبرني.. أنا أعيش معكما في هذا المنزل وأشارككما في كل شيء".
    فأرجع بصره إلي.. ثم قال:
    "نعم.. في كل شيء".
    ولا أعرف أن قالها جادا أم ساخرا.. لأن تعبيرات وجهه غامضة جدا.. استأت من تهربه وقلت:
    "أرجوك وليد.. أخبرني وأرحني.. أنا لم أنم جيدا البارحة من شدة القلق ولم أجرؤ على مغادرة غرفتي حتى لا تغضب مني.. أرجوك قل لي ماذا هناك؟"
    ظل وليد ينظر إلي بتركيز.. ثم سأل:
    "أحقا لا تعرفين؟؟ ألم تخبرك صديقتك بشيء؟؟"
    أصابتني الدهشة.. صديقتي؟؟ تعني مرح؟؟ ما دخل مرح بالأمر؟؟
    سألته فيما الفضول يكاد يلتهمني:
    "تخبرني بماذا؟؟ مرح؟؟"
    فألقى وليد نظرة سريعة على الخادمة ثم عاد ينظر إلي. خاطبت الخادمة وطلبت منها الذهاب لتنظيف غرفتي... ولما انصرفت سألت وليد:
    "ما علاقة صديقتي بما حصل البارحة.. وليد أرجوك أوضح لي فأنا لا أفهم شيئا".
    وليد مد يده وأمسك بيدي وضغط عليها بشدة وتحولت تعبيرات وجهه إلى الجد المفاجىء والممزوج بالتهديد وقال:
    "اسمعي يا رغد.. إياك أن تفتحي الموضوع أمام سامر.. لا تسأليه عن أي شيء ولا تأتي بذكر شيء عن ليلة أمس لا تصريحا ولا تلميحا أمامه.. هل تفهمين؟؟"
    القلق بلغ ذروته عندي.. يبدو أن الموضوع أخطر مما كنت أعتقد.. قلت:
    "لا.. لم أفهم شيئا".
    فأغضب ردي وليد.. فشد الضغط على يدي واحتد صوته أكثر وهو يكرر:
    "بل تفهمين.. اسمعيني جيدا.. لا أريدك ولا بحال من الأحوال أن تشيري لليلة البارحة أمامه. تصرفي بشكل عادي وكأن البارحة لم تكن أساسا".
    سألت:
    "لماذا".
    فهتف بعصبية:
    "نفذي ما أقوله لك فقط.. فأنا سأسافر اليوم ولن أكون موجودا للتدخل وتحويل المواقف. أريد أن يمر اليومان بسلام إلى أن أعود وأجد مخرجا للمأزق الجديد الذي أقحمتنا فيه".
    هتفت:
    "أنا..!!"
    ووجهي يملؤه التعجب وعدم الفهم.. فأبعد وليد يده عني.. ثم نهض واقفا وأراد مغادرة المطبخ. قلت محتجة:
    "وليد انتظر أنت لم توضح لي شيئا".
    فأشار بيده لي أن أصمت.. ثم قال:
    "لاحقا يا رغد.. ليس وقته الآن.. افعلي فقط ما طلبته منك".
    وانصرف.
    لم أطق صبرا مع كل هذا الغموض.. توجهت إلى غرفتي وطلبت من الخادمة المغادرة, وتناولت هاتفي المحمول واتصلت بصديقتي مرح..
    لكم أن تتصوروا الدهشة التي اجتاحتني عندما علمت من مرح..أن.. أن... إه.. أن والدها وعمها.. تقدما بطلب يدي للزواج من... من شقيقها الرسام.. الأستاذ عارف.. الذي حضرت معه معرضه الفني أمس الأول.. ورآني صدفة هناك!!!!
    "لا يارغد.. كنا سنتقدم لخطبتك حتى قبل أن يراك فأمي وأختاي أعجبن بك عندما زرناكم بعد خروجك من المستشفى.. وأيدتا ترشيحي في الحال".
    وعادت بي الذكرى بسرعة إلى تلك الليلة.. حيث دعونا آل منذر للعشاء عندنا وحضرت أم مرح وأختاها.. أذكر أنني ليلتها كنت منزعجة لأنهن سلطن اهتمامن على الشقراء التي سرقت الأضواء مني.. ولم أكن لألحظ أن عيونا خفية كانت تراقبني أنا....!
    انتبهت من لحظة الذكرى على صوت مرح تقول:
    "وكنا نريد زيارتكم لو لا أنكم سافرتم... أما عارف فهو يثق في اختيارنا.. وعندما قلت أن ستحضرين المعرض خطرت ببالي فكرة أن أريكما بعضكما البعض وعارف ألح بأن يزوركم البارحة.. وأخي شخص مهذب وراغب في الزواج بكل جدية".
    وكانت نبرتها تمزج بين الضيق والعتب... فقلت مهدئة إياها:
    "ليس قصدي عكس ذلك لا سمح الله.. إنما.. آه.. لماذا لم تخبريني عن هذا سابقا؟"
    فأجابت بذات النبرة.. وهي نبرة لم أعتد سماعها من مرح التي لطالما غلب المزح والمرح على أسلوبها:
    "لمحت لك تلميحا خفيفا... لم أستطع التحدث معك مباشرة.. أنت خجولة جدا وخشيت أن أحرجك أو أن تغيري رأيك في حضور المعرض.. ولم تسنح الفرصة قبل ذلك بسبب سفرك".
    قلت:
    "لكن يا مرح".
    فقاطعتني مرح قائلة:
    "لكن ماذا يا رغد؟؟ أنتم تشعروننا بأننا ارتكبنا خطيئة بعرض الزواج هذا!"
    فاجأني رد مرح فقلت:
    "لم تقولين هذا؟"
    فقالت:
    "أنت تحققين معي الآن وكأنني متهمة.. وأبوك وأخوه لسعا أخي بنظراتهما البارحة
    ولم يتفوها بكلمة واحدة ولو من باب المجاملة تشير إلى أنهما يرحبان بالعرض أو يقدران أصحابه.. لقد أخبرني عارف بأنهم غادروا ولديهم الانطباع بأن العرض مرفوض قبل دراسته.. وكأن عائلتكم لا تتشرف بالرتباط بعائلتنا".
    قلت بسرعة نافية:
    "ما الذي تقولينه يا مرح الأمر ليس كلك إطلاقا".
    فسألت:
    "إذن ماذا؟؟"
    فقلت:
    "إنه أكبر بكثير مما تظنين..."
    بعد حديثي معها جلست أفكر طويلا... لم أكن أتوقع أن يكون الأمر هكذا... ما الذي سأفعله وكيف سأتصرف؟؟
    بعد حوالي الأربعين دقيقة خرجت من غرفتي قاصدة الذهاب إلى غرفة المعيشة ورأيت وليد هناك يجلس على طرف أحد المقاعد ويبدو عليه الاضطراب ولما رآني سأل:
    "ألم يعد سامر؟"
    فأجبت:
    "لا أعرف. لا أظن فأنا لم أسمع صوت الباب".
    وهنا سمعت صوت الباب الخارجي, فوقف وليد ثم قال بصوت هامس:
    "لا تنسي ما قلته لك".
    فأومأت برأسي.. وخطوت إلى الداخل.
    وافانا سامر مباشرة ولم يلق التحية بل ألقى علينا نظرة سريعة ثم هم بالانصراف.
    ناداه وليد وقال:
    "تأخرت يا سامر.. ألا تعلم أن لدي رحلة هذه الظهيرة؟؟ بالكاد يتسع الوقت للوصول للمطار".
    فالتفت سامر إليه ثم ألقى نظرة على ساعة يده ثم قال:
    "لا يزال الوقت كافيا".
    ثم استدار إلى الباب ثم توقف واستدار نحو وليد وقال:
    "على فكرة وليد.. لقد حجزت مقعدا على نفس الطائرة".
    واستدار وولى منصرفا نحو الدرج!
    لم يعط وليد الذهول فرصة لتملكه, بل أسرع عقب أخيه وهو يناديه إلى أن أدركه عند أسفل السلم.. ولحقت بهما في اندهاش شديد..
    قال وليد:
    "ماا تقصد؟؟"
    فأجاب سامر وهو يرفع قدمه إلى الدرجة الأولى:
    "أقصد أنني سأسافر أيضا إلى الشمال الآن".
    وتابع خطواته فهتف وليد:
    "سامر قف هنا وكلمني..."
    فتوقف سامر بعد بضع درجات وأرسل نظراته إلى وليد... وتسللت إحداها إلي فقرصتني...
    قال وليد:
    "ماذا تعني بتصرفك هذا؟؟"
    أجاب سامر وصوته يعلو ويحتد:
    "لا أعني شيئا. لدي أشياء ضرورية لأحضرها وأمور مهمة لأنجزها في المدينة التجارية.. تعرف أن سفري كان مفاجئا وعاجلا جدا".
    فقال وليد بصبر نافذ:
    "ولكنني سأسافر الآن.. فهل تريد أن نسافر كلانا ونترك المنزل ومن فيه هكذا؟؟"
    وأصابتني الفكرة بالرعب... فقال سامر:
    "عد ليلا فهناك رحلة مناسبة هذا المساء".
    ثم تابع صعود الدرجات حتى اختفى عن أنظارنا.. وقف وليد برهة كمن يحاول استيعاب ما سمع, ثم صعد الدرجات ليلحق بسامر..
    استوقفته وقلت مرعوبة من الفكرة:
    "أنا لا أستطيع البقاء وحدي".
    فالتفت إلي وقال:
    "وهل ترينني بهذا الجنون لأفعل هذا؟؟"
    وواصل صعوده حتى اختفى هو الآخر عن ناظري...

    ****************************



    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

    هيبة ملك
    أميرة مميزة
    أميرة مميزة

    مشاركاتي مشاركاتي : 319

    النقاط النقاط : 318950

    العمر العمر : 19

    البلد البلد : المملكه العربيه السعوديه

    المزاج المزاج : رايقهَ

    تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 09/10/2012

    رسالتي للعضوات رسالتي للعضوات : ضيفوني في الاسك اف ام : @ko0ka37

    رد: رواية انتِ لي ( منقـــول )

    مُساهمة من طرف هيبة ملك في السبت 20 أكتوبر - 19:12

    تتـــــــمه
    *******

    لحقت به إلى غرفته.. نفس الغرفة التي كان يقيم فيها في الماضي والتي نظفتها الخادمة يوم أمس.. ووضع فيها حقائبه وبات على سريره القديم فيها البارحة.
    كان يستخرج شيئا من إحدى حقائبه.. سألته:
    "ألست تمزح يا سامر؟؟"
    فالتفت إلي وقال:
    "وهل تراني بمزاج جيد ومناسب للمزاح؟ ها هي التذكرة على المنضدة أمامك".
    ولمحت التذكرة بالفعل على المنضدة...
    قلت:
    "سامر لماذا تفعل ذلك؟؟"
    أجاب:
    "قلت لك أن لدي حاجيات ضرورية سأحضرها ومهام سأنجزها".
    قلت:
    "وهذه لم تظهر إلا الآن؟؟ أجل سفرك للأسبوع المقبل أو على الأقل لحين عودتي"
    قال:
    "مستحيل سفري ضروري وملح الآن".
    وأخذ بضع أشياء معينة في حقيبة يد صغيرة ثم يأتي باتجاه الباب.. قاصدا المغادرة حاصرت عينيه بنظراتي.. كانتا كوردتين ذبلتا فجأة بعد انقطاع المطر.. شعرت بألم فظيع في صدري وفي معدتي.. استوقفته وقلت بصوت حنون:
    "تمهل يا سامر.. حسنا.. دعنا نناقش الأمر بعد عودتي من السفر.. أعد حقيبتك إلى مكانها".
    توقف سامر عن الحركة وصمت قليلا ثم قال:
    "نناقش ماذا؟"اجترعت المرارة وقلت:
    "ما كنا نناقشه البارحة نبين مواقفنا ووجهات نظرنا... وحقائق الأمور".
    قال سامر والحزم جلي على وجهه:
    "بالنسبة لي هناك حقيقة واحدة لا جدوى من محاولة اللف والدوران بعيدا عن محورها إما أن تعطيني وعدا بإعادتها إلي, أو سأخرج من حياتكما نهائيا".
    قلت:
    "هل أنت مجنون؟"
    فتجاهل سامر تعقيبي وسار مغادرا الغرفة. لحقت به وناديته مرارا ولكنه واصل طريقه, عند أعلى الدرج التفت إلي وأشار بسبابته نحوي وقال:
    "أنت السبب يا وليد.. تذكر هذا".
    وهبط الدرجات واختفى من المنزل
    قرب أسفل العتبات, كانت تقف الفتاة التي تعاركنا بسببها.. سامر خرج مسرعا ولم يلتفت إليها.. استندت إلى السياج وسبحت في بحر من الضياع..
    لماذا وقع شقيقي الوحيد.. في حب الفتاة التي هي حبيبتي أنا.. فتاتي أنا..التي لن أتنازل عنها لأجل أي مخلوق.. حتى وإن.. كنت أنت يا سامر..
    وبسبب سفره اضطررت لأن ألغي رحلتي وأبقى مع رغد.. فيما النار مشتعلة في المزرعة.. تنتظر عودتي كي أخمدها..
    مع بداية أسبوع جديد.. عادت رغد إلى جامعتها كانت لاتزال بالجبيرة والعكاز.. ولكن ذهابها إلى جامعتها كان الحل الأمثل للوضع الحالي المضطرب..
    ولأنها لاتزال بحاجة للمساعدة, فقد وجدنا الحل في أن ترافقها صديقتها المقربة ذهابا وعودة في الفترة الراهنة, على أن أتولى بنفسي إيصالهما.
    وفي إحدى المرات, وفيما كنت في اجتماع مهم في مكتبي في مبنى إدارة المصنع, وردتني مكالمة من رغد. كانت الساعة الثانية عشر والنصف ظهرا, ورغد لم تكن تتصل إلا للضرورة ولما أجبتها أخبرتني بأنها أنهت محاضراتها لهذا اليوم وتريد العودة إلى المنزل.
    لم يكن التوقيت مناسبا فطلبت منها أن تنتظر اتصالي لاحقا.
    وبعد نحو أربعين دقيقة, اتصلت بها كي أخبرها بأنني مشغول ولن أوافيها قبل ساعة, ففوجئت بها تخبرنب بأنها وصديقتها الآن في طريق العودة إلى المنزل, في سيارة شقيقها.
    هذا الشقيق لم يكن إلا... الأستاذ عارف.
    تمالكت نفسي, وأنهيت المكالمة بهدوء ظاهري, وتابعت عملي دون تركيز حقيقي...
    وعندما عدت إلى المنزل, حاملا طعام الغداء كالعادة, كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرا...
    توجهت إلى غرفة رغد, لا أطيق صبرا... ولما اقتربت من الباب سمعت صوت ضحكات.. كانت ضحكات رغد ممزوجة مع ضحكات فتاة أخرى...
    ذهبت إلى المطبخ وسألت الخادمة, فأخبرتني أن لدى رغد ضيفة تناولت معها غداء أحضرتاه معهما ظهرا... وهما تجلسان في الغرفة منذ فترة.
    انزويت على نفسي في غرفة المعيشة.. بعد ساعة ونصف الساعة, سمعت صوت حركة في الممر... ومعها صوت الفتاتين تودعان بعضهما البعض, ثم صوت الباب الرئيسي يغلق.
    هببت واقفا وسرت نحو الباب وأنا أتنحنح لألفت الانتباه... وفي الممر رأيت رغد تسير باتجاه غرفتها فناديت:
    "رغد".
    التفت إلي, وسرعان ما لمحت البهجة على وجهها... كان واضح أنها مسرورة..
    سألتني:
    "أنت هنا؟ متى عدت؟"
    سرت نحوها وأنا أجيب:
    "قبل ساعة ونصف تقريبا".
    وأضفت:
    "آسف. لقد كنت في اجتماع مهم".
    قالت:
    "لا بأس".
    ثم استدارت تريد متابعة السير إلى غرفتها.
    انتظري! إلى أين تذهبين...؟؟ قلت:
    "إذن... عدتما مع... الأستاذ عارف؟"
    فالتفتت إلي ولاتزال تعبيرات السرور بادية على وجهها وقالت:
    "أجل...فقد أنهينا محاضرات اليوم باكرا ولم نشأ تضييع الوقت في الانتظار... عدنا ودعوت مرح للغداء والمذاكرة معي".
    كتمت ما في نفسي وتركتها تعود إلى غرفتها بسلام.
    وعدت إلى غرفة المعيشة.. وكررت الاتصال بشقيقي عدة مرات بلا جدوى.. إنني لم أتمكن من محادثته منذ سافر.
    اتصلت بالمزرعة وكالعادة رفضت أروى التحدث معي.. وأعاد العم إلياس تأكيده بأن الوضع حرج وأن علي الحضور فورا...
    وككل يوم... دخلت مكتبي وبقيت فيه, وبقيت رغد في غرفتها... في الواقع لم نكن نلتقي إلا على مائدة العشاء التي نتناول طعامنا حولها شبه أخرسين...
    شعرت بملل شديد وأنا في المكتب... ولم يفلح حاسوبي في شغل تفكيري... لدي أمور أعمق وأهم لأفكر بها...
    غادرت مكتبي طالبا بعض الاسترخاء... وفي الواقع... بحثا عن رغد.كانت في غرفتها...
    "هل كنت تدرسين؟"
    أجابت وهي تفتح الباب وتشير إلى مجموعة من كراسات الرسم الموضوعة على سريرها:
    "كنت أتصفح رسماتي".
    قلت محاولا إذابة بعض الجليد من حولنا:
    "ألديك الجديد؟ أيمكنني التفرج؟؟"
    ظهر على رغد وجه رغد تعبير لم أفهمه... ثم توهج قليلا...وقالت:
    "نعم,بالطبع... تفضل".
    آذنة لي بدخول الغرفة, فقلت مفضلا:
    "دعينا نذهب إلى المطبخ... سأعد بعض الشاي".
    وسبقتها إلى المطبخ وبدأت بالتحضير للشاي.وافتني بعد قليل تحمل إحدى كراستها. وضعتها على الطاولة وجلست وهي تقول:
    "لا أظنك شاهدت هذه".
    وقد كنت فيما مضى أتفرج على لوحاتها الجديدة من حين لآخر... وكانت صغيرتي تسر بذلك... أقبلت نحوها وجلست على المقعد المجاور لها, وتناولت الكراسة وشرعت في تصفحها...
    سمعنا صوت فقعات الماء المغلي... فوقفت رغد قائلة:
    "سأعده أنا".
    وأمسكت بعكازها. قلت وأنا انظر إلى العكاز وأتذكر موعد الطبيب:
    "غدا نذهب إلى الطبيب وينزع جبيرتك وتستغنين عن هذا أخيرا".
    فابتسمت ابتسامة مشرقة وواصلت طريقها.
    كنا جالسين على مقعدين متجاورين, كما لم نفعل منذ زمن... نحتسي الشاي الدافىء... أنا أقلب صفحات الكراسة, وهي تلقي بتعليق على الصفحات من حين لآخر... لا شيء غير ذلك... لا شيء أقرب من ذلك... أخفي ما يدور في رأسي خلف صفحات الكراسة... أخاول أن أتحدث عن شيء خارج حدود الصفحة, ولا أجرؤ...
    يا ترى... ما الذي تفكرين به الآن أنت يا رغد؟؟
    على الورقة التالية, وجدت ورقة ملاحظات صغيرة, ملصقة على الصفحة المقابلة للرسمة... وكان كتوب عليها وبخط صغير ومرتب كلمات مختصرة فهمت منها أنها تعليق على الرسمة المقابلة..
    كانت الرسمة بالفعل خلابة... تفوق ما سبقها روعة... أخذت أتأملها مطولا... ورغم أنني لا أفهم في فن الرسم شيئا.. إلا أنني انبهرت بها تماما...
    قلت:
    "بالفعل رائعة! ما شاء الله".
    ابتسمت رغد وتودر خداها قليلا ثم قالت:
    "هذه الأجمل بين المجموعة... حسب شهادة الخبراء".
    التفت إليها وسألت:
    "الخبراء؟"
    فقالت وهي تشير إلى ورقة الملاحظات الملصقة على الصفحة المقابلة:
    "هل قرأت هذا؟"
    قلت:
    "نعم. أهي إحدى مدرساتك في الجامعة؟"
    ابتسمت رغد وقالت:
    "لا! إنه الرسام عارف... فقد اطلع على رسومي في هذه الكراسة وأبدى ملاحظاته".
    كدت أوقع قدح الشاي من يدي وأسكبه على هذه الصفحة بالذات... فوجئت... وتسمرت عيناي على ورقة الملاحظات... وعبثا حاولت إبعادهما عنها...
    ماذا تعنين يا رغد؟؟ تعنين أن عارف... عارف هو الذي كتب هذا؟؟ عارف أمسك بكراستك هذه... وتأمل رسماتك؟؟ كيف تجرأت على اقتراف هذا يا رغد؟؟
    التفت إليها أخيرا... وبدأ الشرر يتطاير من عيني... لكن عينيها كانتا تحملقان في ورقة الملاحظات... والبهجة مشعة على وجهها...
    وضعت كوب الشاي جانبا... وشددت على قبضتي غيظا... ثم سألت:
    "و... وكيف شاهد الأستاذ كراستك؟؟"
    فأجابت:
    "أعطيتها لمرح قبل يومين وأعادتها إلي اليوم".
    ازدرت ريقي وابتلعت حنقي معه وتظاهرت بالتماسك وقلت:
    "لكن... لماذا؟؟ أهي فكرتك؟"
    أجابت رغد:
    "فكرة مرح! إنها كانت تصر علي بأن تعرض لوحاتي على شقيقها الفنان منذ مدة... تقول أنها واثقة من أنها ستعجبه وسيرحب بعرضها في أحد معارضه ذات يوم... وأخذت كراستي كعينة".
    عضضت على شفتي وقلت:
    "و... ما رأيك أنت؟؟"
    فقالت بسرور واضح:
    "إذا رسمت لوحة مميزة فلا أحب إلي من أن تعرض ضمن مجموعة لفنان مبدع! سيكون هذا نجاحا كبيرا لي!"
    وكانت عيناها تبرقان سرورا...
    قلت غير قادر على تحمل المزيد:
    "يبدو... يبدو... أنك... مبهورة بالفنان عارف المنذر... ألست كذلك؟؟"
    وانتظرت إجابتها وأعصابي تحترق من الغيظ... رغد رفعت بصرها من الكراسة ونظرت إلي... ثم طأطأت رأسها وتوهجت وجنتاها واضطربت تعبيراتها...
    ماذا تعنين بربك يا رغد؟؟ كيف تجرئين؟؟
    تبا! أي مصيبة ألقت بك علينا أيها العارف؟؟ ومن أين خرجت؟؟
    أنا لا أسمح لك بهذا يارغد...
    أغلقت الكراسة لأنني لم أستطع تحمل شيء بعد... وبدا الاضطراب على أصابع يدي... لم أقو على كبت مشاعري أكثر... كيف... وأنا أقرأ الإعجاب في عين فتاتي برجل ما... أيا كان؟؟
    مددت يدي حتى أمسكت بيدها... وشددت عليها... رغد حملقت بي... وكسا الجد وجهها... رمقتها بنظرات مزجت الغيظ والعتاب والرفض والتوسل... لا أدري إن كانت رغد فهمت أيا منها... تجرأت أخيرا وقلت:
    "رغد... لا بد... وأنك... تعرفين أنه... طلب يدك مني".
    وتفحصت تعبيراتها بالتفصيل... هربت بناظرها عني... وعلاها الارتباك... وحاولت سحب يدها مني... فشددت عليها أكثر... وقلت:
    "إذن...؟؟"
    وتأملتها بتركيز شديد... لم تقل شيئا... ولم تحرك ساكنا... غير أن توهج وجهها تفاقم... ما أشعرني بالأم أكثر فأكثر... فشددت على يدها بقوة أكبر... علها تحس بما أعانيه... هذه الحبيبة الخائنة...
    قلت:
    "ما هو موقفك يا رغد... أخبريني؟؟"
    لكنها لم تتفوه بشيء ولم تنظر إلي... أجيبيني يا رغد أرجوك... قولي أنك لا تفكرين في شيء كهذا... وأنك ترين في العالم رجلا غيري أنا... أريحيني أرجوك!.
    ولما لم تجب... أرسلتني الأفكار إلى الجنون...
    قلت بنيرة عنيفة وقد تفجر الغضب في صوتي:
    "تكلمي يا رغد... أطلعيني على ما تفكرين به الآن".
    نبرتي القوية أخافت رغد.. فألقت نظرة وجلة ثم حاولت تحرير يدها من قبضتي وقالت بتوسل:
    "أرجوك... اتركني".
    وأرادت الوقوف والهرب بعيدا... غير أنني لم أطلق سراح يدها ووقفنا معا... هي تحاول الابتعاد وأنا أعيق تحركها...
    "أرجوك وليد.."
    قلت مباشرة:
    "أرجوك أنت... أطلعيني على ما يدور في رأسك".
    قفزت دمعة فجأة من عين الصغيرة واجتاحها الحزن...
    حرت في تفسير موقفها... قلت:
    "أنا من لم يعد يفهمك... ماذا تريدين؟ بمن تفكرين؟"
    صاحت رغد ووجهها ينكمش:
    "لا أحد...لا شيء... أنا لا أريد أن أتزوج أصلا... أبدا... أنت لن تفهمي.."
    وسحبت يدها... وسارعت بالتقاط عكازها ومغادرة المطبخ...
    رميت بثقل جسمي على الكرسي... وأسندت رأسي إلى الطاولة... وزفرت زفرة طويلة...
    وهذا الموقف العصيب... لم يزد العلاقة بيننا إلا برودا وتباعدا ... وبعد أن كنا نلتقي على الأقل على مائدة الطعام, صرنا لا نلتقي إلا في السيارة... وأنا أقلها ذهابا وعودة إلى ومن الجامعة.
    أما الأحاديث التي بيننا فقد تضاءلت لحد التلاشي... ولم نعد نكلم بعضنا البعض غير كلمة أو اثنتين في اليوم الواحد.
    كان مأزقا شديدا جدا... أثقل كاهلي وأحنى ظهري... إلا أن الورطة التي تلته... تخطت كل شدة وتجاوزت كل حدة... إنها الكارثة التي قصمت ظهري نهائيا...
    كانت ليلة أربعاء... وكنت مستلق في غرفة المعيشة, على وشك النوم, حين وردتني مكالمة هاتفية هيجت كل خلايا اليقضة في دماغي, وغيرت مجرى حياتي مائة وثمانين درجة... على الفور...
    كان المتصل أبا حسام... وهو لم يتصل بي منذ فترة.
    في البداية تجاهلت الاتصال.. فقد كنت أريد الاسترخاء بعيدا عن أي مؤثر خارجي... غير أن إلحاح المتصل... أثار فضولي.
    "مرحبا.."
    أجبت فتحدث أبو حسام مباشرة:
    "مرحبا يا وليد. كيف حالك؟ أين أنت".
    أقلقتني نبرته وسؤاله... فقلت:
    "خيرا؟؟"
    وفوجئت به يقول:
    "هل أنت في المنزل الآن؟؟ أنا عند الباب".
    ماذا؟؟!!
    "عند الباب؟؟"
    سألت مندهشا فأجاب:
    "نعم. فإذا كنت موجودا فافتح لي فهناك ما جئت أخبرك عنه".
    هببت جالسا بهلع... وسألت:
    "ما الأمر؟؟"
    فقال:
    "دعني أدخل أولا".
    وبسرعة ذهبت إلى الفناء وفتحت الباب فوجدت أبا حسام يقف أمام مرآي...
    انتابنب الهلع... فوجوده وفي كثل هذا الوقت وبهذه الحال ينذر بالخطر...
    قدت الرجل إلى الداخل...وكان يسير بحذر... وذهبنا إلى المجلس الرئيسي وأنا بالكاد أسيطر على ذهولي...
    بمجرد أن جلس على المقعد وقبل أي كلام آخر سألته:
    "ماذا هناك؟؟"
    أبو حسام تلفت يمنة ويسرة... وكأنه يريد أن يستوثق من أن أحدا لا يسمعنا... وكان الجد مجتاحا قسمات وجهه بشكل مخيف...
    لطفك يا رب...
    تحدث أخيرا وقال:
    "هناك أمر خطير يجب أن تعرفه وتتصرف حياله فورا يا وليد".
    أفزعتني الجماة, فحملقت به بأوسع عيني... وقلت:
    "أي أمر؟؟"
    قال وهو يخفت صوته:
    "المصادر التي حصلت منها على المعلومات موثوقة مائة في المائة. وأنا أخاطر بإفشائها لك... وقد أتيت سرا لأبلاغك... يجب أن تعيها جيدا وتتصرف حيالها بمنتهى الحذر... وبمنتهى السرعة".
    قلت مضطربا:
    "جففت حلقي يا عم... أخبرني ماذا هناك؟؟"
    وهنا قرب أبو حسام رأسه مني وقال بصوت حذر:
    "يتعلق الأمر... بشقيقك".
    توقف قلبي عن النبض فجأة... وصدري عن التنفس... واجتاحني فزع مهول... رفعت يدي إلى صدري وقلت بفزع:
    "ما به شقيقي؟؟"
    أبو حسام ركز أنظاره على وجهي وكأنه يقيس مدى الفزع فيه... ثم سأل:
    "أهو هنا؟؟"
    فقلت باضطراب:
    "لا... لكن مابه شقيقي؟ أرجوك أفصح؟؟ هل أصابه شيء؟؟"
    هز أبو حسام رأسه بنفي ممزوج بالأسف... ثم قال:
    "ليس بعد... لكنه على حافة الخطر..."
    ثم استنشق نفسا قويا من فمه وزفره أسفا ثم قال:
    "هل تابعت خبر محاولة اغتيال الوزير... الذي نفذته المنظمة المتمردة قبل أيام؟؟"
    أجبت بنظرة من عيني... تابع بعدها أبو حسام قائلا:
    "أخوك... متورط مع هذه المنظمة... وشارك في العملية بكل تأكيد".
    جفلت... تسمرت في وضعي... تصلبت أطرافي وتيبست عضلاتي... حتى كلمة (ماذا؟؟) لم أقو على النطق بها... أنا ربما... لا أسمع جيدا... ربما أنا نائم؟؟... ماذا... ماذا قلت؟؟
    حملقت في أبي حسام... غير مصدق... مذهولا لأبعد حد... فرأيت الجد ينبثق بقوة من عينيه... ثم إذا بي أحس بيده تمسك بكتفي... وصوته يطن في أذني:
    "الخبر أكيد تماما... طرت إليك من فوري لأبلغك... أحد الأعضاء وقع في أيدي السلطات وانتزعت منه اعترافات خطيرة... وهي في طريقها للقبض على العناصر جميعا..."
    وصمت لحظة... يراقب ردة فعلي وانفعالاتي المذهولة غير المصدقة, ثم أضاف:
    "سامر أحد العناصر... متى ما وقع في قبضتهم, فسيعدمونه لا محالة".
    أخيرا استطاع فمي النطق متلعثما هاتفا:
    "مستحيل!! م... ما... ما الذي... تقوله؟؟"
    شد أبو حسام الضغط على كتفي وقال:
    "أنا واثق من معلوماتي تماما..."
    شهقت ونطقت:
    "ما الذي تقوله؟؟ سامر أخي... عضو في... آه... ماذا؟؟ ما هذا الهراء؟؟"
    شد أبو حسام على كتفي بحزم أكبر وقال:
    "أعرف أنها صدمة... لكن... هذا ليس وقت المفاجأة يا وليد. شقيقك في خطر.. يجب أن تعمل فورا وفي الحال على إخراجه من البلد... الآن يا وليد.. قبل فوات الآوان".
    زفرت ونظرت من حولي... علي أجد ما يؤكد لي أنني لست في حلم... كنت رافضا تماما القبول بفكرة أن أخي... أخي أنا... آه كلا... مستحيل...
    قلت رافضا ومشككا:
    "ربما... ربما".
    لكن أبا حسام قال بحزم وجدية بالغين:
    "أنا لم أحضر من الشمال إلى الجنوب وبهذه السرعة وهذا الشكل وهذا الوقت لمجرد ( ربما ). وليد... أرجوك أن تستوعب الحقائق بسرعة. حياة شقيقك في خطر حقيقي... إنه متورط مع المنظمة منذ شهور... بعض العناصر هم زملاؤه في العمل في المدينة الصناعية... والعضو المعتقل وتحت وطأة التعذيب أفشى عن خطتهم التالية ومن سينفذها... سينفذونها هنا في المدينة الساحلية قريبا. السلطات ستنصب كمينا وتبتاغهم وترسلهم جميعا إلى الجحيم... لن ينجو إذا ما وقع في قبضتهم... لا مخرج أبدا".
    أمسكت برأسي الذي أحسست به يتأرجح على عنقي... وأغمضت عيني لأحول دون رؤية الأشياء بدأت تتراقص من حولي...
    أبو حسام وهو يراني هكذا قال حازما:
    "يجب أن تتماسك ياوليد... لا وقت للانهيار... يجب أن تنقذه قبل أن يقبض عليه وحينها... لا أمل في إنقاذه".
    حركت رأسي تأييدا وأنا لا أزال في مرحلة الصدمة, أجبر نفسي على تخطيها وسباق الزمن...
    قلت:
    "ماذا أفعل؟؟ كيف أتصرف؟؟"
    فقال:
    "يجب أن نخرج الشاب من البلد بأسرع أسرع ما يمكن... استخدم كل نفوذك وافعل المستحيل لترحيله إلى الخارج. لا أحد يقع في أيدي السلطات ويعود سالما. وخصوصا في قضية بهذه الخطورة... لا تدخر وسيلة مهما كانت".
    مسحت العرق الذي تصبب على وجهي كشلال مياه مالحة... وأخذت أفتح أزرار قميصي العلوية وكأن ذلك يساعد في إزاحة الكتم عن صدري... ثم قلت:
    "أنا... لا أعرف أين هو الآن".
    فنظر إلي أبو حسام بانزعاج فأوضحت:
    "سافر إلى الشمال الجمعة الماضي, ولم يجب على اتصالاتي".
    ثم قلت مستنتجا بذعر:
    "أخشى أنه..."
    فقاطعني:
    "لا يزال طليقا... وسيشارك في العملية التالية. لا بد وأنه في الجوار الآن.."
    في تلك الليلة... انحرفت الكرة الأرضية عن محور دورانها... وتخبطت واصطدمت في جميع الأجرام السماوية... ولم تبق لا نجما ولا قمرا... إلا وصفعته في رأسي...
    غادر أبو حسام المنزل... مخلفا إياي وسط كومة ضخمة هائلة... من حطام الكواكب...
    بقيت على ذات المقعد... أتلقى الصفعة تلو الأخرى... فاقدا الحواس الخمس... يحسبني الناظر إلي... جثة متصلبة تنتظر من يواريها...
    بعد حقبة من الزمن... الله الأعلم بمداها... عادت الروح إلى جسدي واستطعت التحرك...
    وقفت وأنا مفلوق الهامة... يأمرني الشقي الأيمن بالسير يمينا ويأمرني الأيسر بالسير يسارا... حتى إذا ما سرت... ترنحت وكدت أختتم صدماتي بارتطام بالجدار...
    صعدت السلم وقادتني قدماي إلى غرفة سامر, في الطابق العلوي.
    ربما خيل إلي... أنني سأستيقظ من الكابوس وأرى أخي ينام بسلام على سريره...
    لكنه لم يكن على سريره! أشعلت المصابيح غير أن النور لم يكتشف شيئا مستترا....
    ولا شعوريا أخذت أفتش بين أغراضه...
    مسكين وليد! هل خيل لك دماغك المفلوق... أنك ستجد شقيقك الغائب... مختبئا في أحد الأدراج؟؟
    ما وجدته في أحد الأدراج... كان صندوقا... إنه ذات الصندوق الذي رأيته في شقة أخي في المدينة التجارية... والذي تغلبت على فضولي ولم أفتحه...!
    ولكن لماذا تتحرك يدي لفتحه الآن؟؟ أي من شقي دماغي يأمرها بذلك؟؟
    فتحته... أخيرا فتحته ووقع بصري مباشرة على ما فيه!
    اشرأب عنقي... جحظت عيناي... تصادمت قطرات دمي وهي تتدفق بتهور وعشوائية من قلبي...
    أتعرفون ماذا رأيت؟؟
    لا لن تحزروا...!
    لقد كان... مسدسا!!!

    قــــــــراءه ممتعـــــــــــــــــــــته




    رجعت لألكم ي حلوويين..اكيد افتقدتمووني ؟؟

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 6 ديسمبر - 7:49